الخطاب الإسلامي..إلى أين؟

السبت, December 26, 2015
كاتب المقالة: 

أسئلة كثيرة أثيرت حول الخطاب الإسلامي بعد تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 وفي كتاب «الخطاب الإسلامي..إلى أين؟» يقدم وحيد تاجا من خلال محاورة مجموعة من الباحثين وجهات نظر مختلفة تدور حول تلك التداعيات

تتناول الديمقراطية والتعددية والعلاقة مع الآخر من خلال مايحيط بواقع الحركات والجماعات الإسلامية في البلدان المختلفة وتطورها. ويشير أيضاً، إلى موضوع السلام المطروح مع الكيان الصهيوني. ‏

ويمكن تقسيم الإجابات حول الأسئلة المطروحة الى ثلاث مجموعات، تتعلق أولاها بأوضاع العالم الإسلامي وأسبابها وأولويات المفكر إزاءها، والثانية تدور حول الخطاب الإسلامي والحركات الإسلامية، والثالثة تتناول الحوارات المختلفة بين المسلمين وغيرهم متدينين وعلمانيين. ‏

وفيما يتعلق بالمجموعة الأولى نجد مجموعة من الآراء المتعارضة التي تتحدث عن أوضاع العالم الإسلامي. فهناك رأي يقول: إن العالم الإسلامي لم يشهد في تاريخه الطويل حالة أسوأ من هذه التي هو عليها الآن، حتى إنه لايتبدى في الأفق القريب سبيل للخروج منها، إذ يعاني من التيه في الفكر والسياسة والتبعية المطلقة لقرارات غيره تقطع عنه أسباب التقدم.. وفي المقابل نجد من يدعي أن العالم الإسلامي ليس بالسوء الذي يبدد كل أمل في اهتدائه الى طريق النهوض فبفضل يقظة إسلامية تكاد تسري آثارها في مختلف أقطار الأرض يستطيع أن يتصدى للهجمات الفكرية والحملات الاستعمارية التي تستهدفه. ‏

وهناك أيضاً رأي يقول: إن العالم الإسلامي يراكم إخفاقات كثيرة تكشف عن أزمة شاملة تكرس «الفوات الحضاري» بينه وبين بقية العالم المتمدن، ويعارض هذا الرأي من يقول إن العالم الإسلامي حقق نجاحات مختلفة، فقد أضحى بمقدوره أن يستوعب الحداثة على شرط الإسلام وعلى مقتضى مصالح المسلمين واضعاً حداً لتزايد نفوذ العلمانية في داخله، وليس هذا فحسب، بل إن الإسلام صار قادراً على أن يمد جذوره في البلاد غير الإسلامية. ‏

ونجد أخيراً رأياً يدعي أن العالم الإسلامي تسيطر عليه فئات متشددة تتجه الى مخاصمة العالم كله مجبرة المسلمين على الدخول في صراع مع قوى لاطاقة لهم بها وفي المقابل نجد الذين يقولون إن العالم الإسلامي يحتضن أكثر من صنف واحد من الجماعات الناشطة، بعضها علمانية تمارس الإرهاب اليساري، متعاطية تخريب المقومات الروحية للأمة باسم الحداثة، وأخرى أصولية تمارس الإرهاب الديني متعاطية تخريب مجهودات النهوض المادي للأمة باسم الأصالة. ‏

وتتضمن المجموعة نفسها آراء متضادة تورد الأسباب التي أدت الى الأوضاع التي يعانيها العالم الإسلامي فمنهم من يرى أن الأسباب التي أدت الى الوضع المتدني للعالم الإسلامي ترجع الى أسباب محصورة ومخصوصة كالاستعمار والاستبداد، أو الى أسباب مركزية معلومة، ورأي آخر يقول إن هذه الأسباب عدة ومركبة ومتشابكة ولها امتدادات بعيدة في تاريخ الأمة منها الموروث الفكري والثقافي بالإضافة الى توقف عملية الاجتهاد، وحالة التمزق الشامل التي خلفها الاستعمار الأجنبي بأشكاله المختلفة. ‏

وبعضهم يركز على الأسباب الداخلية، ويراها السبب الرئيس لتدني العالم الإسلامي منها سقوط الخلافة والقابلية للاستعمار والانغلاق الثقافي وجمود الفكر الديني والافتقار الى العقل النقدي. ‏

وأخيراً ثمة من يقول إن هذه الأسباب إنما هي وليدة الظروف الدولية والأوضاع السياسية المستجدة في العالم متمثلة في اكتساح ظاهرة العولمة لدوائر الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام في مختلف الأقطار الإسلامية وبروز القطبية الواحدية وإحكام السيطرة على ثروات العالم الإسلامي. ‏

ويعارضه قول إن هذه الأسباب تعود الى فترات قديمة من تاريخ الأمة ‏

يرجعها بعض الباحثين الى الحدث الفاصل في هذا التاريخ وهو سقوط الخلافة وماتلاه من تقسيم للعالم الإسلامي. ‏

وأخيراً تتضمن هذه المجموعة الدعاوى المتقابلة المتعلقة بالأولويات التي تمليها أوضاع العالم الإسلامي على المفكر الإسلامي أو العربي. ‏

فهناك دعوى تؤكد على أن الأولويات التي تطرح على المفكر الإسلامي أو العربي تغيرت بعد أحداث أيلول إذ إن أسئلة النهضة غير ماكانت عليه من قبل هذه الأحداث فأضحت تدور على تحديات أشد خطورة وأكثر تهديداً لمصير الأمة وأخرى تقول إن أولويات المفكر تتحدد بصياغة مشروع نهضوي تنويري قومي جديد يختلف عن سابق المشاريع النهضوية السابقة يتعلق بكيفية الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية وهناك من يقول إن هذه الأولويات تتحدد بوضع تصور إسلامي جديد على مقتضى منهج علمي دقيق يتصدى لتحديات المرحلة الراهنة ويضبط العمل الإسلامي ويراقب ساحته الواسعة بعد أن صار الغرب يقرن الإسلام بالتطرف والإرهاب والهمجية وإرادة القضاء على التمدن. ‏

والمطلوب من المفكر أن يمارس النقد الجذري للذات وأن يداوم على هذه المراجعة حتى يقف على مواطن الخلل والقصور التي تصد المسلمين عن عالم الثقافة المعاصرة وتجعلهم لايدركون عمق التغيرات التي طرأت على الحضارة الإنسانية ومهمة المفكر أيضاً هي الكشف عن العوائق التي تحول دون نهوض الأمة والتي ترجع في مجملها الى الاستغراق في قضايا الإيمان والعبادات وإهمال الاشتغال بالأسباب المادية والحضارية..الخ فلا بد إذاً من إنشاء خطاب إسلامي مبدئي يأخذ بأسباب الاعتدال والانفتاح وقبول الآخر، وبالعقلانية والواقعية والشمولية طارحاً الإسلام بلغة تستجيب لثقافة العصر بعد استيعاب الثقافة الأصلية وساعياً الى تحديث مضامينه دون التفريط في الثوابت بعد قراءة فاحصة للتاريخ الإسلامي تساعد على التعامل مع تحديات الواقع. ‏

أما المجموعة الثانية من الأجوبة فتتحدد بناء على المواقف المتخذة من أحداث أيلول بين من عد هذه الأحداث أحداثاً فاصلة في الزمن الإسلامي والغربي حتى صح عند بعضهم أن يؤرخ بها لمسار الإنسانية فنتكلم عن عالم ماقبل 11 أيلول وعالم مابعده وبين من عدها أحداثاً عادية في أثرها في التاريخ الإسلامي وفي إمكان توظيفها في خدمة النظام العالمي الجديد ولكنها غير عادية بالنظر إلى ماتكشف عنه من اختلال غير مسبوق في هذا النظام. ‏

وإننا لنجد من يؤكد على أن الخطاب الإسلامي اضطر الى أن يختلف عما كان عليه تحت تأثير الأسئلة الحاسمة التي فرضت عليه والتحديات الكبيرة التي أصبح يواجهها، في حين ثمة من يعتقد أنه خطاب لم تغيره الأحداث وبقي على حاله في رفض النقد والمراجعة ...ونجد رأياً يقول: إن الخطاب الإسلامي خطاب دفاعي يرد التهم التي يتعرض لها مبرزاً دعوته الى الاعتدال والوسطية والى التعارف والتسالم بين الأمم ورأي مضاد يقول: إنه خطاب أصولي متطرف لايحتمل حتى الاختلاف، ويقبل أن توظفه القوى العظمى لمصلحتها. ‏

واتجاه آخر يرى أن الخطاب الإسلامي استبدل في همومه وتوجهاته المسألة الاجتماعية بالمسألة السياسية ويضاده القول إنه خطاب يبقي على النزعة إلى التسييس والرغبة في الوصول الى السلطة. ‏

ويؤكد آخرون أن الخطاب الإسلامي أضحى قادراً على نقد الحداثة الغربية، منطلقاً من رؤية معرفية شاملة ويعارضه من يقول إنه لايزال خطاباً وجدانياً انفعالياً وأخيراً ثمة دعوى تقرر أن هذا الخطاب خطاب واحد ومتوحد ولو تعددت أشكاله ومظاهره ويخالفها الرأي الذي يصرح بأنه خطاب متعدد غير متوحد وقد ينحصر هذا التعدد عند البعض في خطابين اثنين متعارضين /خطاب تبريري، وخطاب إنكاري خطاب تقليدي وخطاب تجديدي ،خطاب إحيائي وخطاب إصلاحي/. ‏

كما تحتوي المجموعة نفسها الدعاوى التي تتعلق بالإسلام السياسي متمثلاً في الحركات الإسلامية. ‏

وأما المجموعة الثالثة من الأجوبة فتتعلق بكيفيات إنهاء الصراعات وإقامة الحوارات بين المسلمين وغيرهم داخل أوطانهم وخارجها. ‏

فمنهم من يصرح بأن صراع الحضارات حالة قائمة لايمكن الالتفاف عليها وبالأولى لايمكن إنكارها لأن الحقيقة واحدة غير متعددة والاختلاف فيها يفضي حتماً الى التنازع والشاهد على ذلك أن الساحة العالمية تشهد صراعات مختلفة منها «الصراع الأمريكي ـ الإسلامي» و«الصراع الروسي ـ الشيشاني» و«الصراع العربي ـ الإسرائيلي» و«الصراع الهندي ـ الباكستاني» و«الصراع البوسني ـ الصربي» وفي المقابل منهم من يؤكد أن صراع الحضارات لاوجود له في الواقع وإنما الذي يوجد حقاً هو صراع على المصالح بين القوى الكبرى. ‏

بينما يعتقد البعض أن الغرب في تعامله مع المسلمين يكاد يسير على نهج واحد إذ ليس مستعداً أن يقبلهم مع اختلافهم عنه في المقومات والقيم بل يطالبهم بترك هذا الاختلاف الثقافي والدخول في ثقافته، وفي مقابل هؤلاء نجد من يعتقد أن الغرب أكثر من واحد فهناك غرب المصالح العسكرية والاستراتيجية وهناك غرب الشركات الكبرى وهناك غرب النصرانية الكنسية وغرب الجماهير المناهضة للحروب وغرب الطبقات المستضعفة وقد يشكل بعضهم مع المسلمين جبهة واحدة تعمل على تغيير موازين القوى. ‏

أما بصدد الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين ليبراليين أو اشتراكيين فهناك من يرى أنه قطع أشواطاً عدة متجاوزاً مرحلة الدعوة والتأسيس الى مرحلة التنفيذ والعمل المشترك ولو أن النتائج تبقى محدودة. ‏

وفيما يتعلق بالحوار بين المسلمين والمسيحيين عرباً وغرباً فبعضهم من يقرر أن الهدف منه ليس التوصل الى توافقات دينية عقدية وإنما الاهتداء الى توافقات سياسية واجتماعية تساهم في قطع أسباب العزلة والتوتر بين المؤمنين. ‏

ويعارض هذا الرأي من يقول إن الحوار الإسلامي ـ المسيحي يجب ألا يقتصر على بحث القضايا السياسية والاجتماعية والانسانية بل ينبغي أن يتعداها إلى بحث أصول الإيمان وقضايا العقيدة. ‏

أما الحوار بين المسلمين واليهود فيظن بعضهم أنه ممكن ومقبول ولو مع وجود الاحتلال الصهيوني لفلسطين متى توافرت شروط مخصوصة لايمنع تحققها، منها أن يدخل المسلمون هذا الحوار وقد نبذوا منطق القوة ولغة العنف وتزودوا بمنطق العقل ولغة الإقناع ومنها أيضاً أن يوجد علماء يهود وحاخامات ينكرون الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني ولايسعون الى تمرير مشاريع ظالمة تكرس الاحتلال ويخالف هذا الظن مايذهب إليه آخرون من أن الحوار الإسلامي اليهودي في ظل الاحتلال الصهيوني لفلسطين غير ممكن ولامقبول مطلقاً. ‏

لاخلاف في أن هذه المجموعة تتفق على أن هناك حقائق قائمة منها: أن أسباب الصراع بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي قائمة وأن أحد الطرفين هو المسؤول عن هذا الصراع. ‏

ولا ريب في أن مثل هذا الحوار يجعل الغرب غربين على الأقل غرب الحوار الذي يؤم الحق والعدل فينبغي أن نوثق الصلات به وغرب الاستعمار الذي يؤم الباطل والظلم فينبغي التصدي له بالاشتراك مع غرب الحوار حتى نعالجه من الداخل وذلك أنجع وأسرع في تغييره مما لو عالجناه من الخارج. ‏

وأخيراً يمكننا القول: إن الكتاب يشخص مايحدث من تغييرات ويحللها من أجل مواجهة النتائج الخطيرة التي ظهرت للحد من سلبياتها على العالمين العربي والإسلامي فضلاً عن العالم كله. ‏

ـ الكتاب: الخطاب الإسلامي..إلى أين؟ ‏

ـ الناشر: دار الفكر/دمشق 2006 ‏

حوارات: وحيد تاجا ‏

 

 

المصدر: 
جريدة تشرين
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.