الحديث النبوي بين توثيق النص وتحريف المعنى

الثلاثاء, January 29, 2013
كاتب المقالة: 

حديث" خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " [ صحيح البخاري- الحديث 3651- دار الفكر] ليس نصه المزورَ على الرسول، إنما المزورُ معناه ؛من خلال العبارة التي تكررت في الحديث مرتين: ثم الذين يلونهم.. ثم الذين يلونهم.. فراح البعض يكررها لتشمل الأجيال القادمة إلى قيام الساعة..

فالرسول صلى الله عليه وسلم تحدث عن ثلاثة قرون؛هي الدورة الحضارية التي تتقلب بها الأمم والشعوب؛ التي لا بد أن تمر بثلاث مراحل: مرحلة الصعود،وهي المرحلة التي يتكلم فيها الجيل الأول بلغة الواجبات،والواجبات عطاءٌ محض، وينسى حقوقه التي هي أخذ محض، فتصعد به دورة الحضارة شاقولياً،بقدر ما يبذل لها من عطاءٍ، وهو ما مثَّله جيل صحابة الرسول رضوان الله عليهم،ويمكن لأي جيل لاحق أن يقوم به إذا أراد النهوض. ثم يأتي الذين يلونهم من الجيل الثاني (التابعين)، فيتذكر أن له حقوقاً؛ يبدأ بالمطالبة بها إلى جانب ما يبذل من واجبات، فيميل خط الحضارة  للاستواء؛ بمقدار ما تميل كفة الحقوق، حتى توازي كفة الواجبات، وتبلغ الحضارة مداها لدى هذا الجيل؛فكراً،وإبداعاً،وفناً،ورفاهية..

حتى إذا جاء جيل المطالبة بالحقوق ونسيان الواجبات، بدأ خط الحضارة بالانحدار حتى يصل بجيلها الكَلِّ (العاجز المتسوِّل) إلى القاع،فتُكمل به حضارة الأمة دورتها، ولن تكون عودتها إلى دورة حضارية جديدة بالأمر السهل،مثلما كانت لديها عندما بدأت حضارتها بكراً، فقد غدت محملة بكثير من الرواسب (الآصار بالمصطلح القرآني) ، مثل جزيء الماء الذي يكون مذخوراً بالطاقة عندما يكون على رأس الشلال، فإذا بلغ القاعَ محملاً بالرواسب، فقد طاقته،وأصبح بحاجة إلى عملية مزدوجة؛ تبدأ بالتبخير لتحريره من رواسبه،ورفعه للأعلى،وتنتهي بالتقطير الذي يضعه على رأس الشلال من جديد.

إن مفهوم الدورة الحضارية الذي قدمه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يكن معروفاً قبله، فقد كان التاريخ يسجل الأحداث المتعلقة بنشوء الحضارات وأفولها، من دون أي تحليل للعوامل المؤثرة فيها.. إلى أن جاء القرآن الكريم بمفهوم السنن ?سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ? [ الفتح 48/23].

ولم يفطن المسلمون إلى قانون (السنن الإلهية)، حتى جاء ابن خلدون (ت: 808هـ) فوضع له قواعده، التي أخضع  لها تاريخ نشوء الأمم وارتقائها ثم سقوطها،وظلت أفكار ابن خلدون غائبة عن ساحات الفكر الإسلامي تعاني وحشة الغربة إلى أن اكتشفها  فلاسفة الغرب وطوروها، تحت مسميات فلسفة التاريخ،وعلم الاجتماع، حتى إنهم أطلقوا على ابن خلدون لقب (أبي علم الاجتماع).

واستمرت أفكار ابن خلدون في غربتها إلى أن جاء مالك بن نبي الجزائري (1905- 1973م) فطورها وأصدر بها سلسلته التي بلغت 19 حلقة تحت اسم (مشكلات الحضارة ) التي تولت دار الفكر خدمتها ونشرها،وتبنتها نهجاً حضارياً أعانها على تفسير مجريات الأحداث في ضوئها. (رَ: شروط النهضة- مالك بن نبي- سلسلة مشكلات الحضارة- دار الفكر).

لم تلق أفكار مالك بن نبي – بدورها- الإقبال المنشود في المجتمع الإسلامي، الذي ما يزال يغط في نومه العميق خارج إطار الحضارة،وظلت كتبه تُتداول في أيدي نخب ثقافية متحررة من عقد النقص؛ التي دفعت الإسلاميين لحسبانه على (الفكر الغربي)، ودفعت العلمانيين لحسبانه على (الفكر الإسلامي)، فكان مرفوضاً من الطرفين؛ يغرد لحناً منفرداً خارج السرب.

ولقد أدرك بن نبي غربته وسط مجتمع يعاني أزمة تخلفه المزمنة، حتى إنه بعد ما أنهى تأليفه الجزء الثاني من كتابه وجهة العالم الإسلامي ( المسألة اليهودية)،حجبها عن النشر ليخص بها" جيلاً  سيأتي، لنؤكد لهم – وهم بين أنقاض عالمنا- أن عليهم واجب بناء عالم خاص بهم" [وجهة العالم الإسلامي ج2- ص30-دار الفكر]

رأت دار الفكر أنه آن أوان ظهور الكتاب بعد أربعين عاماً من وفاة بن نبي؛ فنشرته عام 2012. ولعلنا نضع أيدينا على أحد أسباب غربة فكر ابن خلدون ومالك بن نبي عن المجتمع الإسلامي،وهو تصنيف إنتاجهما الموضوعي في حقل فلسفة التاريخ، ومن طبيعة هذا التصنيف أن يظل حبيس أيدي النخب المثقفة في أبراجها العاجية.. وإدراكاً من دار الفكر لهذا السبب،وضعت خطتها لتبسيط فكر مالك بن نبي على مستويات تصل بها إلى مستوى الأطفال لتأسيسهم عليها؛ فأصدرت أولى سلاسلها لهذا الغرض تحت عنوان (حكايا العم عزوز).

وعوْداً على بدء؛ أود أن أضرب مثلاً يعزز غرض الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث خير القرون،وهو يحاور زياد بن لبيد، يقول  زياد " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه وهو يقول: " قد ذهب أوان العلم" قلت: بأبي وأمي،وكيف يذهب أوان العلم، ونحن نقرأ القرآن ونعلمه أبناءنا، ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى أن تقوم الساعة؟ فقال:" ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليس اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون منهما بشيء"؟ [حديث صحيح على شرط الشيخين].

ولا بد أن الرسول صلى الله عليه وسلم في تحذيره هذا للمسلمين كان ينطلق من قوله تعالى ?أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ? [ الحديد 57/16-17].

وفي هذه الآية تحذير مبكر في صيغة دستور (سنة إلهية؛ سنَّها الله تعالى للبشرية)، أن أي غفلة عن المقاصد الأساسية للنصوص التشريعية؛تحصل بسبب طول الأمد (الاعتياد)، سوف تخرج الأمة عن خط سيرها النهضوي وتودي بها  إلى التهلكة..يأتي هذا التحذير  في وقت مبكر،والقرآن ما يزال يتنـزل ندياً ، والقوم ما زالوا حديثي عهد به،ويكتسب صيغة القانون الذي سوف ينطبق على المسلمين كما انطبق على الذين أوتوا الكتاب من قبل،كما يُلمح إلى أن الزَّلة الحضارية لن تكون أبدية، إذا أسرع أهلها للبحث عن أسبابها بقصد إزالتها، وعقدوا العزم على استئناف دورة حضارية جديدة،تستفيد من تجارب الماضي،وتبني لبنات جديدة فوقها ?اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ? [ الحديد 57/17]. من أجل أن يستمر التقدم البشري إلى حيث أراد الله له، محاولاً دفع اتهام الملائكة؛ إذ ?قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ? [ البقرة 2/30]. منذ كان الإنسان مشروعاً للخلق.

أراني قد اشتط بي المقال عن الحديث الأول، فلنعد إلى الحديث الثاني : " لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" [صحيح البخاري- رقم الحديث3983]  وما صاحبه من تكذيب ووصف له بأنه " تحفة رائعة من تحف الكذابين الذين صدعوا رؤوسنا بالحديث عن المنهجية العلمية لجمع المرويات المنسوبة زوراً لرسول الله". 

فأول ما يَرِدُ  على ذلك؛ التساؤلُ عن المنهجية المتبعة في تكذيب الحديث، لنستبدلها بالمنهجية القديمة التي أفنى أسلافنا أعمارهم في بنائها!!ثم لنعود إلى الحادثة التي قيل الحديث بمناسبتها:

عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد والزبير وكلنا فارس قال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين،معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين" ،فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: الكتاب!! فقالت: ما معنا كتاب. فأنخناها فالتمسناها فلم نر كتاباً. فقلنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتُخْرجِنَّ الكتاب أو لنُجردنك، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر:يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم" ما حملك على ما صنعت؟" قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال [ النبي صلى الله عليه وسلم]:" صدق ولا تقولوا له إلا خيراً" فقال عمر: إنه قد خان الله ورسـوله والمؤمنين، فدعني فلأضـرب عنقه، فقال: " أليس من أهل بدر؟" فقال: لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: " اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم" فدمعت عينا عمـر وقال: الله ورسـوله أعلم. [ صحيح البخاري 3983].

فلننظر في المنهجية القرآنية للتعامل مع ما يصدر عن الإنسان من أفعال،والمعايير التي وضعها القرآن العظيم للقياس عليها:

1-قال تعالى ?ثُمَّ أَوْرَثْنا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ? [ فاطر 35/32]،وفي ظل هذه الآية صنّف الله تعالى الناس – فيما يتعلق بالتزامهم بأوامره – على درجاتٍ،لم يستبعد منها المقتصد ولا الظالم لنفسه استدراجاً له للتوبة والكف عن الظلم، فكلهم مصطفى عند الله على تفاوتٍ في درجة الاصطفاء.

2-ثم لنبحث في المعجم المفهرس لمعاني القرآن العظيم عن معاني السيئة؛لنجد تحتها العناوين الآتية: السيئة (جزاؤها)، السيئة (دفعها بالحسنة)، السيئة (مغفرتها)،وتحت كل عنوان عدد من الآيات تتجاوز العشرات أحياناً، أختار منها قوله تعالى ?ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ? [ المؤمنون 23/96] وقوله تعالى: ?أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ? [الأحقاف 46/16]. ولنبحث في معجم كلمات القرآن العظيم لدى دار الفكر عن الحسنة والسيئة لنجد عشرات الآيات كذلك، أختار منها قوله تعالى ?وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ? [الرعد 13/22]. وقوله تعالى ?إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ? [ هود11/114].

فلماذا نضيِّق واسعاً وسَّعه الله تعالى لحِكَمٍ أرادها ؛تفتح أمام النفس الإنسانية آفاقاً واسعة للتوبة والاستغفار؟! وهذا وحده باب واسع يمكننا تلمس طرف منه في بعض الأحاديث القدسية: " كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" [ ابن ماجه 4251].

وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم" إذا حكم الحاكم  فاجتهد فأصاب فله أجران،وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر" [ ابن ماجه 2314].

وأخيراً أدعو ، للتخلقِ بآداب الحوار التي شرعها الله لنا لكي يؤتي الحوار ثمراته اليانعة،والتعففِ عن سَقَط الكلام والشتائمِ التي توغر الصدور،والاعترافِ بالآخر وحقه في الاختلاف الذي سنه الله تعالى لنا؛ لكي ننمي به أفكارنا ومعارفنا.. فالعيوب التي في وجوهنا لا يمكن لنا أن نراها إلا بالمرآة، أما التي في ظهورنا فإننا نحتاج لرؤيتها إلى مرآتين " والمؤمن مرآة لأخيه".

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.