الآخر في اليهودية والمسيحية

الخميس, January 12, 2017
كاتب المقالة: 

كيف ينظر أصحاب كل دين إلى الأديان الأخرى؟وهل يتقبل بعضهم الآخر أم يكيد له؟..في هذا الإطار يأتي كتاب"مفهوم الآخر في اليهودية والمسيحية"تحرير الدكتورة منى أبو الفضل والدكتورة نادية مصطفى، وهو صادر عن دار الفكر بدمشق 2008م..ويقدم الكتاب رؤية أبناء المسيحية بطوائفها الأساسية لمفهوم الآخر من خلال النصوص الدينية، مع عرض لمفهوم الآخر في اليهودية عن طريق دراسة النصوص التي تقدمها التوراة والتلمود.

والكتاب يوضح كيفية استخدام الدراسات الحضارية كمجال جديد في الدراسات السياسية، وأن البحث فيها ليس غاية في حد ذاته ولكنها تأتى في إطار العلوم السياسية، مع الاستعانة بتخصصات أخرى على نحو يسمح بالربط ببينها وبين حوار الحضارات وصراعها، وهو ما يستلزم مراجعة حقل العلوم السياسية من منظور حضاري. 
وقد ظهرت قضية البحث في العلاقة مع الآخر لأسباب عديدة، منها الدعوة لصراع الحضارات التي نادي بها صاموئيل هانتنجتون، وكذلك ظهور العولمة والبحث عن قيم عالمية مشتركة، وعدم انطباق قيم الحضارات الحالية بشكل كامل مع قيم الدين الذي أقيمت على أساسه، واختلاف تسلسل القيم من حضارة لأخرى، وظهور التعصب الديني بشكل واضح، وبدء الحديث عن المطلقات والتركيز على الذات ورفض الحوار مع الآخر.. كل هذه الأسباب والأمور دعت للبحث في العلاقة مع الآخر والوقوف على أرضية مشتركة معه.
الآخر في اليهودية 
يشير اليهود إلى غير اليهود بكلمة Gentiles بصفة عامة، وهو مصطلح يتضمن نظرة دونية واحتقار لغير اليهود، إلا أن الموسوعة اليهودية تذهب لخطأ هذا المفهوم وتؤكد أن الكلمة لا تعني أكثر من الدلالة على غير اليهود، كما تشير إلى مصطلح آخر وهو الغوييم goyyim والتي تعني الغريب أو الآخر أو ماعدا بني إسرائيل من الأمم.
وتنظر التوراة نظرة استعلائية للآخر وتعتبره بني الغريب أو بمعنى خدم لإسرائيل، ففي الوقت الذي كان فيه اليهود من أضعف الشعوب في الشرق الأدنى القديم، كانوا ينصرفون لتأكيد فكرة انعزال بني إسرائيل عن الآخر وضرورة عدم اختلاطه بالشعوب الأخرى، باعتبارها مدنسة واعتبار ذاته مقدسة.. هذا التكريس لفكرة الاختيار، وأن اليهود هم شعب الله المختار، الذين أحبهم الرب فاختارهم دون العالمين، يرون أنه عهد وميثاق ألزم الإله به نفسه تجاه الشعب اليهودي.
وتتباين النظرة التوراتية للآخر وفق ما يدين به فتفرق بين أصحاب الديانات الشركية أو الوثنيين وبين الآخر من غيرهم ممن لا يدين بعبادة الأوثان ونحوها، ولكنها جميعا تحاول بذلك التخفيف من حدة العداء للآخر.
ويتباين موقف الجماعات اليهودية من التلمود؛ فهناك من يساوي بينه وبين التوراة وهناك من يعتبره غير ملزم لأنه مرتبط بزمن تاريخي معين.. وتظهر النزعة الانفصالية بين اليهود والأغيار، رغم محاولة تبريرها بأنها نتاج تعصب شخصي أو نتيجة لظروف العصر، ولذا حذفت بعض الفقرات التي ُتظهر العداء المتطرف للأغيار في التلمود.. فقد أكد العالم اليهودي "إسرائيل شاحاك" محاولات لإخفاء نصوص كالتي تشير للمرأة والعبد وكل من هو غير يهودي بأنه من الأغيار، وأن تناول الطعام مع غير اليهودي، كتناوله مع الكلب، وكذلك جواز قتل غير اليهودي والكذب عليه، واعتباره أضحية للرب، في الوقت الذي يجعل فيه ضرب غير اليهودي لليهودي كضرب الرب ولابد من قتل غير اليهودي في هذه الحالة، وفى هذا الصدد يستشهد "شاحاك" بنصوص من التلمود، كما أوردتها الموسوعة اليهودية.
وإذا كان للتوراة والتلمود دور في تكوين صور الآخر لدى اليهود، فإن هذا لا ينكر السياق التاريخي والاجتماعي الذي ظهرت فيه تلك النصوص، خاصة إذا نظرنا للتلمود ككتاب تراثي حوى التجربة اليهودية على مدى قرون، ومن خلال العديد من الأشخاص، وهذا هو سبب التناقض في تأويلات وأفكار التلمود حول مفهوم الآخر.
ومع بروز فكرة الصهيونية، عادت فكرة الانفصالية وتجنب الآخر للظهور، وتركز تعاليم الحركة الصهيونية على ترسيخ مفهوم (الوطن القومي لليهود)، والخطير هنا هو محاولة إكساب تلك الأفكار العنصرية والعدائية تجاه الآخر رؤى دينية، وإلصاقها بنصوص يدعى فيها أنها مقدسة، في محاولة لإسقاطها على الواقع والحاضر.. وبذلك فإن لدى اليهود سواء المحافظين أو المعاصرين نفس الصورة النمطية عن الآخر سواء من التوراة أو التلمود أو الظروف التاريخية والاجتماعية.
الآخر في الرؤية المسيحية 
هناك أساس مشترك لرؤية العلاقة مع الآخر لدى الكنائس، وهذا الأساس نابع من الكتاب المقدس، وكل جهد من أي كنيسة أو طائفة مسيحية هو مجرد بلورة لهذه الرؤية.
فيرى الكتاب المقدس أن الله ميز الإنسان عن غيره من الموجودات، ولكن الخطيئة هي التي أدت لاضطراب علاقات الإنسان بأخيه الإنسان الآخر، ولن يكون الخلاص إلا بتنفيذ الوصايا التي هي الشريعة.
وقد جعل العهد الجديد نطاق من وصية "محبة القريب" أوسع من العهد القديم، واعتبر كل الموجود حتى الأعداء قريب، لذلك فإن روية الآخر ترتبط بأقوال المسيح (عليه السلام) وأفعاله، التي قال فيها "أحبوا أعداءكم وصلوا من أجل مضطهديكم"، ويصل بالقريب لكل إنسان، وتتبلور من خلال رؤية نص المجتمع الفاتيكاني الثاني الخاص بالكنيسة في العالم المعاصر، وهو يؤكد على احترام كرامة الإنسان، مهما كان مخطئا، ويصل بالآخر في العمق ليشمل كافة الاختلافات، فليس هو الآخر الديني فقط، بل والآخر المسيحي غير الكاثوليكي، ولكن العلاقة تكون في إطار الاحترام والحرية الدينية على أساس كرامة الضمير.
وبذلك يكون خلاص غير المسيحية الكاثوليك الإخلاص لنداءات ضميرهم والتجاوب مع نعمة الله، بعد أن كانت لا تعترف بأهمية الديانات الأخرى، بل وتحاول إعادة وحدة المسيحية من خلال منظور المجتمع.
وبالنسبة للآخر في المسيحية المصرية الأرثوذكسية فترى أنه لا وجود "للذات" بدون "آخر"، والذات الإنسانية على مستوى كل من الوعي والفعل لا تتحقق إلا بالتفاعل مع الآخر، حيث يضمن هذا التفاعل تبلور وعى صادق وتحقق فعل خلاق بالنسبة للذات.
وتنطلق هذه الرؤية من أن المحبة هي أساس؛ فلم تعد مجرد هوى عنيف يتخذ من الآخر مناسبة لزيادة إحساسه بالحياة أو السعادة، بل أصبح اتجاها غيريا ينحو تجاه الآخر، لكي يعمل على خدمته ويسهم في تحقيق سعادته ويشترك معه في تثبيت دعائم ملكوت الله على الأرض، فهذه المحبة تستمد قوتها من الحياة الإلهية وتهب نفسها للآخرين.
ويعتد هنا بأن معرفة "الذات" تفتح المجال لمعرفة ما هو خارجها، وقصد الآخر، وتكون النتيجة الحياة بدون خوف، وتتولد بذلك لدى المرء القدرة على الإنجاز المبدع.. وانخرطت الخبرة المصرية في علاقة مع الآخر، وكانت قادرة على الاستيعاب على عكس الخبرة الكاثوليكية

وقد اختلفت الرؤية الإنجيلية للآخر باختلاف الزمان، ففي نهاية القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، وجد ثلاثة تيارات لاهوتية للتوجه نحو الآخر، أولها يدعو للعداء للآخر وإنكار صلاحية الديانات الأخرى، واتجاه يرى المسيحية تكميلا وتتميما للديانات الأخرى، واتجاه يرى الحوار والتعاون مع الأديان الأخرى على أساس أن كل دين يتملك الحق كاملا وعلى البقية احترامه، ووضعوا شروطا للحوار، أهمها: الفهم الكامل لإيمان الآخر، وكذلك فهم الذات دينيا بدقة، وإعادة التفكير في بعض المصطلحات مثل الدين والعقيدة والتقليد والإيمان، وحتمية الحوار بما فيه من إثراء للمسيحية.
أما بالنسبة للمفهوم المعاصر، فقد تمثل في محاولة لصياغة إقرار إيمان مصري إنجيلي معاصر، تمت فيه الإشارة إلى أن خلق الله للناس كان من أصل واحد، لذا فهم متساوون مهما اختلفوا في الجنس أو اللون أو الدين، وكذلك اعترف بوجود الآخر كأخ، وقبوله، بل والاستعداد للموت من أجله، وكذلك الوحدة الوطنية المصرية وانصهارها في آلام وآمال الوطن، وأن القضايا المشتركة مع المصريين أكثر من تلك المشتركة مع مسيحيي العالم.
جاء هذا الطرح لقبول الآخر سواء على الجانب الإسلامي أو المسيحي فهي رؤية صحيحة دينيا وإنسانيا، وهي الرؤية التي تؤمن بها الأغلبية الصامتة من أتباع الديانتين، فهي تتسم بالتفاهم وقبول الآخر، وكانت الحروب هي الاستثناء على هذه القاعدة، فقد كان هناك توافق بين أتباع الديانتين، حتى على المستوى الفقهي واللاهوتي كانت هناك أرضية مشتركة.

المصدر: 
موقع ( منتديات نور اسلامنا )
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة