الجمعية السورية للملكية الفكرية لماذا؟

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

الجمعية السورية للملكية الفكرية لماذا؟

الأستاذ محمد عدنان سالم

لأن إمبراطورية القرصنة الفكرية آخذة بالتعاظم والتفاقم، مستهترة بكل الحقوق والمبادئ والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة، متذرعة بذرائع واهية تلبس الحق بالباطل؛ مثلما يفعل النظام الدولي الجديد؛ يقتل الضحية، ثم يكون أول من يمشي في جنازتها، ويتصدر المجالس ليتلقى التعازي فيها، ويئد الديمقراطية في مهدها، ويضع كل العوائق أمام الشعوب خشية إحيائها أو استئنافها، ثم يتظاهر بالبكاء عليها والمطالبة بها والدفاع عنها.

ويذرف الدمع على محرقة اليهود في ألمانيا، ثم يتولى إحراق المدن والقرى في فلسطين، ليخرج منها أهلها ويشردهم في بقاع الأرض، وليحل يهود الذين ضاق بهم ذرعاً في بلدانه محلهم.

ويرفع عقيرته دفاعاً عن حق إسرائيل –المزروعة عنوة في أرض غير أرضها- في الوجود، ثم لينكر على الفلسطينيين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم حقهم في العودة والوجود.

ويهدم الجدار العازل في برلين ليبنيه مجدداً في فلسطين.

ويزرع الخوف والإرهاب في كل بقاع الأرض، ثم يعقد الأحلاف لمكافحة الإرهاب..

فالقرصنة هي القرصنة، في الفكر كما هي في السياسة الدولية في الزمن الرديء.

*ولأن المجتمع هو المتضرر الأول من قرصنة الأفكار، على الرغم من إيهامه زوراً بأنها خدمة له. فالقرصنة تسطو على الإبداع، تأخذ بخناقه، تحرمه من استثمار جهده ولقمة عيشه، حتى إذا أجهزت عليه وخرَّ صريعاً، خرت صريعة معه، لأنها لن تجد ما تقرصنه، ولن يجد المجتمع بعد ذلك ما يطفئ ظمأه للمعرفة.

* ولأن الملكية الفكرية ثقافة تؤطر سلوك المجتمع إزاءها؛ استباحةً إبان تخلفه وعجزه ونضوب ينابيع الإبداع لديه، أو احتراماً إبان تحضره وارتقائه وتفجر مواهب الإبداع فيه.

*ولأن القانون قد أثبت عجزه عن حماية الملكية الفكرية، في مجتمع تلفه ثقافة الاستباحة من فرقه إلى قدمه، فلا يشعر أحد؛ حين تمتد يده إلى فكرة يسرقها، بذنب كالذي يشعر به حين تتسلل يده إلى جيب جاره لتنتشل منه مالاً أو متاعاً ثميناً. بل إنه ربما جاهر بذلك وفاخر، وازدهى بحذقه ومهارته في الحصول على كتاب مزور أو برنامج منسوخ بسعر أرخص.

*ولأن القضاء بات غاية ما يتمنى القرصان أن تحال قضيته إليه، إن هو ضبط متلبساً بجرم مشهود، ومعه مواده المسروقة، وأدواته المستخدمة، وشركاؤه في ارتكاب الجريمة وإخفاء آثارها، فلا يلبث أن يخرج من السجن بكفالة لا تعني قيمتها له شيئاً، ليعود إلى ممارسة هوايته التي أدمنها، باحتياط أكثر، ومهارة أكبر، تاركاً ملفات جريمته الأولى تقبع في دواوين القضاء، تغط في نوم عميق، تدغدها طلبات التأجيل والتمديد التي أتقنها محاموه، ثم لا يبالي بعد ذلك أن يضبط ثانية وثالثة فقد تمرس واكتسب من الخبرة في التعامل مع أجهزة الأمن ودواوين القضاء، وفي الالتفاف على القوانين والسطو على حقوق المبدعين والناشرين، ما يؤكد أنه بات الأقوى والأقدر على البقاء في ظل ثقافة الاستباحة. ولتذهب الحقوق والدساتير، والشرائع والقوانين، وأجهزة الأمن والقضاء، وإبداع الأمة إلى الجحيم، أو فليشربوا جميعاً ماء البحر ليموتوا بغيظهم.

*لأجل ذلك كان لا بد للمجتمع الأهلي أن ينهض للاضطلاع بدوره في حماية الحق الفكري، لاقتلاع ثقافة الاستباحة له، وإحلال ثقافة الاحترام والإجلال محلها، فأهل مكة أدرى بشعابها، وليست النائحة كالثكلى.

ولأجل ذلك شُكلت اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية في اتحاد الناشرين العرب، وما زالت منذ عام 1995 تعمل وتكافح وترصد وتتلقى الشكاوى، وتدافع عن المتضررين وتلاحق المعتدين؛ تكشف سوءاتهم وتفضح أساليبهم، وتحاول أن تسد دونهم نوافذ الأسواق ومعارض الكتاب، وتنشر ثقافة الحق الفكري عبر موقعها على الإنترنت www.arabpip.org وفيما تعقده من ندوات ومؤتمرات وتنشره من مقالات.

ولأجل ذلك تتشكل الآن الجمعية السورية للملكية الفكرية، واضعة أهدافها بين أيديكم، تروم حشد كل الطاقات الفاعلة لترسيخ ثقافة احترام الحق الفكري، تمهيداً لاستئناف الأمة مسيرتها الحضارية؛ إبداعاً وعطاءً.

فلقد طال انتظار الإنسانية لها، وإن لديها من المخزون الفكري والقيمي والأخلاقي، الذي طالت غفوتها عنه، ما العالم أحوج ما يكون إليه في أزماته الراهنة؛ السياسية منها والفلسفية والإيديولوجية والأخلاقية.

*إن الإنسان اليوم يمر بمنعطف حاد، يعد من أخطر التحولات الكبرى التي تقلب فيها عبر تاريخه الطويل في طريق كدحه إلى الحقيقة الكبرى .. إلى الله. فمن عصر الصيد إلى الرعي إلى الزراعة إلى الصناعة، ها هو يتحول اليوم إلى عصر المعرفة، والمادة الأولية في عصر اقتصاد المعرفة هي العقل الذي أنعم الله به عليه، وجعله سواسية بين الأمم؛ ليست أمة هي أربى فيه من أمة. وفي هذا العصر تتعاظم عمالة العقل على حساب عمالة اليد، ويشتد الطلب عليها، وتروج سوقها، ويحل الأرق محل العرق، وتحل مراكز الأبحاث ودور النشر محل المداخن الشاهقة، وتتسابق الأمم في إنتاج الأفكار والمعلومات، ويقاس تقدمها بما تملكه منها، أكثر مما يقاس بما تملكه من ثروة المال وترسانات السلاح.

فهل يمكن للقرصنة أن تبني مجتمع المعلومات؟ هل عمالة العضلات أجدر بالحماية من عمالة الأفكار؟ وأي مستقبل للإبداع الفكري والعمل الذهني، إذا كان مصيره الاستباحة والسطو؟!

* وعبر مسيرة الإنسان التاريخية، وتحولاته الكبرى، استطاع أن يراكم معلوماته وأن يضاعفها بوتائر متسارعة، كانت تعد بآلاف السنين ومئاتها، ثم أصبحت تعد بالعقود وبالسنوات بعد أن أضاف الحواسب ذواكر إضافية جعلها امتداداً لذاكرته.

وكان إسهامنا في إثراء الفكر الإنساني، إبان ازدهارنا الحضاري - على وقع صيحة ( اقرأ (- عظيماً تشهد له مئات الآلاف من المخطوطات التي تحتفظ لنا بها مكتبات العالم.

فما نسبة إسهامنا في الفكر الإنساني المتعاظم اليوم، بعد أن منحنا عقولنا إجازة مفتوحة منذ قرون، ورحنا خلالها نغط في نوم عميق؟ وهل سنظل في عصر المعرفة نتسول المعرفة أو نسطو عليها بدلاً من أن ننتجها ونضيف إليها؟!

أرى أن الفرصة متاحة لنا الآن أكثر من أي وقت مضى.

وأثق أن لدينا من الطاقة الذهنية والمخزون الفكري ما نستطيع أن نباهي به ونضيف إليه؛ لو التفتنا إليه وأحسنا استثماره.

وأن ترسيخ ثقافة الاحترام للحق الفكري وصيانته من العبث والقرصنة، هو من أولويات وضرورات نهضتنا المرجوة.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.