الجيل الجديد ومجتمع التعايش

الاثنين, December 29, 2014
كاتب المقالة: 

يتعانق عيد ميلاد عيسى، ومولد محمد عليهما الصلاة والسلام؛ حول رأس السنة 2015 لتوجيه رسالة إخاء ومودة وتعايش؛ ميزت المجتمع العربي عبر التاريخ؛ كلما نزغ العدو نزغاً بين أطيافه المتنوعة؛ خرج منه أكثر توحداً وتماسكاً، كأنه بنيان مرصوص!!
لم يكن هذا التعايش معروفاً لدى العرب، الذين مزقتهم الصراعات القبلية في العصر الجاهلي، ولا كان معروفاً لدى الغربيين الذين مزقتهم الصراعات الطائفية في عصورهم الوسطى، ولا يزال هاجس التميز، والأنانية، والكيل بمكيالين، على أشده لديهم؛ يعتدل أحدهما فيما بينهم، ويختل الآخر وفق مصالحهم عند التعامل مع الشعوب الأخرى.
القرآن الكريم: هو الذي رسخ للمرة الأولى؛ مبدأ التعايش، واحترام الآخر، وحقوق الإنسان، وحرية الاعتقاد، لنقرأ فيه (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) [البقرة 2/256] قانوناً طبقه المسلمون في كل عصورهم، فلم يحدث أن أكرهوا أحداً على اعتناق دينهم، ولم تقم عندهم محاكم التفتيش، لإكراه الناس على تغيير دينهم، كالذي حصل في أوربا..
والقرآن الكريم هو الذي أعلن وحدة الأديان، وأعد المسلمين للتعايش معها جميعاً (قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلَى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) [ البقرة2/136].
ولم يوصد الله باب جنته أمام أحد (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارَى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة2/111-112]
وأكد شـــــمول رحمته جميع المؤمنين بالله من كل دين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارَى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [ البقرة 2/62]، وأكد ذلك في آية [ المائدة 5/69].
و نبه القرآن الكريم المسلمين إلى عداوة اليهود والمشركين لهم، خلافاً للنصارى (لتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) [المائدة 5/82].
وبيَّن للمسلمين طريق تعاملهم مع الآخرين (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [الممتحنة60/8 ].
ثم أعلن القرآن الكريم انقطاع الوحي من السماء، وبلوغ الإنسانية رشدها، وأهليتها لمتابعة طريقها؛ على هدي الرسالة السماوية الخاتمة (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب 33/40].
***
في ضوء هذه التوجيهات القرآنية، أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم صيحته الحنونة يوم فتح مكة: " اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وفي ضوئها؛ تصرف صلاح الدين مع الصليبيين في حطين، وأطلق أسيره ريتشارد قلب الأسد، ملك بريطانيا مكرماً؛ على الرغم من وحشيته في حرب الفرنجة ضد المسلمين!!
وفي ضوئها؛ ما يزال المواطنون السوريون في المدن والقرى-على اختلاف أديانهم – يتعايشون بكل الود، ويتزاورون، ويتزاوجون!!
وكانت نسوة مسلمات متدينات؛ يزرن الدير في معلولا، ويبتن فيه؛ التماساً للبركة وظهور العذراء، بحكم عادات اجتماعية موروثة ومتعارف عليها، وجهلاً منهن بالحكم الشرعي المتعلق بها!!
وكن- في دمشق- أواسط القرن الماضي، يقصدن للمعالجة طبيباً يهودياً لشهرته، مع توفر الأطباء المسلمين في اختصاصه، ومن دون أي حرج، أو لوم من المجتمع!!
وكان التجار والصناعيون- على اختلاف أديانهم- يتعاملون؛ بعضهم مع بعض، بكل ثقة وأمانة، حتى إن حرفاً معينة برع فيها صائغون من النصارى، وتجار من اليهود، وصناع من الأرمن!!
فهل – بعد كل ذلك- من شك؛ في أن بزوغ النزاعات الطائفية والعرقية والمذهبية، في فترات متباعدة من التاريخ الإسلامي، إنما هو افتعال من جهات خارجية؛ غريبة عن النسيج الاجتماعي للأمة؛ تروم تفكيكها، قد ينخرط به – مخدوعاً- جمهور من الدهماء، وبعض المثقفين.. ثم ما يلبث المجتمع أن يكتشف المؤامرة التي كان هو ضحيتها، فيثوب إلى رشده، ليستعيد وحدته، ويأسو جراحه، ويرمم ما انهدم من بنيانه!!
وهل سوف يجعل الجيل الجديد؛ الوعي بهذه المؤامرة، من أولوياته؛ ليرد كيد الأعداء في نحورهم، مستخدماً وسائط التواصل الاجتماعي التي وضعها العصر بين يديه؟!

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة