الحج ارتحال خارج الأسوار

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

ألح علي – وأنا أتأهب لأداء فريضة الحج – سؤال غريب: لماذا الحج؟! ما أهدافه؟ ما مقاصده؟ ما أبعاده؟ ما حصيلته؟ ماذا بعد الحج؟! ما معايـير النجاح فيه؟

 الحج ذروة اختبارات الإيمان

 

وأول ما تبادر لذهني من الأجوبة: إنه فريضة تعبدنا الله تعالى بها، ليبلوَ صدق إيماننا به، المتمثلِ في طاعتنا له، وإذعاننا لأمره، مهما كلفنا هذا الإذعان من مشقة قد تثقل على بعض النفوس… والنفوس عموماً جبلت على إيثار الراحة، والتردد في قبول التكاليف، ما لم يدفعها لقبولها دافع قوي يستمد قوته من إيمانها وقناعتها الذاتية، وهذا الإيمان يتفاوت زيادة ونقصاً، وقوة وضعفاً ،وصدقاً ونفاقاً، بتفاوت الأفراد وأحوالهم ودوافعهم، حتى إن المؤمن نفسه ليعلو إيمانه حيناً ويهبط حيناً، وتعتريه آفات الرياء والنفاق أحياناً، مما حفز بعض المؤمنين إلى أن يدعو إخوانه للتعاون على رفع مستوى إيمانهم "هيا بنا نؤمن ساعة".

 

وأن ينبه الله تعالى المؤمنين إلى تعهد إيمانهم بالرعاية المستمرة {يا أيها الذين آمنوا آمِنوا} [النساء4/136]، وأن يحلل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الظاهرة تحليلاً نفسياً عميقاً بقوله:"إن لكل عمل شِرّة، ولكل شِرّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلَح" [رواه ابن حبان عن ابن عمر].

 

ومن عظيم فضل الله تعالى على الناس؛ استيعابُه لهم جميعاً فكلهم عيا له، وإدراجُ المؤمنين على اختلاف طبقاتهم في عداد أصفيائه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32]، فلم يكتف سبحانه باصطفاء السابقين بالخيرات، بل ضم إليهم المقتصدين بالعبادات، وحتى المقصرين ظالمي أنفسهم بارتكاب المعاصي طمعاً بعفوه ومغفرته، جعلهم من هؤلاء المصطفيْن من عباده.

 

وفي هذا الاختبار الإيماني الهادف إلى تحديد مستوى إيمانهم{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}[الملك: من الآية2] تدرَّج بهم في التكاليف ومشقاتها على النفوس: بدءاً من مخالفة المألوف من التعبد لغير الله بالنطق بالشهادتين، والالتزام بالصلاة كتاباً موقوتاً خمس مرات في اليوم، ثم الامتناع عن الطعام نهاراً شهراً في العام، والخروج عن بعض المال، مرة كل عام، وهما الشهوتان العزيزتان على الإنسان {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ

 

} [العاديات:8]، ثم يأتي الحج مرة في العمر، ليجمع كل هذه المشقات جميعاً: خروج على المألوف وإخلاص للمعبود، وصبر على الجوع والعطش، وبذل للمال، وترك للأوطان والأولاد.. ليكون أعلى الامتحانات، وليس آخرها، فلا يزال المؤمن في اختبار حتى يلاقي وجه ربه، يبتهل إليه على الدوام سائلاً إياه المنّ عليه بحسن الختام.

 

الإنسان هو المنتفع من تجاربه التعبدية

 

إلى هنا يبدو هذا البعد الروحي التعبدي للعبادات كلها علاقة ثنائية بين العبد وربه، تثير في النفس أسئلة جديدة: مَن مِن طرفي العلاقة المستفيد من هذه العبادات: الله أم الإنسان؟ ويأتي الجواب الإلهي حاسماً على الفور { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذريات:58] فالناس هم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، وفي الحج بالذات، فإنه حتى التقوى التي هي حصة الله تعالى من إذعان العباد لأمره بالنحر، فهي لفائدتهم {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: من الآية37] فهذا الأكل وإطعام القانع والمعتر بعض من منافع الحج التي حددها الله تعالى من أهدافه {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28].

 

هكذا يتبين أن العبادات كلها إنما شرعها الله تعالى لمنفعة الإنسان، وأن المستفيد منها في طرفي العلاقة بين الخالق والمخلوق هو الإنسان.

 

ولكن أي إنسان هذا المستفيد؟ أهو الإنسان الفرد؟ أم الإنسان الجماعة والمجتمع؟!

 

ولربما كان علينا هنا أن نتساءل عن خطاب التكليف الرباني أكان موجهاً للإنسان الفرد، أم للإنسان في الجماعة؟! وعن طبيعة المسؤولية عن الأمانة التي تصدى الإنسان لحملها، أهي مسؤولية فردية أم جماعية؟

 

الحج؛ من البعد الفردي إلى البعد الجماعي

 

فلنفترض أن خطاب التكليف بالحج {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}[الحج: من الآية27] موجه للفرد والجماعة معاً،إذ الجماعة لا تتحقق إلا بانضمام الأفراد بعضهم إلى بعض، وتقاطرهم من كل فج عميق لشهود الموعد المحدد لهم في الزمان والمكان، فما المنافع التي يجنيها الحاج فرداً، والحجاج جماعةً ومؤتمراً، والأمة الإسلامية الموفِدة لهم راعية لمؤتمرهم، والإنسانية من ورائهم باحثة لديهم عن سبل خلاصها وسعادتها، وطرق سموها وارتقائها؟!

 

وربما يروق للبعض أن يرى – عن سوء نية – في إخراج الحج من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة تجنياً وتزيداً وتحميلاً للنصوص أكثر مما تحتمل.. فما الحج في نظره غير طقوس دينية يؤديها على نحو جماعي أفراد اعتنقوا الإسلام ديناً، طلباً لنجاتهم الشخصية في الآخرة {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34-37].

 

وربما يروق للبعض أن يرى – عن حسن نية – في الخروج بالحج عن دائرته الفردية، إفراغاً لهذا النسك العظيم من هدفه التعبدي الخالص، فإنما هو عبادة فرضها الله تعالى على كل مسلم مستطيع، تسمو بها نفسه وتزكو روحه من خلال تأملاته الذاتية، وإخلاصه العبادة لخالقه وتفرغه له متخلياً عن جميع الشواغل من أهل ومال وولد ومعاملات وعلاقات دنيوية.

 

وليس يعنينا لحن القول من سيء النية بشيء، فالكل يعلم أن الإسلام ليس كالبوذية أو الكونفوشيوسية أو الهندوكية، وأنه لم يفرض على المسلم طقوساً مفرغة من معانيها، ولم يستهدف مجرد تعذيب النفس، إنما استهدف تهذيبها وترويضها لكي تخرج عن أنانيتها، وتندمجَ في الجماعة، تحسُّ بأحاسيسها،وتألم لآلامها،وتعملُ لرفعتها وعزتها، فلن يكتمل إيمان المسلم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وحتى يكون لأخيه كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وتنتفي صفة الإيمان عن المسلم الذي لا يأمن جاره بوائقه، والذي يكذب ويشهد الزور، ومن مشى في حاجة أخيه كان الله في حاجته، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره.

 

إنما الذي يعنينا المسلم – حسن النية – الذي يخاف على عبادته أن تحبط إن هو خرج بها عن دائرته الشخصية الذاتية، فلهذا المسلم المتبتل المتجه بوجهه إلى الله، المخلص عبادته لله أقول: لا تبتئس يا أخي!!

 

فهل أنت ، حين تعتزم أداء فريضة الحج، إلا وريقة من وردة مترامية الأطراف ترنو إلى المركز تحنو عليه لترتشف من رحيقه ما تعود به إلى مواطنها حين تعود فتنتشر وتنتثر؟!

 

وهل أنت، حين تُحْرِمُ، متجرداً من ثيابك وسائر خصوصياتك ومراتبك، إلا رقم في تعداد الحجيج يباهي به رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمم يوم القيامة؟!

 

وهل أنت، حين تزج بنفسك في طاحونة الطواف حول الكعبة، إلا حبة قمح تندمج مع أخواتها، يتدافعن ويتمازجن في سبع طوفات، تَدِقُّ وتَدِقُّ حتى تتلاشى ذرات، تندلق من فتحة الحجر الأسود عند الخط الذي يمثل بوابة البدء والختام، تخرج مروَّضة مستساغة معطاءة مؤثرة غير مستأثرة؟!

 

وهل أنت حين تلقي بنفسك في غمار السعي بين الصفا والمروة، إلا قطرة ماء في نهرٍ ما زال يجري من دون انقطاع منذ بدأته هاجر تبحث عن ماء يطفئ ظمأ رضيعها،وسيظل يجري إلى قيام الساعة؛ يبطئ حيناً ويسرع حيناً، لكن قطراته حاشا أن تجفَّ ، وعلى ظهر الأرض إنسان يصغي إلى أذان إبراهيم؟!

 

وهل أنت في الحج، إزاء إخوانك الحجاج، إلا حبة رمل في بيداء عرفة، تجأرون إلى الله – على اختلاف ألسنتكم – بصوت واحد ولحن واحد: لبيك اللهم لبيك.

 

هل تستطيع أن تنأى بنفسك في هذه البيداء إلا بمقدار ما تناجي ربك، تسأله العافية لك ولمن يلوذ بك؟!

 

لست وحدك في الحج، بل أنت عضو في جماعة، وجزء من فريق، تعبدون الله مثنى وفرادى.. تجتمعون على العبادة، ثم يخلو كل منكم إلى نفسه ليرى أثر العبادة فيها، ويسأل الله تعالى القبول لها، وأن يكتبها له في ميزان حسناته، فلا يضرب بها وجهه يوم الحساب، إذا شابتها شائبة نفاق أو رياء.

 

المسؤولية في الدنيا جماعية وفي الآخرة فردية

 

ولئن كانت المسؤولية في الآخرة فردية، فإنها في الدنيا جماعية.

 

في الآخرة: { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً}[ مريم 19/95].

 

{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراًً، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء 17/13].

 

ولن يقبل الله تعالى من الإنسان يومها تقليده للآباء:

 

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ } [البقرة2/170] ولن يقبل الله تعالى من الإنسان يومها اعتذاره باتباع السادة والكبراء: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراًً} [الأحزاب 33/68]

 

ذلك أن الإنسان عندما قبل حمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وتصدى هو لحملها، ثقة منه بقدرته على تمييز الخير من الشر والحق من الباطل بإعمال ما وهبه الخالق من نعمة العقل المزود بوسائط المعرفة من سمع وبصر، وبفؤاد قادر على التحليل والتركيب والمحاكمة، فكان مسؤولاً عن استخدامها وإعمالها ومحاسباً على إهمالها وتعطيلها: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء17/36] { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [ الملك67/10]

 

أما في الحياة الدنيا فإن مسؤولية الإنسان جماعية.

 

تقطف الجماعة كلها ثمرات أدائها والالتزام بها : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [ الأعراف7/96]

 

{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [ نوح71/10-12]

 

ولا بد أن يكون في هذه القرى بعض المفسدين الذين سينعمون بما أفاء الله على الجماعة الصالحة من خير.

 

وقد تكتوي الجماعة كلها بلظى نيران فساد بعض أفرادها:

 

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ؟!} [ الفجر89/6]

 

{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ } [ الأنبياء 21/11]

 

{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} [ الدخان 44/25-28] ومن المؤكد أن الظلم لم يكن عاماً في أهل القرى المهلَكة، ولا بد أن يكون فيهم بعض الصالحين، لكن الفتنة ستعصف بالجميع

 

{ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال 8/25].

 

وقد أوضح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤولية هؤلاء الذين حاق بهم العقاب من دون أن يرتكبوا الذنب الموجب له مباشرة فقال فيما رواه أبو داود عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " [رياض الصالحين – الحديث 197- دار الفكر].

 

وما مثل السفينة الرائع الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوضح لنا المسؤولية الجماعية في الدنيا ببعيد: وهو ما رواه البخاري عن النعمان بن بشير من قول الرسول الله صلى عليه وسلم: " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا ونجوْا جميعاً" [رياض الصالحين -الحديث187- دار الفكر].

 

الخطاب القرآني وروح الجماعة

 

قد يأتي الخطاب القرآني بصيغة المفرد حين تكون له خصوصية، فيكون نداءً لنبي بعينه أو شخص بذاته، وقد يأتي بهذه الصيغة المفردة، وهو يتوخى استغراق الجنس: يا أيها الإنسان! يا أيتها النفس المطمئنة ! ‍، لكنه في الغالب يستخدم في الخطاب صيغة الجمع، يتوجه بها إلى جماعة؛ نداءً، أو أمراً، أو نهياً، أو إخباراً..

 

فيخاطب المؤمنين وأولي الألباب وأهلَ الكتاب والكافرين والمنافقين والأمةَ والأممَ والشعوبَ والقبائلَ ومعشرَ الجن والإنس والناسَ أجمعين، يتكرر لفظ الناس في الخطاب القرآني 241 مرة توكيداً لعمومه.

 

إن روح الجماعة، والعملَ الإنساني المشترك واضحان في خطاب التكليف القرآني بصورة جلية:

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ} [الحجرات49/11]

 

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات49/13]

 

وهما يؤكدان مسؤولية المسلم الجماعية في الحياة الدنيا، التي يمثل الحج أعلى مستوياتها، إذ تتدرج العبادات بالمسلم درجات تبدأ بمجتمعه الصغير في أسرته، وتتصاعد به صلاةَ جماعة في مسجد الحي خمس مرات في اليوم، وصلاةَ جمعة في المسجد الجامع مرة كل أسبوع يتلقى فيها توعية المنبر ودرسه الأسبوعي، ثم صياماً مشتركاً يضبط أوقات إمساكه وإفطاره، على إيقاع جماعي واحد، شهراً كل عام، ثم حجاً إلى البيت الحرام مرة في العمر يتوج به المسلم إحساسه بالجماعة ومسؤوليته عنها.

 

الفردي والجماعي بعدان متلازمان

 

ليس في الإسلام عبادة تقتصر على البعد الفردي للإنسان يؤديها بمعزل عن الجماعة والمجتمع، فإلى جانب ما يحققه المسلم إثر كل عبادة يقوم بها من رضا الله سبحانه وتعالى وثوابه في الآخرة، يقف المجتمع ليتلقى نصيبه الوافر منها، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يكسر حدة الشهوة والميل إلى إيذاء الآخرين، والزكاة ضمان اجتماعي فريد، والحج مؤتمر يفترض أن يعالج مشكلات المسلمين ويرسم لهم طريق عزتهم وكرامتهم.

 

وما يقتطعه كل من الفرد والمجتمع من ثمرات العمل في الدنيا – متى كان خالصاً لوجه الله –هو الثواب والمنفعة العاجلة للإنسان من دون أن ينقص ذلك من ثوابه في الآخرة شيئاً.

 

فالمنفعة الدنيوية هي القسط الأول الذي يتلقاه الإنسان، فرداً وجماعة، لقاء عمله الذي أخلص فيه النية لله، لتقوم به عمارة الأرض وتزكو به حياة الإنسان، وهي هدف رئيسي من أهداف التشريع والتكليف { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [ الأنفال8/24] فلا رهبانية ولازهادة في الإسلام، إنما هو التوسط والاعتدال والموازنة الدقيقة بين الغاية الكبرى التي تربط المسلم بهدف أخروي بعيد يوفر له طمأنينته النفسية، وبين أهدافه الدنيوية القريبة التي هي الميدان التطبيقي لمِثُلِه وقيمه {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص28/77]

 

الشخصية الإنسانية المتوازنة

 

هذا التوازن العجيب بين الدنيوي والأخروي، بين الفردي والجماعي، هو ما يميز شخصية المسلم، ويبني فيه النفس المطمئنة الراضية المرضية :" عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير – وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن – إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" [رواه مسلم عن صهيب عن الرسول صلى الله عليه وسلم – الحديث27 رياض الصالحين –دار الفكر].

 

فما أدركه من المنفعة في الدنيا كان خيراً ساقه الله إليه، وما فاته فيها كان خيراً ادخره الله له سيدركه في الآخرة، فهو المنتفع دائماً عاجلاً أو آجلاً.

 

وأي إخلال في هذا التوازن يؤدي إلى تعطيل المنهج الرباني عن العمل في بناء النفس الإنسانية واستقرار الحياة.

 

إن التركيز على البعد الفردي – وهو كما رأينا بعد أخروي محض - غالباً ما يسوِّغ للحاج مزاحمة الآخرين للفوز بنصيبه وإنجاز مناسكه على الوجه الأكمل الذي ينشده، غير مبالٍ بما يسببه لإخوانه من أذى التدافع والتسابق والاستتئثار، ضارباً عرض الحائط بكل قيم التسامح والإيثار والتعاون، تلك القيم التي هي في الحج أشد طلباً وإلحاحاً.

 

وغالباً ما يكون صارفاً للحاج عن هموم المسلمين، وما يعانونه من ضعف وجهل وتخلف وكلالة وعجز، وما يحيق بهم جراء ذلك من ذل وهوان على الناس.. ينشد ثواب الآخرة لنفسه، ذاهلاً عن كل ما يدور حوله، كمن يتصور نفسه في يوم الحشر قبل أن يقوم الحشر.

 

وما ذلك من أهداف الحج التي رسمها الله تعالى بشيء: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}[ الحج22/28 ]

 

وما ذلك من حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، وهي حجته الأولى والأخيرة (حجة الوداع)، التي خاطب فيها من على جبل الرحمة الإنسانيةَ كلها؛ حاضرها وغائبها وأجيالها القادمة، فلم يدع شيئاً من مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا رسم الخطوط العريضة لمعالجته وتقويمه وترشيده.

 

وما على المسلم إلا أن يتعلم من حجة الرسول صلى الله عليه وسلم هذه، كيف يمكن أن ينتفع من الحج فرداً، وكيف يمكن أن ينتفع منه المسلمون والإنسانية كلها جماعة..أن يتعلم كيف يعمل مع الجماعة وهو فرد، كيف يحقق مصالح الجماعة، ولا ينسى مصالحه الخاصة، كيف يندمج مع الفريق من دون أن يفقد ذاتيته وخصائصه،{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ34/46]

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة