ألمانيا وسورية

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

كلمة الأستاذ محمد عدنان سالم

في ندوة "ألمانيا وسوريا" الانعكاسات الاقتصادية للاهتمامات الثقافية المشتركة

بعنوان

حصادنا الاقتصادي في عام الحوار الثقافي في فرانكفورت

في مثل هذا اليوم من العام المنصرم، وفي هذا الصرح الثقافي ذاته، وبدعوة من المنظمين أنفسهم: اتحاد الناشرين السوريين وإذاعة الدويتشه فيله، انعقدت ندوة بعنوان (نحو حوار ثقافي بناء؛ أربعة أسابيع قبل المعرض)، شاركتُ فيها بورقة تحت عنوان (فما جدوى الحوار؟).

وها نحن أولاء اليوم، قبل أربعة أسابيع من انتهاء عام استضافة العالم العربي ضيف شرف على معرض فرانكفورت للكتاب، في الزمان والمكان ذاتهما، تعقد ندوتنا عن الانعكاسات الاقتصادية للاهتمامات الثقافية المشتركة بين سورية وألمانية.

لعل ندوتنا تهدف إلى تقويم هذا العام، رغبة في استمرار الحوار وتنميته وحسن استثماره، وحصد نتائجه؛على الصعيدين الثقافي والاقتصادي.

ــ إن الربط بين النشاطين الثقافي والاقتصادي، على الرغم من أنه كان دعامة أساسية في عصر اقتصاد الصناعة، فقد بات جوهرياً في عصر اقتصاد المعرفة الذي تتحول إليه البشرية بسرعة مذهلة ، وبتسارع غير مسبوق في التاريخ الإنساني.

ولئن كان التسويق الثقافي عنصراً مساعداً للتسويق الاقتصادي في عصر الصناعة، فقد أصبح العنصر الأول والأهم في عصر المعرفة ، بل إنه تماهى معه، إذ أصبحت الثقافة سلعة اقتصادية متمردة على كل القيود والسدود والفوارق؛ تعبر الحدود من دون جواز ولا سمة دخول ولا إذن خروج، لأن مصدرها الفكر، والفكر فواحٌ عصي على التقييد والقولبة والتعليب، وإنسانيٌّ غير منتمٍ إذا حمل بصمة مبدعه حيناً، لم يلبث عبقه أن ينتشر ويعمَّ العالم كله بسرعة وفرتها له بقوة اليوم؛ تكنولوجيا الاتصال التي اختزلت أمد الزمان وبعد المكان معاً.

قد يتراءى للبعض أني أخلط بما قد قدمت بين مصطلحي الثقافة والمعرفة، فإني مبادر إلى القول بأني لا أعترف بمعرفة معزولة في أبراج النخب، لا تتحول إلى ثقافة فعالة تتحرك على الأرض، وتمشي بين الناس في الأسواق، سلوكاً وممارسة وتطبيقاً.

ــ ما أردت أن أؤكده في هذه العجالة؛ أن الفرص المتاحة للشعوب كلها في عصر اقتصاد المعرفة غدت متساوية، بحكم كون المادة الأولية في هذا الاقتصاد هي الفكر، والفكر موزع بين الأمم بالتساوي، ليست أمة هي أربى فيه من أمة، وإنما يفوز بقصب السبق فيه من كان أكثر إعمالاً لعقله، وأكثر إبداعاً في فكره.. وأن عصر احتكار المعرفة، والاستئثار بالتفوق، وأحلام الهيمنة القومية والعرقية قد ولى.

وأن المعرفة أصبحت دولة بين الأمم، من مصلحتها أن تتعاون وتتحاور وتوثق العلاقات فيما بينها لتنميتها والاستزادة منها والتمتع بخيراتها.

ومن المؤسف حقاً أن بعض الدول لم تدرك بعد هذا التحول البشري الكبير، وما تزال تتعامل بأدوات ومنهجيات العصر الصناعي مزهوة بتفوقها وقدراتها المادية والعسكرية، لكن التاريخ الإنساني سيواصل تقدمه غير عابئ بالمتغافلين عن سننه وقوانينه التي لا ترحم الأغبياء.

ــ لقد كان اختيار العالم العربي ضيف شرف على معرض فرانكفورت اختياراً موفقاً أثلج صدورنا، وقدم فولكر نويمان مدير المعرض ضيف الشرف تقديماً رائعاً نوه فيه بعراقة ثقافته وغناها وتنوعها، ودعا الناشرين الألمان لترجمة منتوجه الثقافي إلى الألمانية، وأكد المستشار الألماني غرهارد شرودر في كلمته الافتتاحية للمعرض أن " التبادل الثقافي ليس علاقة أحادية الجانب، ولا يجوز أن تكون كذلك إطلاقاً، فالمعرفة المكتسبة عبر القراءة شرط مبدئي لكي يفهم بعضنا البعض فهماً أفضل، ولكي نتعلم بعضنا من البعض في عالم يتقارب أكثر فأكثر".

وكانت تجربتنا في فرانكفورت غنية أثمرت خبرة واسعة لدى الجانب العربي لمزيد من التواصل والحوار، قال عنها فولكر نويمان إنها كانت أفضل مما قدمه أي ضيف شرف سابق.

فماذا كانت الحصيلة؟ وماذا كان الحصاد؟

ــ من بين 60.000 كتاب أدبي مترجم من اللغات الأخرى، مطروحٍ بين يدي القارئ الألماني، لا يوجد أكثر من خمس مئة كتاب قصصي مترجم لكتّاب عرب بنسبة لا تزيد عن 0.8% أقل من نصفها ترجم من العربية ومعظمها ترجم من الفرنسية لكتاب عرب مقيمين في فرنسة.

هل يمكن لهذه النسبة الضئيلة أن تشكل رقماً مجزياً في حجم التبادل الاقتصادي الثقافي بين العرب مجتمعين وألمانية، فضلاً عن سورية ، في عصر اقتصاد المعرفة؟!

هل يمكن لها أن تشكل خطوةً نحو تحقيق آمال نويمان وشرودر في تبادل ثقافي متكافئ غير أحادي الجانب؛ يسهم في تصحيح الصور الشوهاء المستقرة في الذاكرة الغربية عن العرب والمسلمين، وما تنتجه من آراء مسبقة وعموميات هوجاء وأحكام ظالمة بحقهم؟!

ــ إننا نعترف بأن حركة النشر العربي ما تزال ضعيفة وفي طور التشكل، وأن حجم الإنتاج الثقافي والإبداع الأدبي العربي ما يزال ضعيفاً لا يقارن بحجمهما في الغرب. وأنهما؛ الإبداع والنشر، يعانيان من معوِّقات شديدة الوطأة تعرقل نموهما، متمثلةٍ في:

-حالةِ العزوف القرائي؛ والأمية اللاحقة التي تعاني منها المجتمعات العربية.

-والقيودِ الرقابية ؛ السياسية والاجتماعية والدينية، المفروضة على حرية التعبير، المتفاوتة تبعاً لتوجهات الأنظمة والإيديولوجيات.

-والاستئثارِ الحكومي بالنشر المدرسي، وإلزام الطلبة بالمقررات الأحادية واحتكارها.

-وماضويةِ الإنتاج الثقافي وطابعه المحلي، وضعفِ انفتاحه على الأفق العالمي والإنساني.

ونعترف كذلك بأن حركة الترجمة إلى اللغة العربية، تعاني بدورها من صعوبات جمة:

-فهي لا تزال عشوائية؛ تعتمد على المصادفات والمبادرات الفردية، من دون رصد دقيق للإنتاج الثقافي العالمي، ومن دون ترشيد في الانتقاء.

-وتسودها ثقافة الاستباحة لحقوق المؤلف، المستندةُ إلى دوافع شتى لا تمت إلى القوانين والشرائع واحترام الحق الطبيعي بصلة.

-وذلك أدى بدوره إلى تعدد الترجمات للعمل الواحد؛ سباقاً لنهب عمل رائج جعلته استباحة حقوق المؤلف في حكم المال المشاع، حتى إنه كثيراً ما حل المترجم محل المؤلف في المطالبة بحقوق تتعدى حقوق الترجمة إلى التأليف.

-وقاد ذلك كله إلى ترجمات مهزولة تعوزها الدقة والمعايير.

-فإذا ما عمد ناشر عربي ملتزم إلى طلب إذن الناشر الأصلي، قوبل بشروط قاسية وجعالات مرتفعة، غير مراعية لظروف النشر الصعبة عنده، وكثيراً ما فوجئ بالكتاب قد ترجم سطواً، ونشر في الأسواق؛ قد سبقه القراصنة إليه، إما وهو ما يزال في مرحلة التفاوض، أو وهو في مرحلة الترجمة، بعد أن يكون قد أدى الجعالة المقدمة؛ فيكون كمن خسر الدنيا والآخرة معاً.

ــ لكننا على الطرف المقابل من الانعكاسات الاقتصادية للاهتمامات الثقافية المشتركة، وهو ما يقتضيه مشروع التبادل الثقافي، نشعر بالحرمان الممضّ.

فلا يزال التبادل الثقافي ذا اتجاه واحد، من طرف واحد، يمثل فيه الجانب العربي دور المتلقي.

وعلى الرغم من الرغبات المعلنة في أهمية التعرف على الثقافة العربية ومكوناتها ومكنوناتها، وخاصة في عالم ما بعد 11 إيلول 2001، فإنه لا يزال على الناشر العربي- لكي يستطيع أن يثير الرغبة المعدومة لدى الناشر الغربي بشراء حقوق ترجمة شيء من إصداراته- أن يحقق شروطاً تعجيزية متعذرة.

-كأن يكون العمل من النوع الأدبي (رواية، قصة، شعر، مسرح).

-وأن يكون مكتوباً بحسب القواعد والمعايير الغربية للكتابة.

-وأن يحوز على جائزة عالمية مشهورة كجائزة نوبل.

-وأن يكون موافقاً لذوق القارئ الغربي.

ــ فأين الرغبة بالتعرف على الآخر المختلف؟ وعلى القيم الأخرى المكنونة في ثقافات أخرى؟!

ومن ذا الذي سيخرج الناس من ضيق الأنا والذات، إلى رحابة الإنسانية وآفاق التعارف بين الأمم وحوار الثقافات؟!

وعلى الرغم من الجهود المشكورة التي تبذلها جهات ثقافية وإعلامية ألمانية كمعهد غوته وإذاعة الدويتشه فيله، فإننا نقولها بمرارة: إن كل تلك الجهود، وكل تلك الفعاليات المشتركة التي نظمت خلال عام الاستضافة، لم تنفع في التقدم خطوة واحدة في اتجاه إدماج حركة النشر العربية في النشر الدولي، وفي تشجيع الناشر الغربي على نقل شيء من الثقافة العربية إلى القارئ الغربي، وفي دعم حركة الترجمة المعاكسة.

إننا واثقون من أن جهوداً مدروسة، تحدوها إرادة قوية، ومتابعة حثيثة، تنعقد لها اتفاقيات تعاون، بين مؤسسات رسمية وأهلية ذات اهتمام مشترك، سوف تثمر خطوات متقدمة على طريق الحوار والتبادل الثقافي المنشود، الذي تماهى مع الاقتصادي في عصر اقتصاد المعرفة الذي نعيش..

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.