الباحث والمفكر السوري "غريغوار مرشو" (الجزء 2)

الاثنين, March 16, 2015
كاتب المقالة: 

تتمة: فراح أصحاب الدعوة القومية الماركسية العربية الوحدوية، لاستمالة الجمهور يفتشون في التراث، بكيفية انتقائية توفيقية ليسقطوا عليه مفاهيم الصراع بين المادية والمثالية واليسار واليمين ومقولة الصراع الطبقي، بحجة تقاطعها أو تطابقها مع السياق التاريخي الاجتماعي للنظام الغربي، كما فعل الاصلاحيون الإسلاميون والعلمانيون في القرن التاسع عشر، حينما حاول بعضهم يماهي عصر السلف الصالح بالمد الليبرالي العلماني في النظام الغربي، والبعض الآخر يماهي العصر العباسي بـ(عصر الأنوار) الغربي. إذاً ما تراءى لأصحاب النهضة الثالثة هو أنه على قاعدة المماثلة والتناظر، يمكن إنجاز المصالحة مع مجتمعهم وإرساء شروط النهضة.
* وكيف ترى موقف الأصوليين على هذا الصعيد؟
** أما الأصوليون المتشددون فراحوا بالموازاة إما تنصيب أنفسهم حرَّاس على التراث والتعامل معه ككتلة صلدة لا تمس في مواجهة الآخر الغربي، وإما تحت هذا الغطاء انتقوا منه بكيفية اختزالية، الجانب الإحترابي ليواجهوا خصومهم في الداخل على أن يُصدَّر فيما بعد للخارج، فإذا كان ديدن البعض من هؤلاء هو الصراع على السلطة واقتناصها من الداخل ثم إقامة "دولة الخلافة" فإن البعض الآخر جُنَّد عنفه لتصديره تحت شعار محاربة الملاحدة والكفار ضد الاتحاد السوفيتي في الثمانينات ضمن هذا السياق ذهب كل من هذين التيارين على اختلاف خياراتهما، إلى إلباس رهاناته على هذا النظام أو ذاك لضمان تحقيق طموحاته النهضوية. الأول بمدعاة أنه أكثر يسارية وأقل شمولية من غيره، والثاني بحجة أنه أكثر إسلامية ممن سبقه.
إلا أن هذه الرهانات لم تدم طويلاً، إذ تبين في الميدان أن مصائر الأمور تسير بخلاف طموحاتهما بكون النظام العربي الرسمي بوجه عام أصبح أكثر شللاً تجاه التحديات الخارجية المحدقة به وأغلب الحكومات التي في ظله أشد هرولة وتهافتاً، الواحدة تلو الأخرى للتطبيع علناً أو سراً مع كيان العدو، فهذا الأخير يزداد تشبثاً بالاحتلال وتوسعاً بالاستيطان، وتلك تزداد بالمقابل استقالة عن مسؤولياتها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتُفاقم تغييبها لحقوق المواطنة وتشتد تحديثاً لأجهزتها الأمنية لمواطنيها وتكريساً للعوازل فيما بينها على مختلف الصعد حتى بات معظمها لا يماري في المتاجرة بالوحدة والتضامن العربي ولإسلامي في المحافل الدولية.
حيال هذا المآل تحول قسم كبير من أنصار هذه الأطروحات إلى تعليق رهاناتهم بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي على مشجب النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة على أساس أنه القاطرة الكفيلة لبلوغ العولمة. وبفضل هذه الأخيرة حسب زعمهم ستدك حصون الديكتاتوريات وتفترش الأوطان الديمقراطية وتلتحف الشعوب بسماء السلام والحرية. بذلك انتزعت (النهضة) المأمولة لدى اليساريين جداً من حضانة الايديولوجيا الماركسية ووضعت في حضانة الليبرالية الجديدة بقيادة الولايات المتحدة. فهؤلاء بعدما كانوا على نقيض النهضة في القرن التاسع عشر صاروا أكثر المزاودين في استدعائها والتبشير بها على أساس أنها حملت بذور العقلانية الليبرالية والتنوير، لكن غُدر بها حينما اغتيلت على يد النظم الديكتاتورية الشمولية، كما لو أن هذه النظم أنزلت من كوكب ثانٍ. إلا أن القسم الآخر من الماركسيين توزَّعوا بين مراجعة أدبياتهم بكيفية نقدية وبين الانكفاء على الذات والاحتفاظ بثوابتهم الأيديولوجية بطريقة صوفية يتحسرون على الزمن الضائع ويشتكون من غدر الأقدار. هذا فضلاً عن انحياز قطاعات يسارية كبيرة بعد ظهور (المد الإسلامي) إلى مسلكين متعاكسين، الواحد باتجاه صف السلطات القائمة وتأييدها في قمع المظاهر الدينية المتشددة في المجتمع واستئصالها بالقوة، والثاني باتجاه المصالحة مع المجتمع.
* وأين موقع الطروحات الإسلامية في هذا التحليل؟
** توزع أصحاب الطروحات الإسلامية بين مُهللين ومبجلين بـ(العولمة) بلباسها الليبرالي الجديد، ومتوقعين المكافآت العميمة نتيجة ما أسدوه من خدمات (جهادية) لمعلميهم الكبار ضد الملاحدة والكفار، وبين متوجسين حائرين لا يعرفون ماذا يُخبئ لهم المصير في المستقبل من مفاجآت وتحديات بأمل أن يخرجوا منها بإعادة اللحمة للأمة وهدايتها إلى الصراط المستقيم برعاية العناية الإلهية، وبين المقاربة النقدية لأدبياتهم الإيديولوجية بطريقة أكثر انفتاحاً واستنارة.
إن كل المراهنين على النظام الدولي الجديد وما بثه من وعود مجنونة حول انتشار الديمقراطية وعولمتها، سرعان ما صدموا حينما انقلبت الأمور رأساً على عقب باستبدال إمبراطورية الشر بعدو جديد أو اختلاقه كمشجب يعلق عليه كل المخاطر التي تتهدد التنامي الإمبراطوري لهذا النظام، ألا وهو الإسلام كبديل عن الخطر الشيوعي، حيال هذا التحول لم ولن تتردد امبرطوريات الإعلام على اختلاف أشكالها في الكتابة عنه لتسوَّقه على قاعدة الصورة النمطية السابقة وحاجات العولمة التي تسعى لسيادة نموذج واحد واحتقار ما عداه بكون الإسلام يُشكل راهناً بؤرة الممانعة. بذلك صار حلفاء الأمس القريب أعداء محتملين أو مفترضين أو فعليين وخاصة بعد حرب الخليج الثانية وما ألحقته من تدمير هائل للعراق دولة وشعباً وبيئة.
لا شك أن تسويد صورة الإسلام في مرآة النظام الغربي بقيادة الولايات المتحدة طرأ عليها عدة تنميطات سالبة سابقاً، لكنها لم تتكشف سلبيتها ومماهاتها بالإرهاب إلا بعد حادثة تفجير البرجين المدوي (11/9/2001)، وما تمخض عنها من احتلال لأفغانستان ثم العراق وحرب "إسرائيل" على لبنان ثم غزة وما إلى ذلك من إشعال حروب أهلية في مناطق أخرى من العالم العربي الإسلامي (السودان، اليمن، الصومال..) كل ذلك تم ولا يزال تحت شعارات تجفيف ينابيع الاستبداد والإرهاب واستغراس الديمقراطية. في الحقيقة لم تكن إلا مجرد سيوف ابتزاز للأنظمة القائمة من أجل انتزاع منها أكبر قدر ممكن من التنازلات لتأمين أمن الكيان الإسرائيلي الغاصب والتمهيد لغزوها واحتلالها وإعادة تقسيمها أو فرض الحماية العسكرية عليها في حال عدم الرضوخ للإملآت المُقبلة من الخارج.
* وماذا عن العودة وطرح أسئلة النهضة من جديد؟
** كل التداعيات المذكورة استدعت طرح الأسئلة من جديد حول النهضة المأمولة وحضَّت العديد من الباحثين والمفكرين ولو أنهم غير منتظمين في رؤية إستراتيجية متكاملة، على بيان المعوقات المعرفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي حالت دون إنجازها كمشروع ثم إستراتيجية. إلا أن التفكير بشأنها بصورة جادة وبعيداً عن صخب الأيديولوجيات المتصارعة حولها كان قد بدأ على نحو متوازن نسبياً في مطالع الثمانينات وما بعد على قاعدة النقد المزدوج. ولقد تم ذلك لبيان أن النهضة لا يمكن أن تستقيم إذا ظلت أسيرة إشكالية المعاصرة والأصالة والانشراح الذي يعتورهما، وانفكاك غير المنخرطين في هذا الانشراخ لا يمكن أن يتم إلا بنقد حاسم لهذه الثنائية النهضوية كثنائية عقيمة ومدمرة, بتعبير آخر الانتقال بالنقد من حيث هو نقد لهذا الخطاب أو ذاك إلى نقد كل الخطابات المنزلقة في هذا السجال. أقول ذلك لأن وعينا بالهوية والإسلام والماضي لا يمكن أن يتم من خلال نقد الحداثة والغرب فقط. كما أن وعينا بالحداثة لا ينبغي أن يتم من خلال نقد الهوية والتراث فقط أيضاً. وإنما وعينا لهاتين الحاجتين الماستين ينبغي أن يُحلَّل عبر نقدهما وإعادة النظر فيهما معاً بما معناه إعادة بنائهما في وعينا انطلاقاً من منظور تاريخي اجتماعي.
ليصار إلى ذلك لا يعني التحرر من النص المرجعي ـ بشقيه التراثي المحلي والغربي ـ إهماله لا بل إعادة بناء العلاقة به انطلاقا من مرجع آخر ألا وهو الواقع الحي. بذلك تصبح قراءة النص قراءة واقعية لا قراءة الواقع قراءة نصية أي من خلال النصوص. ومن شأن هذا النمط من القراءة لا يساعد فقط المفكر على فهم مكنونات الواقع ومفاعيله جيداً دون وسائط مفارقة، لا بل يُساعده على إعادة فهم النصوص نفسها، أي إعادة قراءتها بالحفاظ على تاريخيتها الخاصة، وفي ضوء معطيات الواقع كل ذلك من أجل إعتاقها من عمليات التضخيم والتبشير والتبرير التي سار على منوالها معظم مفكرينا العرب على اختلاف تياراتهم ومذاهبهم وحسبنا التمعن في تجربة معظم التيارات الفكرية وإفرازاتها السياسية العربية المعاصرة وفي واقع إخفاقها حتى نصل إلى هذا الاستنتاج. لقد جرَّب الجميع أن يبني مشروعاً في غيبة جمهور حر، فاعل ومنتج، ولكن جاءت النكسة لتشي بمدى فصامية محاولته.إذاً إذا لم تتقدم النخب المثقفة الحية نحو ردم الفجوات وتغطية الثغرات المتسعة بينها وبين المجتمع فستظل تراكم الهزائم تلو الهزائم والخيبات تلو الأخرى. فليس من قبيل المصادفة حينما نرى الدول التي قامت بالرغم من إرادة شعوبها ودون التعبير عنها لا كمجتمع مدني ولا حتى كجماعة مجردة، لا يمكن أن تعيش إلا من نفي هذه الجماعة كوحدة وكإرادة وككرامة وكثقافة وكتراث وكمطامح وآمال تحررية وأمنية وقومية، وإنما أكثر من ذلك يتم تعويض النقص الوجودي في الدولة بتضخيم منقطع النظير للجهاز السلطوي الرقابي الأمني وللجزء الأكثر بدائية فيه، جهاز القمع والقهر، بذلك يصبح أمن وحراسة الفساد وتناميه هو الرابح وحصار المواطن بهدر طاقاته هو الخاسر.
* وبالتالي لماذا بقينا حتى الآن على ما نحن عليه؟ هل هناك خلل ما في العقل العربي؟
** إذا كنا قد بقينا حتى الآن على ما نحن عليه كما أسلفت فهذا لا يعود إلى مقدور بيولوجي أو خلل جوهراني في العقل العربي لطغيان المنطق البياني على المنطق البرهاني كما رُوَّج ويُروَّج البعض في تأصيله في الثقافة العربية، بالإطلاق، وإنما يعود إلى ضغوطات جيوسياسية واقتصادية واجتماعية، وإلى كيفيات تحديثية قسرية ثمرة اصطدامنا بالحضارة الغربية. الأمر الذي أدى إلى فصم الفكر عن الواقع الحي وجعله مهجوساً باستذكار معارف السلف الغربي أو السلف المحلي أو التوفيق بينما بطريقة انتقائية تلفيقية بدلاً من التفكر عليها ومفاعلتها مع مجريات الحاضر ومقتضياته من أجل تأسيس وعياً تاريخياً اجتماعياً فاعلاً حيالهما.
* كيف يمكن لعجلة التطور أن تتحرك في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية للوطن العربي؟
** لكي ندفع بعجلة التطور وتأمين بيئة لنشوء مشروع نهضوي متكامل ومتفاعل مع الحاجات الحيوية والتطلعات الحرة لمجتمعاتنا، ثم الخروج من المآزق والهزائم المذلة المتوالية التي تتهددنا لابد من العودة إلى الذات واستقراء واقعنا وما حكمه ويحكمه من تحديات خارجية وداخلية بكافة الصعد المعرفية والسياسية والاقتصادية والثقافية من أجل إجتراح أسئلة وأجوبة جديدة تتوائم مع حجم المسائل المطروحة علينا، فعلى ضوء هذه المسائل وغيرها علينا القيام أيضاً بمراجعة نقدية تاريخية اجتماعية ومعرفية لأسباب الردود العربية والإسلامية المنقوصة على هذه المشكلة. وهذا ابتداء بما يسمى بعصر النهضة من أجل استشراف رؤية واضحة ومقبولة لما يمكن أن تكون إستراتيجيتنا المستقبلية في مطالع الألفية الثالثة. وإلا أي استمرار في التقاعس على هذه الصعد سيؤدي إلى تلغيم القواسم المصيرية المشتركة الجامعة بيننا وتشظيها إلى أشلاء دويلاتية جديدة سائغة الابتلاع من قبل الإدارة الإمبراطورية الأمريكية الجشعة وحلفائها. وأن غزو بغداد ما هو إلا محطة تُنذر بنقل الكوارث التي حلت بها إلى المنطقة.
وما نحتاجه في نهاية المطاف هو عقد جماعي عربي للأمن والتنمية الإقليمية تشارك فيه كل الفعاليات السياسية والحقوقية والإدارية والفكرية والاقتصادية على اختلاف شرائحها وانتماءاتها. لكن على أن يُحدَّد هذا العقد التزامات ومسؤوليات وواجبات كل طرف في إطار مشروع تنموي موحد، وخطة إصلاحات اقتصادية وإدارية مشتركة لمحاربة كل خروقات الفساد التي طالت حرائقه حتى مؤسستي التعليم والقضاء، ولإزالة كل العوازل الاتنية والطائفية والمذهبية والدينية والثقافية والاقتصادية التي تفتك بها. كل ذلك ليصار إلى خلق مناخ جديد مُشجع على العمل والإنتاج والاستثمار بهذه وغيرها من الإعدادات تتمكن المجتمعات العربية والإسلامية من الخروج من موقع المنفعل والضحية المستجدية دائماً للحق من الشرعية الدولية إلى موقع الفاعل في الساحة الدولية.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة