الدعم المعنوي

الثلاثاء, July 3, 2018
كاتب المقالة: 

من المآزق الجميلة التي يمكن أن تحدث للمبدع عموما في حياته، هو أن يدعى ليكرم من قبل أشخاص يحبونه، سواء أن كانوا قراء أو نقادا أو أي منتمين لمجموعة ثقافية، أولئك المحبين الذين قد لا يعرفهم المبدع، أو لا يتوقع وجودهم من حوله في الأصل، بالرغم من أنهم يدعمون إبداعه باستمرار. ذلك الدعم الذي قد يكون اقتناء لأعماله، أو تقديمها للآخرين أو تسخير مجهود ما من أجل التنويه بتلك الأعمال في أي فرصة سانحة.
لقد قلت مآزق جميلة، لأنها بالفعل كذلك، يكون جمالها في رفع معنويات المبدع عموما، وإضافة ثقة كبيرة وجديدة لخطواته التي تطرق سكة الإبداع، بينما مأزقها في أنها محبة كبيرة، لا يستطيع المبدع مهما فعل أن يرد قليلا منها لأولئك الداعمين.
وأزعم أن مناقشة رواية لكاتب أو قصيدة لشاعر في ندوة صغيرة يدعى إليها ذلك الكاتب أو الشاعر، يمكن أن تضخ في جسد معنوياته نشاطا كبيرا يرتفع بها عاليا وفي جسد إبداعه القادم روحا أخرى قد يعتمد عليها في النحت والتلوين لعمل يختلف تماما عن أعماله السابقة، بينما العكس حين يقرص مبدع في أذن إبداعه بمبرر أو بغير مبرر، تلك اللحظة يبدأ جيش من الإحباط في غزو روحه وجيش مماثل في غزو إبداعه فلا ينتج إلا كل ما هو محبط.
بالطبع لا أدعو إلى المجاملة غير الضرورية، والتساهل في تلقي الإبداع البشري وتقييمه، وإنما أعني شيئا آخر، تلك المحبة التي لا تقلل من الشأن ولا تمتدح بلا ضرورة، وذلك النقد الذي يعبد الطريق للمستقبل من دون أن يصنع حفرة يمكن أن تسقط فيها خطوة إبداعية، أو مطبا يهز كثيرا من الثقة.
لقد تعرفت إلى حفلات تكريم الأدباء لأول مرة، حين كنت طالبا في مصر، في فترة الثمانينيات من القرن الماضي، الفترة نفسها التي تعرفت فيها إلى كتابة الشعر بصورة جدية، ومختلفة تماما عن المراهقة الكتابية، التي كنت أكتب بها سابقا، وأيضا ما تبع ذلك من تعرفي إلى معظم من يكتبون في تلك الفترة، وأجواء كتابتهم، وأماكن وجود أنفاس الكتابة عموما حتى أسعى لاستنشاقها.
كان ثمة حفل تكريمي صغير للروائي صنع الله إبراهيم، في مدينة طنطا حيث أقيم، وكان تكريما وفي الوقت نفسه مناقشة لروايته «تلك الرائحة»، الرواية التي كانت صغيرة في عدد صفحاتها وكبيرة المحتوى في ما قدمته من نموذج لقهر الإنسان وسلب حقوقه، وهي الرواية الأولى لصنع الله، وأظنها قدمته خير تقديم لينتج بعد ذلك، تلك الأعمال الشاهقة التي وصلت إلى كل ذهن يحب القراءة ويستوعبها.
أردت أن أقول بأنني كنت مهتما بقراءة وجه الكاتب في لحظة تكريمه، وقراءة تقاطيع كلمته القصيرة التي ألقاها أثناء الاحتفال، وقد رأيت وجها مشرقا بالفعل، وسمعت كلمات رائقة مرتبكة بفرح تخرج من لسانه، وعرفت لحظتها أن الكبار يمكن أن يسعدوا بحفل صغير من أشخاص محدودي العدد يقيمونه من أجل الاحتفاء بهم.
بالطبع شهدت احتفالات كثيرة على هذه الشاكلة، وكانت كلها تأكيدا على ما ذكرته من تلك السعادة الغامرة، التي يمكن أن تشع في وجه مبدع وفي دفق لسانه من جراء ذلك. وأظنها شخصيا أهم من الجوائز المادية، التي تمنح للإبداع، ذلك أن المادة، تضيع في النهاية بينما الدفق المعنوي يحلق بصاحبه في الأفق كما قلت.
ومنذ سنوات أعدت مجلة «الجزيرة» السعودية ملفا عن الشاعر والكاتب الراحل غازي القصيبي، استكتبت فيه الكثيرين، وتحدثنا جميعا عن القصيبي بما نكنه من احترام وتقدير لمشروعه الأدبي الكبير، وبعضنا قدم دراسات لأعمال له يحبها. في تلك الأيام كان غازي موجودا ومبدعا ما يزال، يكتب في الشعر والرواية والسياسة، وكان تعليقه هو أنه حصل على جائزة نوبل أخيرا.
إذن كان التقدير المعنوي الذي ناله على مشروعه، بالنسبة له هو نوبل كبرى، تعادل نوبل السويدية المعروفة، وأظنني أوافقه الرأي، لأن العشرات الذين ساهموا في الملف، ساهموا بمحبة كبرى.
منذ أيام نلت نصيبي من الجوائز المعنوية، ليس لأنني أستحق فعلا أن أمنح جائزة معنوية، ولكن لأن هناك محبون أرادوا ذلك، فقد وجدت نفسي وأنا في بيروت الجميلة، وبعدها في مدينة طرابلس الجميلة أيضا، محاطا بأصدقاء لم أكن أعرف بوجودهم، أصدقاء ظلوا يتابعون ما أقدمه في مشروعي الكتابي، على مدى سنوات، وناقشوا الكثير من خربشاتي، ودعوني بمحبة لأكون ضيفا عليهم، وقد ذهبت.
كان ما قدم هنا وهناك، كفيلا بدعم خطوات السير حتى تصل لغاية ما، وكنت متشوقا لقراءة وجهي بالطريقة نفسها التي قرأت بها وجوه الآخرين على مدى سنوات، وأيضا لقراءة ذبذبات لسان الذي تحدث، وبالطبع كان الأمر صعبا، إنما كنت متأكدا من وجود مساحة إشراق كبيرة، ربما انتبه إليها الآخرون.
هي جوائز كبرى بالفعل كما قال القصيبي، حين تحصل على امتياز المحبة في بلاد لا تعرف أبدا أن هناك من يذكرك فيها وتفاجأ بأن كثيرين يذكرونك.
أردت فقط أن أقدم شكري لرابطة السيدات الأفريقية العربية في بيروت على ما قدمته، وللرابطة الثقافية في طرابلس أيضا على ما قدمته من فرح كبير، وهو بالفعل كبير، لأنه الزاد الذي يمكن أن نقتات منه كلما جاء حزن أو إحباط. هنا لم يسأل أحد سؤال الكتابة الأزلي: لماذا تكتب؟
ولكن السؤال كان: كيف تكتب؟
وهذا سؤال جيد لأنه يسأل عن الطقوس ولا يعود القهقرى إلى الوراء، كالسؤال الأزلي، الذي لن يستطيع أحد أن يجيب عليه بطلاقة أبدا، ستكون ثمة إجابات لكنها كلها تخمينات ومن منطلق شخصي ليس أكثر. أما الطقوس فما أكثرها وما أكثر تنوعها.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.