أطفالنا في ظل العولمة (الأسبوع الثقافي الثاني عشر لدار الفكر - فكر وفن)

الأربعاء, March 30, 2011

في فيلم كرتوني بديع الصنعة، متقن الإخراج والحركة والألوان، تقدم شركة (WaltDisney) قصة قطة تدعى (Oliver)، تعرض للبيع مع مجموعة من القططة الصغيرة، تباع كل القططة، وتبقى هي مع أنها تحاول التودد إلى كل مشتر، ولكن دون جدوى، وفي آخر النهار يتركها البائع في شوارع نيويورك تجرب حظها في الحياة 

وبعد ليلة عاصفة بالمخاطر والبرد والمطر تستفيق على نهار ربيعي جميل، تحاول التودد إلى المارة دون جدوى وتحاول الحصول على بعض الطعام من بائع متجول ولا تفلح، تجمعها المصادفة مع كلب شارد، يقدم أنموذجا لسلوكيات المتشرد وعبثيته واستهتاره، ويبدأ الكلب تعليم القطة أصول العيش في المدينة، ويتفق مع القطة على سرقة عقد من النقانق المشوية من البائع المتجول، وينفذان عملية السطو ببراعة ولكن الكلب يستأثر بالنقانق، ويرفض إعطاء القطة حصتها ليعلمها الدرس الثاني، بأن لا تثق بأحد، ومع إصرار القطة على نيل حصتها يقودها إلى أوكار المدينة ودهاليزها حيث المشردون والقتلة، وتمضي الأحداث الشائقة لأكثر من ساعة ونصف الساعة دون أن يجد المتابع فرصة للملل أو الراحة وتتعلم القطة اللطيفة أساليب الحياة على أيديهم، وتتعرف إلى الحياة من خلالهم وتستقي أفكارها ومفاهيمها

 

لعل هذا الفيلم الذي يغسل دماغ الطفل خلال ساعة ونصف يمثل جانباً خطيراً من جوانب ما كنا ندعوه بالغزو الثقافي أيام الوسائل التقليدية للاستعمار الثقافي، ولكنها في إطار ما يدعى بالعولمة في راهننا أصبحت أكثر خطورة، فالمسألة لم تعد قضية سد المنافذ والمسارب، بل إنها أصبحت واقعاً مفروضاً إنه طوفان مماثل لطوفان نوح ولكن السفينة الوحيدة التي يراد لها أن تنجو هي سفينة النمط الأميركي للحياة بكل جوانبها، وكأنما ما طرحه فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ أصبح مخططاً لا مناص منه ولا فرصة للإفلات من براثنه، ولا يمكننا جلد أنفسنا بتهم اللامبالاة وقلة الوعي كما درجنا على ذلك، ولكن هنا يجب أن نقر بالعجز حتى نتمكن من مراجعة إمكاناتنا وقدراتنا وكيفية تنميتها، لأن قيم العولمة والتنميط الثقافي والاجتماعي لا يمكن بحال من الأحوال أن تدع لنا وجوداً حقيقياً نابعاً من تجربتنا وثقافتنا وعقيدتنا.

 

فالعولمة تتعدد مساربها ونوافذها، ومع أن التركيز يتم على الجانب الاقتصادي، ومع أن الجانب الاقتصادي يحمل معه الكثير من القيم البديلة التي تتسرب بخبث أكبر، إلا أن الجانب الثقافي الاجتماعي يبقى الجانب الأخطر لأنه يتجاوز حالة الأسر الاقتصادي إلى حالة التبعية الكاملة، وهذا يعني أن نفقد سماتنا وأن يبقى شكل وجودنا رهناً لأرباب العولمة المسيطرين عليها. وما الذي يقدمونه من نموذج للحياة، إنه في معظمه مما يتفق مع ما ندعوه بالنمط الأميركي منذ أيام رعاة البقر مرورا برامبو وفان دام وسواهما وانتهاء بالأساطير الكونية المفبركة الممثلة بالحياة في الكواكب الأخرى وبدايات الحياة على هذا الكوكب حتى يبدو للبشر أن ما تفرضه العولمة من قيم مستجدة إنما هي من صلب الحياة على هذا الكوكب منذ بواكيره. فحقيقة إن النموذج الذي يكتسح حياتنا لا يبشر باستمرار إنسانية الإنسان ولا يحتفي بالأخلاقيات والقيم التي كرست البشرية عشرات الآلاف من السنين وربما أكثر بكثير لتأصيلها واختبارها وتنقيتها من الشوائب، إنه بكل بساطة تدمير للتاريخ البشري أو تحويله في أحسن الأحوال إلى تاريخ طبيعي على غرار تطور الكائنات الحية عبر العصور، بحيث لا يختلف التعامل مع الإنسان عن أي من الكائنات الأخرى حتى الجرذان والحشرات.

 

ومسارب العولمة وتأثيراتها الثقافية لا تقتصر على الأفلام، بل هناك مسارب أكثر خطورة لأمرين: أولهما يكمن في أننا لا يمكن أن نغلقها نهائيا إذ ليس في مقدورنا هذا ولا يمكن أن نكون جزءاً من العصر بدونها، وثانيهما أننا لا نسعى إلى ترشيد وتهذيب استخدامها وتغلغلها في حياتنا، وسنشير إلى ثلاثة من أهم المسارب وهي الطوفان الإعلامي، وثورة المعلومات والإنترنت، والسلع التجارية من ألعاب وأغذية وألبسة وغيرها:

 

المسارب الإعلامية:

 

تشكل المسارب الإعلامية طوفاناً لم يسبق له مثيل في التاريخ، فآلاف المحطات الفضائية، وآلاف الشركات المنتجة للمواد تتزاحم في الفضاء حتى كاد يضيق بها على سعته، وتنهمر وابلاً من القيم والسلوكيات والمواد الغريبة عن طبيعة هويتنا وثقافتنا، وما نزال فاغرين أفواهنا أمام صدمات متكررة، ونحن لم نتجاوز بعد عقدة الحداثة الأولى التي داهمتنا قبل قرون. وإن كان البعض متيقظا لبعض هذه المسارب التي تبث وترسل مواداً واضحة المآرب والمشاهد كالقنوات والأفلام والمواد الإعلامية الجنسية أو التي تجاهر بعدائها لنا ولوجودنا أو التي تمرر صورة مشوهة لنا، فهناك ما يحمل كل ذلك بشكل مباشر وأكثر تأثيراً على نحو الفيلم الكرتوني المشار إليه في البداية. والطفل الذي ننسى حواسه المتأهبة ونحن نتابع الشاشة أو الصحيفة يكون على اتصال أكثر التصاقاً وتأثراً منا، إنها تشكل بنيته ونحن ساهون عنه متخيلين أنه لا يعبأ بها أو قاصر عن التأثر بها، وإذا كان الكبار ينقادون لتأثيراتها فإن الصغار يبنون وفق هذه التأثيرات.

 

والإعلام الوافد الذي يغمرنا بذائقة وإحساس ومفاهيم ومشاهد لا تتفق مع أسس هويتنا، يبقى محل اتهام وحذر، ولكن الإعلام العربي وخاصة القنوات الفضائية التي تقارب 200قناة ماذا تقدم؟!

 

إن المراقب لهذه القنوات يشاهد عبثية كبيرة في المواد التي تقدم للأطفال والناشئة وعلى نحو يبث القيم الدخيلة وغير الملائمة لنا، مع أن الحريصين من أولياء الأمور يثقون أن أطفالهم بأمان لطالما هم أمام شاشة عربية، وفي دراسة غير منشورة قمت باستعراض الشخصيات المحورية في أكثر من خمسة وثلاثين مسلسلاً عربيا من المسلسلات التي يتابعها الكبار والصغار معا على أنها تحمل نوعاً من الكوميديا الخفيفة، وجدت أن الملامح الأساسية التي تميز البطل في هذه المواد هي الانتهازية والانهزامية والخواء الفكري والعبثية واللامبالاة والتهريج والوصولية وصفات أخرى عديدة في غاية السلبية.

 

ولملء ساعات البث تخفض القنوات سقف المسؤولية لتمرر العديد من الأعمال التي تنحدر بالوعي والذائقة والسلوكيات إلى أدنى مستوى من الإسفاف والابتذال. ومع اهتمام ضئيل من القنوات بأهم القضايا التي تواجه الأمة فإنها توزع معظم الوقت على الترفيه الخالي من الفائدة بل المكرس لحالة الخور والعجز. وحتى البرامج التي لها طابع تربوي أو ثقافي لا ترتقي إلى المستوى المطلوب مادة وزمناً.

 

ومع ضعف صحافة الأطفال، فإن ما يخصص لهم يكون هزيلاً ولم يحقق اهتماماً حقيقيا من قبل الأطفال، علماً أن معظم الصحف تقدم أخبار الجريمة والعنف بجانب المساحة المخصصة للطفل أو قريباً منها.

 

وأهم ما يثير القلق أن سعي القنوات الفضائية والأرضية نحو الإثارة يفرز المزيد من الخطط التي تمهد لسلبيات العولمة عبور بواباتنا الهشة دون استئذان. وأمام ضعف إمكانياتنا لا نجد ما يحقق المنافسة الممكنة، ومن جهة أخرى لا تشغل الأطراف القادرة على تمويل مشاريع طموحة نفسها بهذا الهاجس، ومع القدرة المحدودة لأي مشروع طموح، فإن توفره يخفف من عواقب الانجراف والانهيار في مسارات العولمة، ولعلنا لو تأملنا البرامج التي تهيمن على الإعلام العربي يكاد ينحصر ببرامج الأغاني الصاخبة والرقيعة أحياناً، والمسلسلات الفقيرة بمضمونها، وبرامج الترفيه والمنوعات التي لا تضع نصب عينها سوى قتل الوقت؛ وقت المشاهد، وتغطية الوقت؛ وقت البث. ومع أن بعض القنوات وبعض البرامج تلتزم نهجاً يرمي التأكيد على أسس الهوية والانتماء، ولكنها لا تشكل نسبة تدعو للتفاؤل.

 

المعلوماتية والإنترنت:

 

لا شك أن التقدم في مجال الحاسب والمعلوماتية، أهم ما يميز راهننا، فثورة المعلومات المستندة إلى هذا التقدم ليست ثورة فحسب، إنما هي انفجار معرفي إذا صح التعبير، ومن يسيطر على صناعة المعلومات لا شك بأنه يسيطر على تشكيل العقل الحديث وما يتبع هذا التشكيل من قيم وسلوكيات، ولذلك فأن هذا الميدان من أخصب ميادين العولمة وأكثرها تأثيراً، وتتفاقم درجات الخطورة مع تفاقم ثورة المعلومات، فشبكة الإنترنت مثلاً يبلغ عدد مستخدميها أكثر من نصف مليار من البشر وفق إحصاءات سابقة عام 2000وهي الآن تتجاوز هذا الرقم بكثير، ومع العدد الخيالي للمواقع التي يقارب عدد صفحاتها مليار صفحة تقريباً، أصبحت صناعة المعلومات في مقدمة الصناعات، وأصبح الخطر قابلاً للدخول بكثافة لا نظير لها ولا يمكن إقامة حواجز حقيقية دونها. فمثلاً عدد المواقع الجنسية التي لتي تنشر مفاهيم جنسية خاطئة من خلال ما تعرضه من صور فاضحة وبمختلف أنواعها الثابتة والمتحركة ، ومواقع الجنسية المثلية و غيرها، يبلغ ما يقارب المليون موقع تغير أسمائها وتسهل الوقوع في شراكها، فيستجيب لها نسبة كبيرة من المراهقين والصغار والكبار لدرجة أن النسبة تتراوح في المجتمعات الأكثر حشمة أكثر من 75% من المستخدمين، وكذلك هناك مواقع أخرى قد تكون أخطر مستقبلاً وهي المواقع التي تزيف الحقائق وتعيد إنتاج المفاهيم في سياقات تفصلها عن جذورها ممهدة لجيل تضمحل فيه أسس الانتماء يوماً بعد يوم، فمعظم الأفراد سيكونون على اتصال مع الحاسب وفق تقديرات ودراسات تحتسب الانتشار السريع وانخفاض تكاليف حيازة الحاسب، ومقدار الفتنة والإثارة التي يشكلها الحاسب للجميع، ومع أن مفاتن هذا الاختراع الذي يعد أهم اختراع في تاريخ البشر، هي مفاتن كثيرة وحقيقية ومؤثرة، إلا أن بعض مفاتنه الأخرى تنحرف بمستخدمه لاستخدامه بشكل سيئ، فمعظم الأطفال والمراهقين يقضون جل وقتهم مع الألعاب والتسالي التي تتسم غالباً بسمات عامة قلما تنجو منها لعبة وخاصة أن معظم الألعاب تنتجها شركات لا علاقة لها بقيمنا ولا مجتمعاتنا، ولا يهمها سوى الربح السريع مهما كان عملها مؤذياً لطفل أو مراهق، وكذلك ثمة شركات يهمها التأثير على قيم ومفاهيم بعض الشعوب من خلال غزو عقول الأبناء وتلويثها، ومن السمات العامة لمعظم الألعاب:

 

العنف الشديد: فمعظم الألعاب يستند على اقتحام البطل لمدينة أو منزل أو وكر عصابة، وطبعاً قيم البطل لها علاقة قوية بروبن هود اللص النموذجي المحبب إلى الثقافة الغربية عامة حيث يبرر اللصوصية والسلب على أساس توزيع الغنائم على الفقراء، وهذه الرؤية تفسر العقلية الاستعمارية المركزية للغرب، فالبطل رشيق وذكي ولكنه يفتك بأعدائه بضراوة وعنف ولا بد من الماء الحارة حتى يشفي غليله.

 

التهور والسرعة والانفعال والتوتر الشديد: معظم الألعاب يعتمد مبدأ السرعة والمبادرة والمغامرة والتهور، سواء أكانت سباقات ضد الزمن أو سباق المبادرة أولاً بضرب الخصم أو تجاوزه وسبقه، ومعظم الناشئة باتوا سريعي الانفعال لا طاقة لهم على أي صبر أو أناة بل حتى أن معظم سلوكياتهم تتصف بالسرعة فهم يحبون تناول طعامهم بسرعة والدراسة بسرعة والتحدث إلى أهلهم بسرعة وهكذا.

 

العداء للإسلام والعروبة: عدد لا يستهان به من الألعاب قائم على تصنيفات ولي الأمر الأميركي: حيث ينظر للمسلم أو العربي على أنه إرهابي مخادع مولع بسفك الدماء وقذر يحب الحياة في الأوكار ويمارس حياة دنيئة، إنها الصورة النمطية التي لا تختلف كثيراً عن الصورة التي كرسها الإعلام الغربي أو السينما الغربية، ولكن هنا يشارك الناشئ من خلال الطابع التفاعلي في القضاء على هذا المسلم أو العربي وكأنه عالة على الكرة الأرضية ويجب التخلص منه، وأحد أشهر الألعاب حالياً يقوم على تصفية البطل لمجموعة (إرهابية!) لبنانية تضع عصابات على رأسها في إشارة واضحة للمقاومة الوطنية في الجنوب اللبناني، حيث تظهر هذه اللعبة هذه المجموعة بصفات سيئة للغاية وتدفع الناشئ للفتك بها بلا هوادة، ومعظم الأعداء الافتراضيين في هذه الألعاب هم من العرب والمسلمين بالدرجة الأولى.

 

الأخلاقيات الأميركية ( النمطية الأميركية للحياة): تطرح هذه الألعاب نمطية من التفكير وأشكالاً محددة للشخصية ونوعيات من التصنيف الذي يمرر من خلال الألعاب تكرس في المحصلة الأخلاق الأميركية النمطية المميزة للثقافة الأميركية المعاصرة بتنوعاتها وتناقضاتها وبراجماتيتها، وتدعو لمعادة أي تصور آخر بشكل غير مباشر.وغير ذلك الكثير من السمات الخطير التي لا يتسع المجال هنا للتوسع فيها.

 

ويبدو لي أن شخصا مثل بيل غيتس قد أثر في البشرية تأثيراً مقارباً لتأثير الأنبياء، من حيث تغييره لنمطية التفكير وتحكمه في سيرها وأدواتها ونظمها خلال عقد ونيف من الزمن، بل ربما استطاع في سنوات معدودة أن يتمكن من جعل العصر يفكر وفق ما يريد، فالبشرية قاطبة (ونقصد طبعاً المساحة الفاعلة منها) تفكر وفق بيل غيتس إلى حد بعيد، وهذا إنجاز لم يسبقه أحد إليه بنظري، ولكنه ليس بنبي، وهو يعيش قوانين أميركية تستطيع أيضاً أن تقوده إلى اتجاهات مرسومة وأهداف مخطط لها، ليكون في المحصلة في خدمة الهيمنة الأميركية على العالم بشكل خاص، وسيادة النمط الرأسمالي الغربي على التاريخ بشكل عام. إن أي برنامج من برامج مايكروسوفت يحمل في ثناياه سلوكيات وقيم شأنه شأن أي مادة أو جهاز أو أداة، إذ تحمل المصنوعات قيم منتجيها مضمنة في أسلوب أدائها واستخدامها.

 

والواقع الراهن للمعلوماتية لا يشكل شيئاً أمام ما يمكننا أن نتحسسه من مستقبل لها، فالتطورات الهائلة بين يوم وآخر تقارب الخيال، والطفل والناشئ والمراهق بل حتى الكبير يجد نفسه منساقاً وراء هذا التطور ومواكبته لأن من يهمل هذا الأمر ولو لفترة قصيرة سيجد نفسه مطروداً من العصر.ومع حرص الأسر على توفير هذه الوسيلة لأبنائها، فإنها لا تواكب هذا الحرص بحرص على استخدام أمثل فالجهاز في غرفة الطفل أو المراهق ومتصل ببقاع الأرض ومواقعها ومحلات الألعاب الحاسبية تملأ كل شارع وحي، وإضافة إلى التأثيرات السلوكية الصحية البدنية لهذا الاستغراق في اللعب والتجوال في الفضاء الإلكتروني، فإن ثمة تأثيرات أكثر أهمية تغير من بنية الفرد وتبنيه وفق نمطية جديدة، لأن هذا الجهاز يربي الأبناء أكثر من الآباء وأولياء الأمور. ولا يقتصر الأمر على ما يراه ويتابعه الصغير إنما هناك أمور أخرى مثل التوتر الشديد والانعزال وخمود الروابط الحميمة بين أفراد الأسرة وغير ذلك الكثير.

 

السلع التجارية:

 

من أكثر الأمور التي تبدو لنا في ظاهرها بريئة وهي في باطنها تحمل مخاطر خبيثة السلع التجارية من ألعاب وأغذية وثياب وغيرها، وهي تشكل مجالاً خصباً للتبعية والانجراف وراء الطابع الاستهلاكي للحياة، بحيث تشكل مساحات بشرية شاسعة مجرد أسواق، ويظهر هذا الأمر خاصة في المجتمعات التي تصنف بشكل حقيقي ضمن المجتمعات المتخلفة رغم الوفرة المادية ومستوى الدخل المرتفع لأفرادها، قد لا يكون للسلع التجارية نفس التأثير الذي تتمتع به المعلوماتية ولكنها أقدم منها في التأثير ومقاربة لها، فلعبة باربي الشهيرة تربي أطفالنا منذ عقد ونصف، وثمة دمى أخرى لعبت دورها في تنشئة الأطفال مندسة بين الطفل وأمه وأبيه، ومحلات الوجبات السريعة كرست سلوكيات أخرى تسربت بين لقمة وأخرى لتؤسس قيما وسلوكيات تتجذر في الشخصية، ودور الأزياء احتكرت حتى ذائقتنا في الزي وأصبح الشكل بحد ذاته تابعاً للنمطية المنتجة للثقافة المعاصرة الأكثر تمكناً في التأثير بوسائلها وأدواتها المتعددة. وقد أشار مالك بن نبي منذ نصف قرن تقريباً إلى القيم المضمنة في ثنايا الأشياء التي نستوردها ونكدسها، ونحن غافلون عن القيم التي تحملها إلينا، ويكفي منها أنها حولتنا إلى شعوب مستهلكة بإرادة منا، مع أن جوانبها الأخرى لا تقل خطورة.إن باربي الدمية وشطائر الهامبورغر وأزياء فيرزاتشي وأجهزة فيلبس ونظارات ريبان وسيارات كاديلاك وغيرها الكثير الكثير تلعب دوراً أدهى وأمر من أي استعمار أو غزو سابق، وإن كنا نجد أن السيارة والهاتف والتلفاز والإنترنت أدوات عظيمة لصالح التقدم البشري، فإن النمطية الاستهلاكية لها قد جعلها إلى حد كبير خارج دورها الحضاري، فالسيارة كثيراً ما تحولت إلى أداة قتل وإزعاج، والهاتف إلى أداة إضاعة للوقت وإزعاج الآخرين وحرمانهم من ساعة الراحة، والتلفاز إلى أداة ترفيه فارغ، تضعف أواصر الأسرة وتفكك المجتمع والعائلة، ولعل الميل الشديد للصناعة المعاصرة نحو الإنتاج وتوجيه السوق نحو الطابع الاستهلاكي فرغ عملية التصنيع من أهدافها الأساسية المتمثلة في تلبية احتياجات الإنسان والارتقاء بالمستوى المعيشي والخدمي والصحي.

 

لا يمكن وصف جهودنا بالإخلاص والمسؤولية ما لم نتنبه إلى مسارب العولمة وفهمها ودراسة تأثيراتها وكيفية التحكم بها حتى لا نفقد خصوصيتنا وانتماءنا وثقافتنا، وخاصة أن ما تفرضه العولمة من نمطية لا تبتغي الحفاظ على إنسانية الإنسان مهما تجملت بحقوق الإنسان والنداء بهذه الحقوق، ومهما ادعت سيرها في نهج تحقيق العدالة والمساواةن وإجزم أن الحضارة المعاصرة التي تهيمن عليها ثقافة القطب الأوحد الذي تسيد العالم، لا تملك مشروعية التحكم بالمصير البشري ورسم ثقافته وشكل وجوده لأنها أساساً لم تطرح سوى أطر قانونية أو تنظيمية لا تأبه كثيراً بالأخلاقيات والمعارف الاجتماعية والفلسفية التي أفنت البشرية تاريخها وهي تبنيه لبنة فوق لبنة، والمفاهيم السامية المعلنة مؤولة أساساً لصالح مركزية أسسها الغرب كمفاهيم واستأثرت بها أميركا راعية العولمة في راهننا.

 

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.