«المولد النبوي الشريف» ... الذكرى والعِبْرة

الخميس, November 30, 2017
كاتب المقالة: 

قال أمير الشعراء أحمد شوقي في القصيدة التي غنتها ام كلثوم:«وُلد الهدى فالكائنات ضياء    وفم الزمان تبسم وثناء»

 وكلما اطلت ذكرى مولد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، يحلو للمسلمين في مغارب الأرض ومشارقها الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بإعتبارها مناسبة جليلة تستحق منا الفرح والذي يصادف في الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام، وهي ترتبط بسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأُميّ الذي حرر البشرية من الجهل ونقلها إلى المعرفة والنور.
وقد اعتدنا في الاردن كما سائر العالم العربي والاسلامي الاحتفاء بذكرى المولد بالتعبد والاستزادة من الدعاء وتوزيع الحلوى عن روح سيد الخلق الطاهرة. كما تشمل الاحتفالية طقوساً اجتماعية وانسانية يتخللها توزيع الحلوى التي عُرفت بحلاوة المولد  وتبادل الزيارات والتهاني بين الجيران والأقارب.

دلالة المناسبة

المولد النبوي الشريف هو يوم مولد رسول الإسلام محمد بن عبد الله والذي كان في 12 ربيع الأول على القول الأشهر.حيث يحتفل به المسلمون في كل عام في معظم الدول الإسلامية، ليس باعتباره عيدًا، بل فرحا بولادة نبيهم رسول الإسلام محمد بن عبد الله.
تحتفل دول عدة في العالم بذكرى مولد الرسول محمد بن عبد الله حيث تعد هذه المناسبة عطلة رسمية في بضع دول على سبيل المثال سوريا،مصر،ليبيا،الأردن، تونس، الإمارات. بينما يحتفل آخرون بالمناسبة ( بلا )عطلة .
فنجد هناك مظاهر الفرح بالذكرى الخالدة بإقامة احتفالات منها الرسمية والخاصة وعلى مختلف المؤسسات، وتكثر الصلاة على النبي.

الاحتفالات

تحتفل الأسر الأردنية أحياناً بشكل فردي في مولد النبي من خلال عمل الأطعمة ووهبها عن روحه إضافة إلى كثرة الصلاة على النبي، وأسر أخرى تحضر مختلف الحلويات والمأكولات وتعزم عليها الأقارب وتوزع الحلوى على الفقراء والمحتاجين والجيران، ومنهم من يزور أهله ويتبادلوا التهاني، وهناك أنواع آخر من الاحتفالات؛ منها: يقوم أصحاب المحال بتقدم الحلوى للناس، وهناك حلقات دينية تقوم في المساجد ينظمها الشيوخ في إعطاء دروس دينية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، إضافة لحلقات تتضمن تلاوة القرأن والتسبيح، ويقام في بعض الأسواق الشعبية برفع أناشيد دينية.

عطل رسمية
في يوم ذكرى المولد النبوي الشريف تقوم حكومات الدول العربية والاسلامية بتعطيل الدوائر الرسمية الحكومية والخاصة، حيث أن في الأردن قرر رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي بتطعيل الوزارات والدوائر الرسمية والمؤسسات والهيئات العامة احتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، الذي يصادف اليوم وفي تأكيد من رئيس الوزراء في بلاغ رسمي أصدره لجميع الوزارات والدوائر الرسمية والمؤسسات والهيئات العامة ضرورة الإسهام في إبراز هذه الجليلة وإظهارها بما يليق بها.
نشاطات
تقوم المؤسسات سواء الرسمية أو الخاصة بتنظيم العديد من النشاطات في مختلف قطاعاتها، فتحتفل كل مؤسسة بطريقتها الخاصة وأبرز ما يتم تقديمه في هذه الاحتفالات هي الحلوى مثل الوربات والكنافة والهريسة، وتجد في المدارس يحتفلون بعد الذكرى مباشرة فتجد في الاذاعات المدرسية إلقاء قصائد في مدح النبي صلى الله عليه و سلم، و تذكير الطلبة بقصة مولد النبي وما فيها من حكم و عبر، وقد تتضمن هذه نشاطات الاحتفال بذكرى مولد النبوي الشريف بعض الأناشيد الدينية و يتم اختتامها بأكل الحلوى. ويحمل منذر صفوان  طالب جامعي سجادة الصلاة ويتجه نحو المسجد ويتحدث عن المولد النبوي بفكر شاب ويقول: لقد قرأت الكثير عن المناسبة وشعرت بالزهو لكوني شابا مسلما يكتشف كل يوم روعة الاسلام ومحاسن العلاقة التي كانت تربط المسلمين بعضهم ببعض. وما احوجنا اليوم للتعرف إلى ادبيات الاسلام الحنيف والتمسك بالاخلاق التي اورثنا اياها ديننا ورسولنا وصحابتنا الاكرمون.وعادة ما تمتد الاحتفالية بذكرى المولد النبوي الشريف الى ما بعد يوم المناسبة. فنجد المؤسسات الخاصة والرسمية تحتفل بالحدث الكبير كلا على طريقتها.
نشيد
وكلما هلت ذكرى المولد استحضرت النفس انشودة طلع البدر علينا والتي تعد أقدم نشيد إسلامي أداه الأنصار وأنشدوه لدى وصول النبي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يثرب/ المدينة المنورة، عند استكماله الهجرة. النشيد يعتبر أقدم الأناشيد الإسلامية المعروفة والذي يبدأ:  طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع. أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع .يقول عمر البدراني : « يوجد احتفال سنوي داخل مسجد الحي وتلقى فيه الخطب والأناشيد ويوزع فيه الحلويات على الحضور، نستذكر قصص النبي صلى الله عليه وسلم بأجواء يسودها التسامح والتعاطف في تبادل التهاني، وتصبح العلاقات أكثر دفئا والتي تقرب صلة الأرحام من بعضهم، كذلك الجيران وأهل الحي، وعلمنا الرسول محمد عليه السلام أن نتمسك بديننا ولا نسيء للآخرين، وأن نترجم عقيدتنا إلى سلوك في حياتنا.».
تاريخ الاحتفال بالمولد
يرجع المسلمون الذين يحتفلون بالمولد النبوي بداية الاهتمام بيوم مولد رسول الإسلام إلى النبي محمد نفسه حين كان يصوم يوم الاثنين ويقول هذا يوم وُلدت فيه، ويقال إن الملاء هو أوّل من قام بالاحتفال بالمولد. فيما يذكر الإمام السيوطي أن أول من احتفل بالمولد بشكل كبير ومنظم هو حاكم أربيل (في شمال العراق ) الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين.والذي وثقه علماء السنة بأقوالهم:
و في عهد الدولة الأيوبية كان أول من احتفل بالمولد النبوي بشكل منظم في عهد السلطان صلاح الدين، الملك مظفر الدين كوكبوري، إذ كان يحتفل به احتفالاً كبيرًا في كل سنّة، وكان يصرف فيه الأموال الكثيرة، والخيرات الكبيرة، حتى بلغت ثلاثمئة ألف دينار، وذلك كل سنة. وكان يصل إليه من البلاد القريبة من إربل مثل بغداد، والموصل عدد كبير من الفقهاء والصوفية والوعّاظ، والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من شهر محرم إلى أوائل ربيع الأول. وكان يعمل المولد سنة في 8 ربيع الأول، وسنة في 12 ربيع الأول، لسبب الاختلاف بتحديد يوم مولد النبي محمد. فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئًا كثيرًا وزفّها بالطبول والأناشيد، حتى يأتي بها إلى الميدان، ويشرعون في ذبحها، ويطبخونها. فإذا كانت صبيحة يوم المولد، يجتمع الناس والأعيان والرؤساء، ويُنصب كرسي للوعظ، ويجتمع الجنود ويعرضون في ذلك النهار. بعد ذلك تقام موائد الطعام، وتكون موائد عامة، فيها من الطعام والخبز شيء كثير.
الجوامع
و في عهد الخلافة العثمانية كان لسلاطين الخلافة العثمانية عناية بالغة بالاحتفال بجميع الأعياد والمناسبات المعروفة عند المسلمين، ومنها يوم المولد النبوي، إذ كانوا يحتفلون به في أحد الجوامع الكبيرة بحسب اختيار السلطان، فلمّا تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة قصر الاحتفال على الجامع الحميدي. فقد كان الاحتفال بالمولد في عهده متى كانت ليلة 12 ربيع الأول يحضر إلى باب الجامع عظماء الدولة وكبراؤها بأصنافهم، وجميعهم بالملابس الرسمية التشريفية، وعلى صدورهم الأوسمة، ثم يقفون في صفوف انتظارًا للسلطان. فإذا جاء السلطان، خرج من قصره راكبًا جوادًا من خيرة الجياد، بسرج من الذهب الخالص، وحوله موكب فخم، وقد رُفعت فيه الأعلام، ويسير هذا الموكب بين صفين من جنود الجيش العثماني وخلفهما جماهير الناس، ثم يدخلون الجامع ويبدؤون بالاحتفال؛ بقراءة القرآن، وثم بقراءة قصة مولد النبي محمد، ثم بقراءة كتاب دلائل الخيرات في الصلاة على النبي، ثم ينتظم بعض المشايخ في حلقات الذكر، فينشد المنشدون وترتفع الأصوات بالصلاة على النبي. وفي صباح يوم 12 ربيع الأول، يفد كبار الدولة على اختلاف رتبهم لتهنئة السلطان.

 

 

المصدر: 
جريدة الدستور الاردنية
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.