الحج في الفقه الإسلامي

الأربعاء, September 16, 2015
كاتب المقالة: 

تُفْرد كتب الفقه جميعها باباً خاصاً للحج والعمرة بوصفهما فرضاً على كل مسلم مستطيع، ويأتي ترتيبه في العبادات بعد الصلاة والزكاة والصوم لأن الصلاة عماد الدين، وتتكرر خمس مرات في اليوم، ثم تليها الزكاة التي تقرن بالصلاة في أكثر المواضع في القرآن الكريم لتكرار تطبيقاتها في المجتمع على مدار العام، يليهما الصوم لتكرره كل عام، أما الحج وعمرته فلكونه لا يجب على المسلم إلا مرة واحدة في العمر.

وهي غالباً ما تبدأ بالتعريف بهما، وبيان فضلهما وثوابهما بالمقارنة مع أنواع العبادات الأخرى، ثم بيان فرضيتهما، وما إذا كانت هذه الفرضية على الفور أم التراخي، فبيان أحكامهما: ما كان منها ركناً أو واجباً أو شرطاً أو سنة أو مباحاً، فالتعريف بمواقيت الحج الزمانية والمكانية، فوصف أعمالهما بالترتيب، بدءاً بالإحرام بهما وما يترتب عليه من الممنوعات والمحظورات، وانتهاءً بالتحلل والخروج من هذه العبادة العظيمة، وما بين ذلك من طوافٍ للقدوم والإفاضة والوداع، وسعي،ووقوف بعرفة، ثم بالمزدلفة، ورمي للجمار، ومبيت بمنى. ثم أحكام المخالفات وما يترتب عليها من جزاءات الفدية أو الصيام أو الدم، وأحكام الهدي والذبائح.

وغالباً ما تكون الأحكام الشرعية متبوعة ببيان الآداب التي يحسن أن يتحلى بها الحاج.

وعلى الرغم من أن معظم كتب الفقه القديمة، قد تناولت الأحكام المترتبة على الحاج بصفته الفردية، وأحكام الحج بوصفه عبادةً ينال المسلم ثواب أدائها في الآخرة، فقد أتت بعض كتب الفقه الحديثة على ذكر فوائد الحج، مقسمة إياها إلى فوائد شخصية تحظى بالنصيب الأوفى من الاهتمام والأهمية، من تكفير الذنوب، ودخول الجنة، وإجابة الدعاء، وتصفية النفوس، والتدرب على الصبر واحتمال متاعب السفر، والالتزام بطاعة الله تعالى وتنفيذ أوامره، والتذلـل لله تعالى والتقشـف عند الإحـرام. وإلى فوائد أخرى جماعية؛ " من تعارف بين المسلمين على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم، وإمكان تبادل المنافع الاقتصادية الحرة فيما بينهم، والمذاكرة في شؤون المسلمين العامة، وتعاونهم صفاً واحداً أمام أعدائهم، وغير ذلك مما يدخل في معنى قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 22/28] . ويشعر الحج بقوة الرابطة الأخوية مع المؤمنين في جميع أنحاء الأرض.. وأنهم حقاً متساوون؛ لا فضل لعربي على أعجمي،ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. ويساعد الحج على نشر الدعوة الإسلامية ودعم نشاط الدعاة في أنحاء المعمورة، على النحو الذي بدأ به النبي r نشر دعوته بلقاء وفود الحجيج كل عام"[1].

غير أن ذلك يأتي في هذه الكتب عرضاً، لا يتبعه- على أهميته وكونه نهج الرسول r في نشر دعوته - أي تفصيل، ولا يوزع على الأحكام ليبث الروح فيها، إذ يربطها بالحكم والمقاصد، فتبقى شكلاً بلا مضمون، وجسداً بلا روح، خلافاً لمنهج القرآن الكريم الذي ما إن يذكر الإيمان حتى يقرنه بالعمل الصالح، ويذكر الصلاة مقرونة بالزكاة غالباً، ويبين لنا ثمرتها {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 29/45] فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، كما يبين لنا ثمرة الزكاة {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 9/103] .

ولم يأل الرسول r جهداً في بيان ثمرات العبادات: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء؛ قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا» [متفق عليه- رياض الصالحين 10412: دار الفكر] .

"عندما نقرأ الكتب التي توزع على الحجاج، نجدها أقرب ما تكون إلى الدليل السياحي، الذي يصف الطرق، وقد غابت منها روح المناسك؛ فالحاج يرمي جمرات العقبة دون أن يعلم أن هذه العقبة قد انعقد فيها [مؤتمر] تأسيس الدولة الإسلامية، ويصلي في الروضة، لأن الثوابَ فيها سبعون ضعفاً، يعني صفقة تجارية، أما أنها الجامعة التي خرج منها النور، وغيرت مجرى التاريخ والحضارة، فهذا مالا نحسه. وحينما نطوف حول الكعبة لا نشعر أنها أول بيت وضع للناس في الأرض، وأصبح قبلة هذه الأمة الخاتمة، تجسيداً لوحدة الدين.. فروح العبادة أصبح غير موجود.. ولعل هذا ما دفع أبا حامد الغزالي إلى رفع شعار ثورة (إحياء علوم الدين)، لأنها ماتت وجفت روحها، وهذا الإحياء هو ما نحتاج إليه"[2].

من كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها

 

[1] د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته ج3 ص13- ط1-1984 دار الفكر- دمشق.

[2] جمال عطية: تجديد الفقه الإسلامي (سلسلة حوارات لقرن جديد) ص 31- دار الفكر ط1 -2000.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة