الرسوم المسيئة بين ثقافتين

الأحد, January 18, 2015
كاتب المقالة: 

كثيراً ما يتم الخلط بين حرية التفكير وحرية التعبير؛ فحرية التفكير حق طبيعي من حقوق الإنسان؛ يمارسه تلقائياً دونما حاجة لتوكيد في دستور أو قانون .. قد تستتر الفكرة المستقرة في ضمير إنسان، نتيجة إكراه، لكنها تظل في حالة كمون؛ ما تلبث أن تستعلن بمجرد زواله؛ فتتحول إلى رأي يبثه للآخرين؛ يحاول إقناعهم به ، ليؤكد صدق القانون الإلهي ( لا إكراه في الدين) [البقرة256/2].
وبهذا التحول إلى رأي ؛ تفقد الفكرة صفة الحق الطبيعي ، ليصبح التعبير عنها حقاً تحميه الدساتير والقوانين ، وتقيده بشروط تضمن حقوق الآخرين وتحترم سمعتهم ؛ كالتي نصت عليها المادة 19 من الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ، فأخذت الأنظمة تتوسع في تفسير هذه القيود أو تضيقها ؛ كل بحسب طبيعته!!
إن تقييد الحرية ليس عيباً في حد ذاته ، فلا توجد حرية مطلقة ، ولو أطلقت الحرية لكل إنسان في مجتمع ما ، لتعارضت حريات أفراده وتصادمت ، وأدت إلى تفكيك وحدته، وما من حق إلا ويستدعي وجود واجب في مقابلته ، وما من حرية إلا وتستدعي مسؤولية على قدرها !!
إنما يكمن العيب في اختلال الموازين ، والكيل بمكيالين ، وإخضاع القيم الإنسانية المطلقة للمصالح المتباينة.
فحرية التعبير التي تتشدق بها الحضارة الغربية، انقلبت إلى تكميم للأفواه ؛ لا يسمح لباحث أن يتناول ( السامية ) بنقد - مهما كان علمياً- فإن فعل قادوه إلى محاكم الجزاء بحجة معاداتها ، وتركت الباب مفتوحاً على مصراعيه للتعبير عن معاداة الثقافة العربية الإسلامية ، والإساءة إلى أقدس رموزها ؛ النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم !!
أما حرية التعبير في الثقافة العربية الإسلامية؛ فإن لها مفهوماً آخر ؛ يرتبط باحترامها المطلق للكلمة ، فالكلمة عندها تعبير عن فكرة ، والفكرة كائن حي ، يتكاثر بالتنوع والتزاوج ، فإن فقد زوجه عَقِم فلم ينجب ، وبارقة الحقيقة، في نظرها، لا تنقدح إلا باحتكاك الأفكار وتصادمها.
وهكذا تتقابل الكلمات تعبيراً عن ثنائيات: الحق والباطل ، والنافع والضار .. فتتصارع الثنائيات ولا يبقى منها إلا الأصلح ( كذلك يضرب الله الحق والباطل ، فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)[ الرعد ١٧/١٣]، ويضرب الله تعالى لنا مثلاً ( كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ( [إبراهيم٢٤/١٤ ] ، ويتكفل باجتثاث الكلمة الخبيثة وتلاشيها تلقائياً ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ) [إبراهيم ٢٦/١٤ ] ثم يستمر القرآن الكريم في سن قوانين التغيير الاجتماعي ، وبيان الطرق الأنجع لإنجاحها ؛ فقانون للعفو ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) [آل عمران ١٣٤/٣] وقانون لاستخدام الجمال في حل المشكلات ، متدرجاً به من جمال الصفح ( فاصفح الصفح الجميل) [الحجر ٨٥/١٥] إلى جمال الصبر (فاصبر صبراً جميلاً)
[ المعارج ٥/٧٠ ] إلى جمال الهجر ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً ) [المزمل١٠/٧٣].
لكأني بهذا النص الأخير يتنزل علينا اليوم ندياً ؛ يعلمنا كيف يجب أن نتصرف إزاء مشكلة الرسوم العدوانية المسيئة لرسول الإنسانية ؛ خاتم النبيين ، ومعه توجيه آخر ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) [فصلت٣٤/٤١]
فلنبحث عن الحلول التي هي أحسن ، وعن وسائل الصبر الجميل على ما يقولون ، والهجر الجميل ، والإعراض عن الجاهلين ، التي هي السمة البارزة لحضارتنا على مر التاريخ ، لنجني ثمرات التوجيه الرباني ؛ إمساكاً بناصية الحضارة الإنسانية التي تتأهب لاستقبالنا ، بعد فشل حضارة الكيل بمكيالين ، وصعود المد الإسلامي البديل . . وأي تصرف خارج المنهج القرآني، كالذي يفعله السذج من شبابنا، سوف يؤخر هذا المد!!
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تكفل الله تعالى بالدفاع عنه (إنَّا كفيناك المستهزئين ) [الحجر ٩٥/١٥] ولسوف يباهي الرسول بنا الأمم يوم القيامة كلما التزمنا منهجه وسلكنا طريقه!!

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة