الحج: المؤتمر السنوي العام للمسلمين

السبت, September 5, 2015
كاتب المقالة: 

من كتاب وللحج مقاصد لو نجتنبها

"إن الوحدة الإسلامية قائمة على ركنين لا ثالث لهما: الحج إلى بيت الله الحرام، والخلافة".

وقد غلب على الكثيرين من رجال الغرب وهمٌ، فما برحوا يخالون الخلافة العامل الأكبر الذي بسببه يتشارك المسلمون ميولاً وعواطف مؤدية إلى الاعتزاز بالوحدة، وازدياد منعتها وامتدادها وانتشارها.

إن هذا لمن الوهم الصرف؛ فالحج فرض مقدس، وما زالت مكة حتى اليوم تستقبل الحجاج الوافدين إليها من كل بقاع العالم الإسلامي، وهناك أمام الكعبة يتعارف المسلمون على اختلاف الألسنة والأجناس. ويكفي أن نقول: إن الحج هو المؤتمر الإسلامي السنوي العام، الذي فيه تتباحث الوفود الإسلامية القادمة من أقطار المعمور الإسلامي كافة في مصالح المسلمين، وتقوم بوضع الخطط للذَّبِّ عن حياض المسلمين ونشر الدعوة. وفيه كانت قلوب قادتهم تتقد غيرة على الإسلام والمسلمين".

[لوثروب ستودارد: حاضر العالم الإسلامي

ترجمة عجاج نويهض ص289]

.. وأن يمضي القرن ذاته على جرس الإنذار الذي قرعه لوثروب ستودارد؛ لافتاً نظر الغرب المتربِّص بالمسلمين الدوائر إلى أهمية الركن الثقافي للحج، الذي يراه أخطر من الركن السياسي (الخلافة)، من دون أن يخطو المسلمون خطوة واحدة في طريق تحقيق وحدتهم ونهوضهم من كبوتهم المزمنة.. أمر يستدعي أكثر من نظر وأكثر من سؤال؛ بحثاً عن العوائق والموانع.

 تُرى لِمَ لَمْ يعد الحج قادراً على أداء الدور الذي نبه إليه لوثروب، وعدَّه العامل الأشد تأثيراً في مشاعر الوحدة بين المسلمين، وفي رص صفوفهم في مواجهة المخاطر المحدقة بهم؟!

وكيف تم إفراغ الحج من مضامينه، وعزله عن مقاصده، واختزاله في مجرد نسك شكلي، وفريضة فردية يؤديها المسلم من دون أي شعور بالانتماء إلى الجماعة، وبمعزلٍ عن أي أغراض كالتي ألمح إليها لوثروب، فأصبح مجرد موسم، يرضي به المسلم أشواقه الروحية، ويدخره رصيداً له عند الله تعالى في الآخرة، إذ الصلاة في بيت الله الحرام تعدل مئة ألف صلاة في غيره. أو إنه أصبح مجرد سياحة دينية يستمتع بها الحاج، وينهل من بركاتها. أو حتى مجرد حمام لغسيل الذنوب، يرجع منها الحاج متحرراً من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ربما ليبدأ بعده دورة جديدة من ارتكاب الذنوب والآثام، طالما أن حمام غسيل الذنوب جاهز لاستقباله كل عام؟!

فإن كان أمر الحج قد آل إلى هذا المصير، فهل هذا هو حقاً يمثل لباب مقاصد الحج التي شرعه الله لها؟!

هل كان عبد الرحمن الكواكبي، في دعوته إلى مؤتمره المتخيل في الحج حالماً؟!

وهل كان لوثروب وأشباهه من المستشرقين الغربيين المرعوبين من أثر الحج في توحيد شمل المسلمين وجمع كلمتهم، واهمين؟!

وإذا كان جوابنا على ذلك كله نفياً؛ فلا الكواكبي كان واهماً، ولا الغربيون المرعوبون من الحج كانوا واهمين، ولا الحج كان مجرد عبادة فردية ينحصر ثوابها بالإنسان في الآخرة، ولا تستفيد منها جماعة المسلمين شيئاً في الدنيا. فمن الذي أخرج الحج عن مقاصده العليا؟!

أهو التدبير الخارجي وخطة الغرب المحكمة؟!

أم هو الوهن الذي أصاب المسلمين فباتوا يتمسكون بالشكل ويغفلون عن المضمون؟

أم هما العاملان الخارجي والداخلي معاً قد تضافرا على إفراغ الحج من مضامينه، وعزله عن مقاصده؟؟

يبدو أن الاحتمال الأخير هو الأوفر حظاً في تفسير جميع ما يحيق بالمسلمين من ويلات، فلا بدَّ- عندما يفقد أي مجتمع فاعليته فيصبح منفعلاً بالأحداث بدلاً من أن يكون فاعلاً فيها - أن يكون هو الطرف المهزوم في مواجهته مع مجتمع مذخور بالفعالية؛ يضع أهدافه التي يروم تحقيقها على المدى البعيد، ويرسم خططه التنفيذية لبلوغها على مراحل، لا يبدأ مرحلة جديدة ما لم يتأكد من نجاحه في إنجاز سابقتها..

وفي ضوء هذا الاحتمال الأخير يمكن تفسير سائر الظواهر التي غالباً ما يكون المسلمون الطرف الخاسر فيها؛ من إلغاء الخلافة، إلى إفراغ الحج من مضامينه، إلى تدمير الأسرة إلى هجنة اللسان، إلى تمزيق الكيان، وإذكاء مشاعر النقص والدونية، وقبول الغزو والاحتلال والاستيطان..

فعزو ذلك كله إلى العامل الخارجي وحده، وهو هنا العدو المستعمر المتربِّص يجعلنا أسرى نظرية المؤامرة؛ نعلق كل مآسينا وهزائمنا على مشجب الاستعمار؛ نبرئ بذلك ذواتنا، ونعفي أنفسنا من كل مسؤولية، مقتنعين أن لا حول لنا ولا حيلة َ إزاء ما نتعرض له من عدوان، سوى أن نلعن الاستعمار والشيطان، ونستعين عليهما بالله تعالى، نكل إليه مهمة كفايتنا شر الأعداء. لكن الله تعالى سرعان ما يرد المسؤولية إلينا {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ} [آل عمران: 3/165] .

وردُّ ذلك كله إلى العامل الذاتي وحده، يوقعنا في مغبة جلد الذات، وما يترتب عليها من اليأس والإحباط وسيطرة مشاعر النقص والعجز والكلالة، وتكتيف اليدين وطأطأة الرأس لتلقي المزيد من الضربات. بينما إدراك العاملين الخارجي والداخلي معاً، سوف يؤهلنا لخوض المعركة، على بصيرة وبينة، تتيح لنا مواجهة الخطط المدبرة بخطط مدبرة أخرى لمواجهتها وإحباطها أو تفادي آثارها.

إن علينا أن ندرك تماماً أن ردود الأفعال الآنية العشوائية لا يمكن أن تقف في مواجهة الخطط المدبرة المحكمة، بل إن هذه الخطط سوف تتجاهلها، واثقة من أنها زوبعة في فنجان ما تلبث أن تهدأ، لتواصل الخطة التنفيذ على أرض الواقع في خطوات مدروسة.

وذلك هو ما أطلق عليه مالك بن نبي مصطلح القابلية للاستعمار التي تنجم عن انعدام الفاعلية المساوية لانعدام الوزن، فالفعل ينبغي أن يقابله الفعل المدروس، وليس رد الفعل الغريزي الآني.

المصدر: 
دار الفكر-كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!!
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.