الثقافة في الجامِعة أم أزمة الثقافة في الجامعات؟

الخميس, August 24, 2017
كاتب المقالة: 

حين صدر كِتاب "أزمة الثقافة" للكاتبة الألمانيّة الأميركيّة حنّة أرندت عام 1954، كان العالَم ينفض عنه غبار حربَين كونيّتَين، أهلكتا عشرات ملايين الخلائق، وبدّلتا الكثير من المَعالِم والعلاقات، ولاسيّما علاقة الفرد بثقافة معيّنة. ولئن صحّ أنّ أرندت كانت تنظر إلى الواقع الأميركيّ، في الستينيّات من القرن العشرين، وترمي بنظرها المقارن بين وطنها الثاني ووطنها الأوّل، ألمانيا وأوروبا بعامّة، وأنّها كانت تسعى إلى تلمّس العلائق المضطربة، بل المُزلزِلة، بين الفرد ومجتمعه المُحافِظ، وبين الحقيقة والسّلطة بأنواعها، وبين الفنّ والسياسة ومفهوم الحرّية، وبين التربية النخبويّة والتربية الشعبيّة أو الديمقراطية، وبين الثقافة الاستعلائيّة والثقافة ببُعدَيها الاجتماعيّ والسياسيّ، فإنّ في نظرتها، اليوم، بعضاً من الحقيقة.

بالعودة إلى موضوعنا نسأل: أين هي الثقافة، باعتبارها "مجموعاً من السمات الروحية والمادّية والعاطفية والفنّية والقيَميّة والتراثية .."، في جامعاتنا؟ ولا نقصد بها الجامعة الرسميّة تخصيصاً، إنّما الجامعات الرّاسخة والنّابتة كلّها في أرض الوطن على السواء.

قبل الإجابة عن السؤال، نُشير إلى أنّ ما نورده يندرج في باب الرأي المستند إلى الخبرة التعليمية والأكاديمية، ولا يدّعي حملَ الحقيقة الشاملة بأيّ حال. ومع ذلك، يُمكن القول إنّ مفهوم الثقافة، لدى الجامعات كلّها العامِلة في لبنان، ليس واحداً؛ ففي حين يركِّز بعض الجامعات على البُعد الدينيّ، يُركِّز  البعض الآخر على  البُعد  التقنيّ، والبعض الثالث على البُعد الاستعلائيّ التمييزيّ، والبعض الرابع على البُعد التراثيّ. وإن اجتمع بُعدان في جامعةٍ واحدة أو في عددٍ من الجامعات، فإنّ الطّابع العامّ أو النَّهج الاجتماعيّ، بحسب بيار زيما، يتكفّل بترجيح كفّة بُعد على آخر في  وعي القيّمين على الأمر وفي لاوعي الجمهور المتلقّي. وههنا يُمكن التثبّت من توزيع تلك الأبعاد من خلال دراسة النشاطات الثقافيّة المتوفّرة لطلّاب الجامعة وطالباتها، ومدى المُشاركة الفعليّة لهؤلاء فيها. هذا من دون أن نتكلّم على البُعد السياسي – الطائفي الذي يبدو، في هذه اللّحظة من تاريخ لبنان والمنطقة، في ذروةٍ عزَّ نظيرها.

وعليه، فإنّ النشاطات الثقافية في الجامعات كان يُفترَض بها أن تكون عاملَ تجاوزٍ فكريّ، أو نوعاً من القفز الموقّت من فوق الانتماءات الحادّة، والاصطفافات والهويّات القاتِلة التي تحفل بها الشاشات والساحات  في جوارنا، فيعود الوعيُ منها أقلّ  قلقاً على الوجود، وأكثر استئناساً بالفنّ والأدب والمسرح والرسم والغناء  والإيماء والرقص والسينما والشعر، وأكثر استعداداً لاستقبال الوجه المُختلف عن صورته المكرورة فيه وفي مَن ينتمي إليهم، ولاستقبال الصوت والإيقاع المُفترقَين عن صوته وإيقاعه، وليحتفل بهما على أنّهما جزؤه الآخر الذي حان خروجه إلى النور.

لكنْ، هل تعني "الثقافة في الجامعات" النشاطاتِ الثقافية السالف وصفها، والتي لا تكاد تدخل حياة طلّابنا سوى من باب الاختيار، أو الحشرية، أو السعي إلى  تكوين الصداقات  ليس إلّا؟ ألا تعني الثقافة هذا العملَ  الجدّي على تغيير علاقة طلّابنا بالمَعارِف، وبالتعليم  الأكاديمي، لكي يصيروا شركاء في تكوين المَعارِف، متعلّمين، وباحثين، ومُبدعين بدورهم؟ ثمّ ألا تعني الثقافة أن يُعمل على شحذ همّة  كلّ  طالِب جامعي ليكون مُخترعاً أو مُبدِعاً في مجاله، على ما دعا  إليه الصحافي اللّبناني الراحل وخرّيج  الجامعة الأميركية، غسّان تويني في إحدى خطبه إلى الطلّاب، في تسعينيّات القرن الماضي؟ بيد أنّ هذا الأمر يستدعي تغييراً آخر، أشار إليه عِلمٌ متعدّد المَيادين، وهو عِلم التعلّمية (الديداكتيك)، أي تغيير العلاقة بين أستاذ المادّة، الأكاديميّ، من جهة، والطالب من جهة ثانية، بحيث يصير الأخير مِحوَر العمليّة التعليميّة – التعلّمية، لا الطرف الأضعف في تلقّي المَعارِف وتلقينها، وصاحِب كفاية في الحُكم على الأمور وفي بناء معرفته بذاته، لا شخصاً عديم الشخصية وتابِعاً لشخصٍ آخر، أيّاً تكُن صفته، وصاحب نظرة وذوق قائمَين بناء على معايير أعانه أستاذه على انتقائها وتعقّلها، لا تلميذاً عديم الثقة بمهاراته ومَعارفه ولائذاً بمرجع أكبر منه وأذكى على الدوام.

أزمة غياب المعنى

الثقافة في عالَمنا اليوم في أزمة، ليس أقلّها أزمة غياب المعنى، أو طغيان المعنى الوحيد. الثقافة في عالَمنا اليوم في أزمة، ومن علائِمها "عدم اتّفاق كلّ مجتمع على المعنى"، بحسب حنّة أرندت. ولا ترانا بحاجة إلى الدلالة على أزمة المعاني لدينا، في بلادنا العربية المعذَّبة، والتي تكاد تطيح بوجودنا المادّي في سبيلها. نسأل: هل تُقدِم جامعاتنا، أقلّه في لبنان، على نقل طلاّبنا وطالباتنا من حال التلقّي والتلقين إلى حال التعلّم والبحث والتذوّق والإبداع؟ وهل تصير الثقافة، بما تعنيه من تراثٍ جامع وفنون وآداب وقوانين حياة، عناوين رئيسة، بل أولويّات في برامِج جامعاتنا بمختلف تلاوينها ولهجاتها، بها تُصقَل نفسيّة الطالِب أو الطالِبة صقلاً وطنياً، بغير تزييفٍ  ولا  تطييفٍ  ولا  تضخيمٍ؟ وهل يعود للثقافة في جامعاتنا طَعمُ النهضة الأولى في الثانية، على خشبةٍ تُستعاد  عليها  تجارب الأوّلين في مرآة  تجارب الحديثين والحديثات؟ أسئلة أردناها تنبيهاً لمَن شاء يقظة لنا ولأبنائنا، قبل ممات، وإعلاءً  لشأن المعنى والفكر والجمال والفنّ؛ أي الثقافة قبل اندثارها تحت سنابك الخَيل ورياح الهمجيّات الهوجاء. إلى وجوب أن يكون إدغار مورانEdgar Morin في كتابه الظاهرة "مدخل إلى الفكر المركّب" قد أشار إلى أنّ ثمّة تفكيراً متعدّد الأبعاد، يحمل في طيّاته بذور الإقرار بالاختلاف بين البشر، وقبول الاختلاف على أنّه اندماجٌ إيجابيّ بالمجتمع، أيّ مجتمع، ذي المشارب المتنوّعة والمَظاهر الكثيرة، والأفكار المُتكاملة من دون أن تكون مُتناسخة. ولكنْ، ما دَور الجامعات في ذلك؟ أتراها جامعاتنا، في دولنا العربية تقبل هذا التحدّي الكبير..أي  في أن تسير في طليعة مجتمعاتها، فتحمل راية التنوّع الثقافيّ في نشاطاتها وتكوينها الأكاديمي والمعرفي والاجتماعي والفنّي والإبداعي؟ أو ليست هي، أعني جامعاتنا، خير من  تُوكَل إليه مهمّة إعادة اللُّحمة إلى نسيج مجتمعاتها بعدما أُصيبت بكلّ سهام الانقسام والتشرذم والفرقة؟ ثمّ إنّ جامعاتنا العربية، بعد أن تكون قد صوَّبت مساراتها الفكرية، وأعادت الاعتبار إلى المعاني والقيَم الإيجابية في مناهجها، وعملت على إعداد نخَبها إعداداً إيجابياً، على الصورة التي رسمناها، ألا  تكون مُسهِمةً في نقْل مجتمعاتها العربية النّقلة المنشودة إلى عصرِ تنويرٍ آخر، ونهضةٍ تستأنفُ بها عهداً ذهبيّاً سالِفاً، يصير فيه الإنسان العربيّ عنواناً للرفعة الخلُقية، والسماح، والإبداع في الميادين كلّها؟

د. أنطوان أبو زيد

المصدر: 
مجلة أفق
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.