الخطاب الإسلامي بين عوامل التجدد الذاتي وتحديات الوهن الحضاري

الأحد, January 18, 2015
كاتب المقالة: 

عوامل التجديد في الخطاب القرآني ...● أول هذه العوامل الشمول: فإذا توجه إلى الإنسان، خاطبه من حيث هو إنسان ﴿يا أَيُّها الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [ الانشقاق 84/6] وخاطبه من حيث هو واحـد من النـاس ﴿يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَـرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُـعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُـوا﴾ [ الحجرات 49/13] وخاطبه من حيث هو جزء من كون واسع مسخر له ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [ الجاثية45/13].
● وثانيهما الانفتاح: فلم يكتفِ بتوجيه الخطاب إلى المتفِق معه، بل وسَّع خطابه باتجاه المختلف معه، الرافض له، المنكر لمفاهيمه، المستخف بتعاليمه، حتى إنه استوعب جميع أصناف الناس بكل شرائحهم وعلى اختلاف مشاربهم، متغلغلاً إلى أعماق نفوسهم ودخائلهم من دون تحرج ولا جفوة. ﴿تَعالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [ آل عمران3/64].
● وثالثها التخيير: فهو يقدم حجته البالغة، وبيناته الواضحة، ثم يترك للإنسان أن يختار من دون إكراه، ولا تسلط، فما على الرسول إلا البلاغ ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [ الكهف 18/29].
وهكذا يرسخ للإنسان حقه في الاختلاف، مقابل المسؤولية التي حمله إياها عن ضرورة إعمال عقله الذي ميزه به من سائر مخلوقاته، وهي مسؤولية فردية لا ينفع معها التذرع بتقليد أحد أو اتباعه مهما كان مركزه السياسي أو الديني أو الاجتماعي ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الأَوْفَى﴾ [ النجم 53/41].
ومن شأن هذه المسؤولية بدورها أن تمنع الإنسان من اتباع الآخرين على غير هدى، ومن التقليد الأعمى لأي أحد مهما كان مركزه السياسي أو الديني أو الاجتماعي، وقد حذر القرآن العظيم من ذلك في مواضع شتى من خطابه.
● ورابعها التعدد: فها هو ذا القرآن العظيم ينبه إلى أهميته، وكونه هدف الخلْق، وسبيل الإنسان إلى معرفة الحق، كما ينبه إلى خطورة أحادية الرأي، ومجافاتها للفطرة ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [ هود 11/118].
● وخامسها التدافع: فلن يكون تعدد واختلاف في الرأي من دون مواجهة واحتكاك، وتصادم وتدافع، ولئن جعل القرآن من التعدد سنة من سنن الحياة لا تقوم الحياة من دونها، فإنه يرتقي بالتدافع إلى أن يجعله الأداة الوحيدة لتقدم البشرية وارتقائها تفسد الحياة إذا هدأ، وتوقف الصراع. ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة 2/251]. و ﴿لهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ﴾ [ الحجر22/40].
● وسادسها التوسط والاعتدال: فقد جعل المؤمنين به أمة وسطاً، لا تغلو في دينها، ولا تقول على الله غير الحق، ولا يدفعها بغض قوم إلى مجانبة العدل معهم ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا ﴾ [ المائدة 5/8]، ولا يحملها الاختلاف في الرأي على الإساءة إلى المخالف، مالم يعمد إلى المقاتلة والتهجير ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ [الممتحنة60/8].
● وسابعها الحوار: فلم يحظ أسلوب في الخطاب القرآني، بمثل ما حظي به الحوار من الحفاوة، فلا تكاد سورة تخلو من حوار، وليس ثمة موضوع يخرج عن دائرة الحوار، أو يُمنع الحوار فيه، فهذا هو الله جل شأنه يحاور الإنسان والشيطان والملائكة والأنبياء، وهذا حوار يجري بين الإنسان والكائنات الأخرى، وحوار آخر بين الأنبياء وأقوامهم، وحوار ينتقل بنا إلى الآخرة ليطلعنا على مشهد رائع من حوار أهلها ﴿وَنادَى أَصْحابُ الأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ.. وَنـادَى أَصْحـابُ النّـارِ أَصْحـابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُـوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ﴾ [إبراهيم 14/44-45] ويقف بنا عند صورة عريضة ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ ﴾ [ ص38/64]، وأخـرى مرعبة ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
[ فصلت41/21].
وللحوار في القرآن، أشكال، يهدأ تارة فيكون في مستوى التخافت والنجوى، ويشتد أخرى حتى يبلغ درجة الجدال والمحاجة والمخاصمة والاصطراخ والتحدي، وقد يبلغ هدفه من التقارب والاقتناع، وقد ينقطع بالإعراض والبراءة واحتفاظ كل ذي رأي برأيه.
وللحوار في القرآن- كذلك- آداب تتمثل في توخي الحق والتوسل بالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، والتجرد، والصدق، والبعد عن التناقض، وعن المكابرة، والاعتماد على العلم، وتقديم الدليل والمطالبة به، والدخول في الحوار، من دون أية مسلمات مسبقة ﴿ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدَىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ [سبأ 34/24].
● وثامنها التنوع: فإلى جانب المقالة والأحكام وما يكتنفها من جدية التقرير وجفاف التعليمات، استخدم القرآن القصة بكل أنواعها التاريخية والواقعية والغيبية، تاركاً للناس أن يستأنسوا بأجوائها، ويستخلصوا عبرها ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هَذا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ﴾ [ يوسف 12/3].
كما استخدم الأمثال والتشبيهات يقرب بها الأفكار إلى الناس ﴿وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[ الحشر 59/21].
واستخدم الحوار في صيغ بلاغية وبيانية معجزة تأسر القلوب وتأخذ بالألباب.
وذلك كله من أجل أن يدفع الإنسان إلى بناء أدب رفيع يغلف أفكاره، ويتلطف في إيصالها إلى الناس.
● وتاسعها المستقبلية: فلا يفتأ القرآن يستخدم أدوات الاستقبال وصيغه فاتحاً عين الإنسان على أمل واعد، وهدف بعيد، يستنهض همته لبلوغه ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [ فصلت 41/53]. وأنه الدين الذي سيعيد للإنسان طمأنينته التي ذهبت بها حداثة الغرب، وتوازنه الذي أخلت به مادية الغرب المفرطة.
●وعاشرها النمو والازدياد: فالعلم لا ينتهي، ولا يزال الإنسان يكدح لارتياد آفاقه وتحصيل المزيد منه ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [ طه 20/114].
والخلق لا ينتهي، فالله ﴿َيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [ النحل 16/8] و ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ [ فاطر 35/1].

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة