الإنسان خليفة الله في الأرض

الاثنين, August 24, 2015
كاتب المقالة: 

  (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة 2/30].
عندما كان الإنسان مشروعاً للخلق؛ عرضه الله على الملائكة، ليستخلفه في الأرض التي استكمل إعدادها له؛ مزودة بكل العناصر اللازمة للحياة؛ من معادن، ونباتات، وحيوانات؛ لم تدرك الملائكة حكمة الله في استخلافه، مع قدرته على المعصية
- وهي المبرمجة على الطاعة المطلقة للخالق (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) [التحريم 66/6 ]- وتوقعت منه أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء ؛ نظراً لامتلاكه الحرية المطلقة في اختيار أحد طريقي الخير والشر .. لم تدرك الملائكة نعمة العقل التي زوده الله بها، وجعله قادراً على التمييز بواسطتها بينهما (وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها) [ الشمس 91/7-10] ، ولم يدرك الإنسان نفسه حجم المسؤولية التي تصدى لحملها (إِنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [ الأحزاب 33/72 ]، كما لم يدرك حجم تحدي الشيطان له، الذي أخذ على عاتقه مهمة إغوائه وتزيين طريق الشر والمعصية له.
فبعد أن اجتاز بنجاح اختبار المعلومات الذي خاضه مع الملائكة، وكوفئ عليه بإدخاله وزوجه الجنة؛ سقط في أول امتحان له في مادة القانون، مستجيباً لإبليس الذي أغراه بالأكل من الشجرة المحرمة؛ موهماً إياه أنها شجرة ( ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) [الأعراف7/20 ]، فأهبط وزوجه بسبب مخالفتهما القانون إلى الأرض ، مجردين من كل المعلومات التي كانا مزودين بها ، ليبدأا فيها كفاحهما من جديد ..
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) [ الإنسان 76/1 ] ؟!
نعم ! لقد بدأ الإنسان حياته على الأرض، منذ عشرات آلاف السنين، بذاكرة بيضاء خالية من أي مخزون، لا يملك غير عقله الذي زوده الخالق به من دون سائر المخلوقات، ليستخدمه في تخزين تجاربه، ومعالجتها للاستفادة منها في تطوير ذاته وعمارة الأرض التي استخلفه فيها، واستثمار خيراتها ..
من دون العقل، لم تستطع أمة النحل أن تتقدم شبراً في تطوير ذاتها، على الرغم من دقة البرامج الغريزية التي زودها الخالق بها .. وحده الإنسان استطاع أن يستفيد من تجاربه، وأن يراكم خبراته ، وأن يوسع ذاكرته من دائرتها الداخلية الفردية المغلقة ، إلى الدائرة الاجتماعية الواسعة ، ثم يضيف إليها ذواكر إلكترونية تضاعف سعتها آلاف المرات ، في العصر الرقمي الراهن ، وأن ينقل خبراته إلى أبنائه وأحفاده لتنمو وتتراكم عبر الأجيال المتعاقبة ، يضيف إليها كل جيل بمقدار زخمه الحضاري وفعاليته ، وأن يطور وسائله للتواصل مع بني جنسه ، بدءاً من الإشارة والنقش ، فالكلمة المنطوقة صوتاً أو المكتوبة حرفاً ( اللغة )، وأن يستخدم الطاقة؛ فيستأنس الحيوان ، ويخترع العجلة ، ويكتشف الكهرباء ، ويستخرج النفط المختزن في الأرض آلاف السنين ، وأن ينتقل من عصر الصيد إلى عصر الرعي ، فعصر الزراعة ثم الصناعة ، ليصل إلى عصر المعرفة وآفاقه الرقمية والافتراضية ؛ متجاوزاً أبعاد الزمان والمكان ، ومضاعفاً معلوماته بوتائر تتقلص تدريجياً من آلاف السنين إلى أجزاء العقد الواحد ، ومثبتاً جدارته بخلافة الخالق في الأرض ، ومواصلاً سعيه الحثيث لبلوغ عصر الحكمة ؛ متطلعاً إلى التبرؤ من اتهام الملائكة له بالفساد وسفك الدماء ؛ يقوده في مسعاه الأخير؛ الإنسان المسلم الرباني ، الذي يؤمن بالسلام ، ويدعو إلى السلام ؛ تحيته سلام ، وشعاره سلام (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً) [البقرة 2/208]، وتعارف (يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [ الحجرات49/13] ..
هل سيوفق المسلم لتحقيق هدفه الأخير ؟!
هل سينتهي صراع الإنسان مع أخيه الإنسان على الأرض ؟!
هل ستتوقف جدلية الخير والشر ؟!!

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة