أميركا وفن اللعب على الحبلين

الثلاثاء, February 16, 2016
كاتب المقالة: 

 أمريكا التي آلت إليها قيادة العالم، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وشيخوخة القارة العجوز؛ أتقنت فن اللعب على الحبلين: بإزجاء الوعود البراقة، والبراعة في التنصل منها.. وإطلاقِ التهديدات المرعبة، ثم تجاهلها وتبرير الانسلاخ منها.. وتنصيبِ الزعماء المستبدين، ثم إحكام الطوق حول أعناقهم على أعواد المشانق، والإسراع بسحب البساط من تحت أقدامهم، بعد استهلاكهم وأدائهم الأدوار الموكولة إليهم.. والتشدقِ بالديمقراطية نظاماً مثالياً للحكم، ثم التشجيع على تطبيقات شوهاء لها في بلدان العالم الثالث لتكفير الناس بها.. وتمهيدِ الطريق للمنظمات الإرهابية، وإمدادِها بالرجال والعتاد، ثم عقدِ التحالفات الدولية لمحاربتها.. وإطلاقِ الحريات، والحرص على التعدد والنقد على أوسع مدى في بلادها، ثم العمل في الوقت ذاته بمعزل عنها، على قاعدة (قل ما تشاء ونفعل ما نشاء)، بذريعة الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى للولايات المتحـــــــدة، التي أحيطت بسيـــــــاج من القــــــداسة، جعلها بمثابة الدستـــــور الذي لا يُمس.. وتبني مشروع الشرق الأوسط الجديد؛ ضماناً لدمج إسرائيل فيه، ثم العمل على تمزيق كل الكيانات المنضوية تحته، وإضرام نيران الفتن الداخلية فيها، لتحويل وجهة بنادقها إلى صدورها بدلاً من صدور أعدائها.. وإخراجِ الجيوش العربية الرسمية من معركتها الرئيسية مع إسرائيل، مع المحافظة على استمرارها سوقاً لتصريف أسلحتها المنسقة، التي تكفيها لصراعها مع شعوبها..
ثم في خطوة أخيرة تم استدراج الجيوش العربية النظامية لخوض معارك خارج حدودها لإنهاكها، واستنفاد طاقاتها، بعيداً عن عدوها الأساسي المغتصِبِ لأرضها.
كما يجري العمل على إيقاظ الانتماءات الحضارية البائدة التي قوضها الإسلام، وإعدادها للقيام بدور معاكس لإضعاف الإسلام وإعاقة تقدمه..
كل ذلك غيض من فيض، في تاريخ أميركا القصير، مما أستطيع أن أقدم عليه عشرات الشواهد التي تؤكد إتقانها دور اللعب على الحبلين، إضافة لدور الكيل بمكيالين التقليدي، الذي قامت الحضارة الغربية على أساسه، فكالت العدالة والحرية والمساواة وسائر القيم الإنسانية بمكيالٍ دقيق فيما بينها، وأعفت نفسها من الكيل به مع الآخرين!!
***
ليس هدفي في هذه الحلقة من التغيير النيل من سياسة أميركا، التي تنطلق فيها من ثقافتها الاستعمارية ومصالحها.. إنما أهدف إلى بيان الدور المنشود، الذي عهد الله تعالى إلى الإنسان المسلم بأدائه إلى البشرية؛ بوصفه الحامل للرسالة الإلهية الخاتمة، والوحيدة من بين الرسالات السماوية التي تملك كتابها المنزل، واحداً وموثقاً دون أي تحريف، خلافاً للكتب السماوية الأخرى المتعددة بتعدد القديسين الذين كتبوها.. كما تملك خطابها الإنساني العالمي، في حين اختص خطاب كل نبي قبلها بقومه الذين أرسل إليهم (يا أَيُّها النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف7/158] وأكدت وحدة كل الأديان السماوية السابقة(قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلَى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة 2/136]، ولم تحتكر الجنة لمعتنقيها فقط، بل (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارَى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [البقرة 2/62].
وأنا واثق من أن المجتمع الأميركي مؤهل أكثر من أي شعب آخر، لتلقف الرسالة الإسلامية، لأنه مجتمع بكر وحر وغير مثقل بالروابط الوطنية والقومية، ومن المؤكد أن ثقافة الخلافة الداعشية الهمجية، المصنوعة أصلاً لتشويه صورة الإسلام، لن تستهويه.
فلنقدم له في حلقات التغيير القادمة؛ إسلام (القرآن)!!

 الاثنين 2016/02/15 ... من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة