أدب الطفل في العالم العربي مأساة تتفاقم بمرور الزمن

الاثنين, May 25, 2015
كاتب المقالة: 

لم تكتف شبكة الإنترنت بحرمان الأطفال من الحميمية المجتمعية، نتيجة برامج التسلية والترفيه والألعاب فيها، وكذا عزلهم عن مصادر المعرفة الحياتية المباشرة من حولهم. إذ إنها أيضاً حلّت بديلاً عن الكتاب لديهم، وهو ما أفرز بالنهاية، تحول أدب الأطفال، وشيئاً فشيئاً، إلى نوع أدبي مُفتقَد في الساحة الثقافية. طبعاً هذا جراء جملة تأثيرات وقضايا.. وليس نتيجة عنصر أوعامل واحد. ويبدو أن كثيراً من النقاد والمتخصصين، شرعوا يركزون على هذه القضية بوجهة بحثية معمقة، مؤشرين إلى الأخطار المترتبة على الوضع المستقبلي في شأن المسألة.. ومتسائلين عن أجدى آليات وطرق إنعاش هذا المجال الإبداعي وجعله يحوز على شعبية، مجدداً، بين الأطفال. «البيان» ترصد في تحقيق متخصص، موضوعة هذه الإشكالية الإبداعية، التي شرعت تُعمّقها مفردات العصر، عارضة لوجهات نظر مجموعة معنيين. لم نكن في العالم العربي سباقين في التركيز على دور وقيمة أدب الأطفال. إذ إنه كان قد شهد هذا النوع من الأدب -أدب الطفل- حضوراً قوياً في القرن السابع عشر الميلادي، ومن ثم وجد طريقه إلى التطور في القرن العشرين، عندما ظهر فطاحل الكتاب الأوروبيون الذين تخصصوا في الحقل.. فأخلصوا له.. حيث استمدوا حكايات ذلك الأدب من الأساطير والحكايات الشعبية، التي تمتلئ بالخيال الملائم للأطفال، والتشويق الذي حبب الجميع بالأدب. وكتب جان جاك روسو، أحد أشهر الكتاب الأوروبيين، كتاب «إميل»، الذي تمحور موضوعه عن تربية الأطفال. وعندما لاقى هذا الكتاب نجاحاً كبيراً، بدأ الكتاب يكتبون أدباً موجهاً للأطفال، وانسحبت الحال تلك على المجتمعات العربية. ولتظهر عقبها، ومن خلاله، طبعا على الساحة العالمية، القصص التي أصبحت فيما بعد من كلاسيكيات السينما التي بدأت تنتجها شركة الكارتون العملاقة «والت ديزني». ويؤكد أدباء عرب عديدون، حاليا، ان أدب الطفل لدينا، يعاني الى ابعد الحدود، بفعل عوامل متنوعة، لا تقتصر فقط على شبكة الانترنت وتأثيراتها، وانما يؤجج معاناته موضوع ضعف نتاجنا فيه واعتمادنا على الترجمات للمؤلفات الغربية في الحقل. أنواع تتعدد الكتابات في هذا النوع الأدبي. ففيها كتب القصة والأساطير وقصص الحيوان والحكايات الشعبية والبطولات والمغامرات، وكذلك: القصص الفكاهية والعلمية والواقعية.. كذلك كتب عدد من الأشعار والأغاني للأطفال عاشت في قلوب الأجيال لقربها منهم وصدق إحساسها، والبهجة التي امتلأت بها تلك الأغنيات بداية من الكلمات وانتهاءً بالألحان. يُبيّن القاص سعيد الكفراوي لـ«البيان»، بشأن موضوع اعتمادنا في مجال أدب الأطفال على ترجمة الأعمال الأجنبية، أن تصدير نماذج الترجمة إلى الوطن العربي، هو بمثابة طمس للهوية العربية، خاصة أنها تحوي قصص الجاسوسية والخرافات والبعد عن العقلانية. ورغم ذلك، يوضح الكفراوي أنه هــناك عدد من الكتب المترجمة الجيدة. ويطالب القاص سعيد الكفراوي بضرورة أن تكون هناك أقسام خاصة بأدب الطفل وبثقافة الطفل بشكل عام، لتخرج المتخصصين الذين يهتمون بالمادة التي تتوافق مع العقل، بعيداً عن الخرافة والقصص الدينية الخرافية، وكذلك التاريخية. ويستشهد الكفراوي بتجربة الدول الكبرى، مثل اليابان التي استطاعت أن تقفز بأعلى النتائج في الوصول لإبداعات تخص أدب الطفل، إذ تفوق في ما ينتجه الوطن العربي كله. ويؤكد أن الستينيات والسبعينيات من القرن الـ20، ظهر فيهما كتاب برعوا في الكتابة للطفل، مثل المنسي قنديل وجار النبي الحلو. كُتّاب بارزون هناك عدد من الكتاب الكبار في العالم العربي، الذين رفضوا كتابة هذا النوع من الأدب، لخوفهم من عدم قدرتهم على تلبية احتياجات الأطفال، فالأديب العالمي نجيب محفوظ على الرغم من حصوله على جائزة نوبل في الأدب، وعندما طلب منه أن يكتب في أدب الأطفال، قرر الابتعاد عن هذا النوع الأدبي.. إذ اعتبره نوعاً أدبياً يندرج تحت فكرة السهل الممتنع. وكذلك فعل الأديب العالمي برنارد شو، الذي قال مرة، انه لن يكتب في أدب الطفل، لأنه لم يعش طفولته، فهو غير قادر على تلبية احتياجات الأطفال في قصصه طالما هو لم يعشها سلفاً. وفي المقابل، هناك العديد من الكتاب الذين أحبوا كتابة ذلك النوع من الأدب، مثل: السوري طارق البكري الذي نشرت له أعمال مترجمة إلى الفرنسية والإنجليزية، وكذلك الكاتب كامل الكيلاني الذي قرر أن يتوجه الى كتابة أدب الأطفال، ليصبح رصيده من القصص المكتوبة والمترجمة، حوالي 250 قصة، وأشهرها: «مصباح علاء الدين، حي بن يقظان، روبنسون كروزو، نوادر جحا». وهناك أيضاً، الأديب يعقوب الشاروني الذي يعد أحد رواد أدب الطفل، بسبب تميز أسلوبه بالبساطة والتشويق، إذ حصل على جوائز عديدة عن أعماله، وأهمها جائزة «أحسن كاتب أطفال». وبجانب هؤلاء، فإن هناك بعض الكتاب الذين كتبوا للطفل مع أعمالهم النقدية والأدبية المخصصة للكبار، مثل: سهير القلماوي التي كتبت «أحاديث جدتي»، وأحمد شوقي رائد المسرح الشعري في مصر. مصدر الأزمة يقول الكاتب سماح إدريس، وهو كاتب في أدب الطفل، حول تراجع أدب الأطفال في الوقت الراهن، إن أدب الطفل يقدم في إطار مكرر، فالمجتمع يميل إلى نصوص مكررة تتمحور حول الوعظ دائماً، والذي يحوي قيماً لا تماثل الواقع، وذلك العالم المثالي الذي لا يراه الأطفال في الواقع لا يجذبهم. وفي اتجاه اخر مقابل، توضح ولاء يوسف، وهي مترجمة موسوعة الحيوانات للأطفال، أن الأفكار الضعيفة في مقابل الأسعار الباهظة للطباعة، أحد أسباب ضعف هذا النوع، مبينة أن دولة مثل مصر كانت تقيم معارض لكتب الأطفال، ولكنها توقفت عن إقامة تلك المعارض منذ سنوات. ومن جانبه، قال الروائي مكاوي سعيد لـ«البيان»، إن التقليد هو ما يشوه أدب الطفل.. فالكتاب الذين يكتبون هذا النوع ذهب العديد منهم إلى البحث عن المكسب المالي أولا، أو الشهرة فقط، من خلال التقديم في مسابقات تخص ذلك النوع الأدبي، فلم يعد ما يقدم معبراً عن الأطفال. ويختتم الروائي كلامه قائلاً: «أنا من عشاق أدب الطفل، وأرى أن هذا النوع ثريٌ جداً؛ لأنه يخاطب شريحة تمتلك خيالاً خصباً». تشجيع الأدب بعد ابتعاد الأطفال عن القراءة، اقترح المتخصصون في أدب الأطفال بعض النصائح التي يمكن أن تساهم في تشجيع الأطفال على القراءة، بداية من الأسرة التي يقع عليها العبء الأهم في بناء اهتمامات الأطفال، وتشجيعهم على القراءة، واختيار المواضيع التي تناسب اهتماماتهم، ومرحلتهم العمرية. وثانياً هناك مسؤوليات المدرسة التي يجدر أن تنافس الأسرة في أهمية دورها لتكوين الوعي الثقافي لدى الطفل، من خلال اختيار الكتب التي تجذب الطفل، وتشجيع دور المكتبة في المدارس. إلى جانب دور الإذاعة والتلفزيون في توصيل هواية القراءة لدى الأطفال عن طريق البرامج والأفلام المعروضة. وكذا المسرح الذي يتميز عن التليفزيون بكونه احتكاكاً مباشراً بالجمهور، وأيضاً تطوير المكتبات العامة وتزويدها دائماً بأحدث الإصدارات التي تناسب روح العصر ليقترب منها الأطفال. مركز توثيق وبحوث للمراكز التوعوية أيضاً دور هام في المساهمة في ميدان أدب الطفل. ومن هنا، ظهرت فكرة مركز توثيق وبحوث أدب الطفل في مصر، إذ أنشئ المركز بداية في عام 1988، وذلك في إطار التعاون بين وزارة الثقافة وجمعية الرعاية المتكاملة. ويتكون المكتب من طابقين، في الطابق الأرضي مكتبة للأطفال، وفي الطابق العلوي يقع مركز التوثيق والبحوث. ويهدف المركز إلى الاهتمام بأدب الأطفال من كل جوانبه، كذلك يحاول جمع وتنظيم الإنتاج الفكري الصادر في مصر وإلى مصر، كما يعد القوائم الببلوغرافية عن أدب الأطفال، ويصدرها في شكل مطبوع، وعبر الإنترنت. بالإضافة لذلك، يقيم الورش الإبداعية لتأهيل ورفع كفاءة شباب المبدعين في كتابة أدب الأطفال، وكذا ينظم المؤتمرات واللقاءات، ويقدم المساعدة في إجراء البحوث التي تتعلق بأدب الطفل. وعلى الرغم من محاولة المركز خلق حلقة الوصل تلك، وتبعيته للدولة، إلا أنه لا يغطي الكتاب المحليين لجميع المحافظات، ولا يجري الإعلان عنه بشكل كافٍ. مبادرات محلية بداية من صفحات على الإنترنت تبحث عن القصص المخصصة للأطفال، مثل «مؤسسة هنداوي» في مصر، التي تعرض بعض كتب الأطفال، وصولاً إلى أماكن بعينها تحاول تنمية الطفل، مثل «ساقية عبد المنعم الصاوي» بالقاهرة التي تقيم ندوات، وكورسات للأطفال، فإن المتخصصين في أدب الطفل يطالبون بالمزيد من المبادرات المحلية التي تتبع تلك الإستراتيجية لدعم الأطفال في بلادهم. عصر ذهبي لقصص الأطفال في أوروبا مع مؤلفات الأخوين غريم يفيد بعض المتخصصين، أنه كانت أول قصة في أدب الطفل بعنوان «خرافات إيسوب»، كتبها وليام كاكستون، في القرن الرابع عشر، ولكنها كانت القصة الوحيدة في عصرها، ليشهد أدب الطفل جموداً في عصور تليه.. وبعدها حدثت النقلة في القرن السادس عشر، حيث كتب تشارلز بيرو «حكايات أمي الأوزة»، والذي صدر في فرنسا. وظلت كتب الأطفال تصدر خلال هذه الفترة، إلى غاية القرنين التاسع عشر والعشرين، فحينها وصل أدب الأطفال عصره الذهبي، حيث كتب الأخوان غريم مجموعة من قصصهما التي استمدت من التراث. ثم انتقلت الكتابة من أجل الطفل إلى مجدها مع ظهور كتاب «أليس في بلاد العجائب»، الذي حاز على إعجاب الكبار والأطفال من ربوع العالم. وأصبحت قراءة أدب الطفل في هذين القرنين ــ التاسع عشر والعشرين - مطلباً عالمياً، حيث اشتهرت قصص، حتى لدرجة أن كانت ترجمتها أمراً حتمياً، فترجمت من الفرنسية: ساندريلاّ، الجميلة النائمة، ذو اللحية الزرقاء. ومن العربية ««ألف ليلة وليلة». وغير ذلك. الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة .. محرومون أدبياً يرى أدباء عرب أنه، وبجانب ضعف الاهتمام بثقافة الأطفال الأصحاء، فإن هناك تهميشاً لتوجيه الأدب إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في العالم العربي، حيث يحتاج غير المبصرين إلى كتب مطبوعة بطريقة «برايل»، ويحتاج غيرهم إلى طرق متطورة تسهم في تحسين استيعابهم وتحصيلهم. ويطالب المتخصصون في أدب الأطفال بالاهتمام بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة.. وأن عددا من المبدعين ذوي الاحتياجات الخاصة قد ساهموا في تغيير حركة الأدب والفن، مثل: أبي العلاء المعري، وبشار بن برد، وطه حسين، وبيتهوفن، وغيرهم، مما يؤكد الدور الذي يلعبه هؤلاء في صناعة الإبداع.

المصدر: 
البيان
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.