الرسول في حجة الوداع

الخميس, September 10, 2015
كاتب المقالة: 

من كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها:روى الإمام مسلم بسنده عن جابر رضي الله عنه قال:"مكث رسول الله r بالمدينة المنورة تسع سنين لم يحجّ، ثم أذّن في الناس في العاشرة أن رسول الله r حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير؛ كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله r ويعمل مثل عمله.

وألقى رسول الله r في يوم عرفة خطبة جامعة في جموع المسلمين الذين احتشدوا حوله في الموقف، جاء فيها:

«أيها الناس : اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً.

أيها الناس ، إنّ دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.

ألا وإن كل شي من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضعُ من دمائنا دمُ ابن ربيعة ابن الحارث. وربا الجاهلية موضوع وأول رباً أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.

أيها الناس ، إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم..

اتقوا الله في النساء ، فإنكم إنما أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. إن لكم عليهن حقاً ولهن عليكم حقاً: لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه.. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وسنة رسوله..

أيها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسه منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغتُ؟ وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟

قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد (ثلاث مرات).

بأبي أنت وأمي يا سيدي يا رسول الله!!

كأني بك، قد أدركت أن مهمتك قد أوشكت أن تنتهي على وجه هذه الأرض، وأن لقاءك مع الجيل الذي أبلغته الرسالة لقاءُ مودع، فأردتَ أولاً أن تستوثق لنفسك شهادةً تلقى بها وجه الله؛ بأنك قد أديت الأمانة وبلَّغت الرسالة، ونصحتَ الأمة، وجاهدتَ في الله حق جهاده..

وأردت ثانياً أن تحمِّل هذا الجيل الذي احتشد بين يديك في عرفات أمانة رسالتك الإنسانية الخاتمة، وتأخذ عليهم الميثاق ليكونوا شهداء على الناس بعد أن كان الرسول عليهم شهيداً.

كأني بك، يا سيدي يا رسول الله! كنت تنظر بعين المشفق الوجل إلى كل من كان وراء الحجيج على وجه البسيطة ممن لم يبلغهم نداؤك بعد، وترنو ببصرك إلى كل من سيأتي من ذرياتهم في الأجيال الإنسانية التالية المتعاقبة إلى أن يرث الله الأرض، فأنت النبي الخاتم ولا نبي بعدك، وما أُرسلتَ إلا لتكون رحمةً للعالمين؛ كل العالمين.

كان وجَلُك واضحاً من تكرارك السؤال: «اللهم هل بلغت؟!» وكان إشفاقك واستيثاقك أكثر وضوحاً عندما ألقيتَ بعبء الرسالة الذي صدقت في حمله ما حييتَ حتى أثقل كاهلك، ألقيته على عواتق سامعيك ومَن وراءهم، ومن سيأتي بعدهم إلى يوم القيامة.. لتبلّغ الرسالة مداها، فيحملها جيل إلى جيل، وتحمل رايتها أمة إلى أمة، فما إن تتراخ يد أمة أو جيل عنها، حتى ينهد لها جيل في أمة أكثر شباباً وحيوية {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 47/38] .

«ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه».

ما أروعها من خطة تتعاظم فيها الرسالة، وتتوسع الرقعة، ويكبر العدد، وتتنامى الأفكار، ويطمئن بها قلبك يا سيدي يا رسول الله!!

ولئن حاق بأمتك ما تنبأتَ به من تداعي الأمم عليها تداعيَ الأكلة إلى قصعتها، ومن أنهم يومئذ كثير، ولكنهم غثاء كغثاء السيل، فإن البذرة التي أودعتها ضمائرهم - مهما طال عليها الأمد - فهي كالطاقة الكامنة، ما تلبث متى تهيأت لها الأرض والمناخ الملائم، أن تتفجر كالينبوع، وأن تسري كالنور يبدد ظلام الليل البهيم.

وإن الإنسانية اليوم، وقد أرهقتها حضارة الغرب بمنطلقاتها المادية التي بلغت بها ذروة التكنولوجيا، وانحدر بها خواؤها الروحي - في الوقت نفسه- إلى حضيض الانحطاط الأخلاقي واختلال القيم والموازين، لترنو بأبصارها إلى رسالتك السامية تعيد إليها توازنها وطمأنينتها.

وإن ثقتك بأجيال الإنسانية القادمة بعدك، والتي توقعت لها أن تكون أوعى لرسالتك من سامعيك المعاصرين لك، سوف تقدح زناد أفكارهم ليستأنفوا دورهم الحضاري الرائد، ويرفدوا الإنسانية بأفضل الحلول لمشكلاتها على هدْي منهجك الرباني، وسنن الله التاريخية التي لا تخطئ في تطور المجتمعات وتداول الحضارات بين الأمم.

لم يكن لديك في خطبتك الوداعية وقت لتبين للناس فضائل الحج، وما ادخره الله تعالى لعباده من الثواب عنه، فرحت تلخص لهم القيم العليا التي تشتمل عليها رسالتك الخاتمة التي بها سينقطع وحي السماء، تأتمنهم عليها وتستخلفهم لحملها إلى الأجيال الإنسانية القادمة كافة؛ كي تواصل طريقها وكدحها إلى الله على هداها.

هكذا أصغت الدنيا كلها إليه r يقول: «أيها الناس : اسمعوا قولي! فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً».

«أيها الناس : إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.. ألا وإن كل شي من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع.. دماء الجاهلية موضوعة.. وربا الجاهلية موضوع».

«أيها الناس : إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً.. اتقوا الله في النساء..».

ومضى يتابع خطابه: أيها الناس!! أيها الناس!! ينادي الناس.. كل الناس يريد بذلك أن يستوثق لرسالته أنه قد بلغها، وللأمانة أنه قد أداها فأخرج مسؤوليتها من عنقه ليضعها في أعناق الأجيال الإنسانية القادمة..

فإذا بهذه الأجيال كلها تصرخ بصوت واحد - كلما قرأت قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 34/28] .

تشهد أنك قد بلغت الرسالة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده، وستظل تؤدي هذه الشهادة كلما مرت بقبرك إلى يوم القيامة، كي تطيب بذلك نفسك وتطمئن إلى أن أمتك ما زالت على العهد..

المصدر: 
دار الفكر-كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!!
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.