الروح الخائفة: هل الحالة الدينية والفكرية القائمة تعكس الخوف والنكوص في مواجهة صدمة الشبكية؟ (الجزء الأول)

الثلاثاء, January 10, 2017
كاتب المقالة: 

تتجه الأمم حسب نظرية أرنولد توينبي "التحدي والاستجابة" في التعامل مع الصدمات التي تتعرض لها في أحد مسارين: النكوص إلى الماضي ومحاولة استعادته والتمسك بعه تعويضا عن الواقع المرّ، أو محاولة استيعابها والتغلب عليها وتوظيفها إيجابيا.

تقوم فكرة المقالة كما يبدو من العنوان، على محاولة النظر في الحالة الدينية والفكرية في سياق الشبكية (التحولات الاقتصادية والاجتماعية القائمة حول تقنيات المعلوماتية والشبكية) التي يمر بها العالم، ثم فحص هذه الحالة بما هي مرافقة للشبكية، إن كانت تمثل نكوصا أو استجابة إيجابية لهذه التحولات؛ إذ هناك حالتان واضحتان، وهما الشبكية بما هي تحولات كبرى في مسار الإنسانية، والصعود الديني في العالم بعامة وفي عالم المسلمين بخاصة، فإذا افترضنا أنهما حالتان مرتبطتان ببعضهما، فهل تعبر الظاهرة الدينية عن التحولات المصاحبة للشبكية؟ وبطبيعة الحال، ثمة احتمال أن تكون الحالة الدينية ظاهرة طبيعية مستقلة عن الشبكية، فهل هي كذلك؟ يستبعد هذا الاحتمال بداهة عند ملاحظة أبعاد الظاهرة واختلافها الكبير عن مسار وطبيعة الحالة الدينية على مدى القرون، وبخاصة أن العالم ومنه العالم الإسلامي شهد حالة انحسار واسع للدين من السلوك والحياة العامة، ليعود في حالة غير مسبوقة في قوتها وشمولها وتأثيرها، وليدمر (تقريبا) الأوعية والمؤسسات التقليدية للدين، مثل الجماعات الصوفية والدينية والشخصيات والمؤسسات الدينية التعليمية والروحية.

يمتلئ التاريخ بأمثلة وتجارب التحولات الإيجابية أو السلبية تجاه الصدمات والأحداث الكبرى، مثل الدول والحضارات التي انهارت بسبب التغير المناخي والجفاف، أو التي نهضت بسبب توظيف الموارد والتقنيات الجديدة، مثل الكشوف الجغرافية والآلة البخارية. ويمكن اليوم ملاحظة عدد كبير من الحالات والأمثلة والتجارب القائمة على التحولات الكبرى بفعل الحوسبة والشبكية، كما يمكن الاطلاع على عدد لا يحصى من الدراسات والتقارير المشغولة بالتحولات الكبرى؛ فقد نشأت مؤسسات وأعمال جديدة هائلة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، واختفت مؤسسات صناعية وإعلامية وتعليمية كبرى وعريقة. وشغلت التقارير الدولية السنوية للأمم المتحدة والبنك الدولي بهذه التحولات ومحاولة فهمها وتوظيفها.

وتمثل الشبكية بما هي التطبيقات التكنولوجية للحوسبة والشبكات وما صحبها من موارد وأعمال واتجاهات جديدة في الصناعات والسلع والأسواق وتحولات في العلاقات والقوة والأدوار صدمة كبرى للعالم؛ فهي أكبر وأهم موجة تحولات في تاريخ البشرية بعد موجتي الزراعة والصناعة.

مؤشرات الخوف والقلق المصاحبة للشبكية

1- صعود الدين وانحسار الفلسفة

ربما تكون الظاهرة المتمثلة في الموجة الدينية الصاعدة وانحسار الفلسفة من أهم وأكثر مؤشرات الخوف وضوحا في هذه المرحلة؛ فالموت الفلسفي بما هو غياب الوعي بالأسئلة الكبرى للكون والحياة، أو العجز عن التفكير فيها أو الانشغال عنها، أو عجز أدواتنا الفلسفية عن فهم واستيعاب العالم المتشكل؛ يؤشر إلى مرحلة هي "عالم يحتضر". ذلك أن فناء عالم "الصناعة" يعني نهاية الفلسفة المنشئة له والمستمدة منه أيضا؛ ففي هذه النهايات للأعمال والموارد والمؤسسات والأسواق والعلاقات والطبقات، تنتهي أيضا الأفكار المصاحبة لها. ثمة موت فلسفي بالتأكيد، لأن إنسان الصناعة ينقرض، وفي عبارة أصح تنقرض فلسفة الصناعة وليس الفلسفة مطلقا. وبطبيعة الحال، فإن فلسفة تنبعث مع انبعاث العالم الجديد!

لكن، لماذا يبدو ذلك لم يحدث بعد؟ ولماذا تراجعت الفلسفة لتصعد موجة هائلة وعاصفة من التدين؟ فالعالم كله، وعلى اختلاف أديانه، يبدو ممعنا في بعث ديني وليس في بعث فلسفي!

الفلسفة تنشأ حول السؤال، والتدين ينشأ حول الخوف! وفي هذه النهايات العاصفة لعالمنا، يصعد الخوف، ويكون الدين إجابة حاضرة وبدهية وملجأ من هذا الخوف الذي يكتسح عالمنا اليوم؛ إذ يهيمن على الناس جميعهم اليوم خوف وقلق من المستقبل المجهول والمنقطع عن الحاضر والماضي، وتشكلاته التي تبدو مفاجئة لجميع الناس. وفي عجز الفلسفة عن الإجابة، فإنها ترحل.

معظم الأعمال والمهن والأسواق والمؤسسات والموارد التي تبدو اليوم قائمة وسائدة، هي موضع شك في مصيرها وقدرتها على البقاء. لن تكون الأعمال والمؤسسات القائمة اليوم موجودة بعد سنوات قليلة، ولن تكون المدارس والجامعات والشركات والأسواق القائمة اليوم باقية كما هي بعد سنوات قليلة. لم يعد هذا الهاجس المستقبلي حديثا معزولا أو خيالا علميا.

وببساطة، فإن الإنسان تحكم مسار حياته ووجوده ومصيره ثلاثة محددات بيولوجية نفسية أساسية: البقاء، والخوف، والارتقاء. ولا يمكن الارتقاء إلا بتأمين البقاء ومواجهة الخوف والمهددات؛ فالإنسان يفكر في تحسين بقائه عندما يملك الوفرة في الوقت والموارد، ويؤمّن بقاءه واحتياجاته الأساسية. والفلسفة تعكس الارتقاء وتحسين البقاء، وصياغة أسئلة جديدة، أو التفكير في أسئلة مؤجلة، والبحث عن إجابة. هكذا نشأت الفلسفة في العصور القديمة والوسطى بعدما تطورت الزراعة، منشئة استقرارا وقرى ومدناً، ثم نهضت الفلسفة المعاصرة بعد الثورة الصناعية، وأنشأت هذا العالم الذي نعرفه.

واليوم في ظل الخوف الذي يكتسح عالمنا الآيل للسقوط، والعالم المقبل غير الواضح، لم تعد الفلسفة قادرة على حماية وعينا بذاتنا ولا تشكيل وعي جديد، ولا نملك أيضا القدرة على انشغالات تتقدمها انشغالات البقاء ومواجهة الخوف على وجودنا وأعمالنا ومصائرنا. لكنها وبطبيعة الحال، مرحلة انتقالية محدودة؛ إذ سوف تبدأ الموارد الجديدة بالتشكل، ومعها أسواقها ونخبها وأفكارها وفلسفتها. ولشديد الأسف، فإن "بومة منيرفا" (الحكمة) تحلق في الغسق؛ أي بعد انقضاء الأحداث... ما من حكمة تسبق الأحداث، وما من حكمة تستوعب أحداثا لم تحط بها.

2- السؤال الفلسفي لم يتوقف لكن الفلسفة تعيد تشكيل نفسها

يقابل الحديث عن انحسار الفلسفة وصعود الأصوليات الدينية حديث آخر عن موجة في النشر والقراءة والاهتمامات الثقافية تضع كتب الفلسفة في مقدمة الكتب التي تتعرض لطلب كبير من القراء المثقفين في العالم بعامة، وربما تكون ظاهرة صعود الفلسفة مرتبطة بموجة اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها، فقد أنشأت الموجة مجموعة من الظواهر الفكرية والثقافية التي استلزمت العودة إلى الفلسفة، مثل الاهتمام بالدين، والانقطاع معرفيا واجتماعيا وثقافيا عن الماضي، والبحث عن البدايات وأسئلة وعي الذات من جديد، وقد استعادت الظاهرة نفسها بكثافة غير مسبوقة التفكير في التحولات الاجتماعية والثقافية التي رافقت الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، ربما بسبب الشبه الكبير بين تلك المرحلة والمرحلة القائمة، وكما كانت الجمهورية فكرة متطرفة وخيالية في القرن الثامن عشر، ولكنها اكتسحت العالم تقريبا، فهل تكتسح الأصوليات المعاصرة الأنظمة السياسية، وتشكل بداية لمرحلة جديدة ومختلفة في الحكم والسياسة؟ من الواضح أن الأصوليات الدينية والقومية اليوم تبدو خيارا قويا لشعوب العالم، وليس مهما أن تقدم هذه الأصوليات برامج وأفكارا بديلة مناسبة، ولكنها ربما تعكس حالة الحيرة والشك والفوضى التي بمر بها العالم، وربما هي الحالة نفسها التي تدفع العالم نحو المعرفة الفلسفية، فهل ستهذب الفلسفة الأصوليات وتطورها، ليصل العالم إلى نظام فكري وفلسفي وسياسي، كما ظهرت الليبرالية والعلمانية والماركسية على سبيل المثال مصاحبة للآلة البخارية؟

ربما يكون هذا الحديث اليوم غامضا وخياليا، ولكن لنتذكر أن الأفكار المشابهة التي ظهرت في القرن الثامن عشر، كانت تبدو متطرفة وخيالية أيضا، وفي رواية "الحب في زمن الكوليرا" لغابرييل ماركيز، ثمة مشهد لببغاء يردد عبارة "يحيا الحزب الليبرالي" ويقول ماركيز، إنها عبارة كانت تكفي لإعدام صاحبها في أمريكا اللاتينية في بدايات القرن العشرين.

وربما لن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي نشهد فيه برامج وفلسفات جديدة للحياة والحكم، وقد تفاءلنا قبل سنوات بظهور الطريق الثالث، والذي بشر به مجموعة من المفكرين والقادة السياسيين، واجتاح رواده الانتخابات التشريعية التي جرت في أوروبا والولايات المتحدة بحماسة وسرعة تعكس تعطش العالم كله إلى فكرة جديدة تخرجه من دوامة دولة الرفاه وحكم الشركات، وتعتقه من الأصوليات الزاحفة بديماغوجية وسرعة تكتسح معاقل الديمقراطية والليبرالية!

وقد حظيت باهتمام كبير وملفت سلسلة كتب إريك هوبز باوم (عصر الثورة، عصر رأس المال، عصر الإمبراطورية، عصر التطرفات) ويعرض باوم في حوالي ثلاث آلاف صفحة موجة من التحولات في الطبقات الاجتماعية والعلوم والفلسفة والدين والآداب، والتي مازالت تشكل حتى اليوم مرجعية للجامعات والأنظمة الاجتماعية والسياسية، فماذا سنشهد في العقود وربما السنوات القليلة القادمة؟ ربما تدفعنا صعوبة الإجابة إلى استحضار القرن الثامن عشر لعل التشابه يرشدنا في التفكير، ولكني أخشى أن يضللنا.

يرتبط بتلك المرحلة بالنسبة إلينا في العالم الإسلامي موجات الإصلاح الفكري والسياسي التي جرت في الحياة الفكرية والسياسية، وبالطبع فقد كانت حركة مصطفى كمال أتاتورك في إلغاء الخلافة الإسلامية وإقامة جمهورية تركية علمانية تمثل ذروة الاستيعاب للتحولات الجارية في الغرب، فهل يمثل أردوغان التحولات الجديدة ومراجعة بل وإلغاء تجربة أتاتورك كما ألغى هو الخلافة الإسلامية؟ بالطبع، فإن أردوغان لا يتحدث عن عودة الخلافة، ولكنه يقدم شيئا جديدا مختلفا عن الخلافة ومختلفا أيضا عن الكمالية أو الأتاتوركية.

كانت الثورة الصناعية إطلاقا للقوة الإنتاجية تشكل المدن لتشكل أغلبية السكان بعدما كانت أقلية ضئيلة، فماذا ننتظر اليوم؟ لنتذكر التداعيات الهائلة والشاملة للصناعات والنقل والقوة العسكرية بعد تلك الثورة، فقد انطلقت صناعات النسيج والبناء والنقل العملاق عبر البحار وقطارات سكة الحديد، وانقلب رأسا على عقب شكل المدن والطرق والبيوت والحياة والتجارة والإنتاج والعمل والمهن والتعليم، ولنتخيل العالم الجديد الذي يتشكل اليوم، الموارد والنقل والقوة والحياة بعامة، وربما تكون الإجابة إننا بحاجة بالفعل إلى الفلسفة لنقدر على التفكير الجديد والمبدع والإجابة.

3- الربيع العربي والربيع المضاد

مازال الربيع العربي حالة حديثة تتفاعل لم تستقر ولم تفهم بعد، لكن يمكن ملاحظة الوعي الجديد المنشئ لهذه الحالة وتداعياتها، والصراعات والحروب الأهلية والطائفية التي اجتاحت مجموعة من الدول والمجتمعات، وكيف استحضر الدين والمذهب على نحو غير مسبوق استجابة لخوف الناس من بعضها ومن المجهول. ما الوعي المنشئ للربيع العربي؟

كان الربيع العربي استجابة لدخول الشبكية في عالم الأعمال والسياسة والثقافة وما نشأ عن ذلك من تحولات كبرى مؤثرة في علاقة الناس بمواردهم وعلاقة المجتمعات بالسلطة والشركات، وهي تحولات حتمية، لكن الاستجابة لها بالتقدم والإصلاح ليس حتمياً أو لا يأتي بالسرعة نفسها، وقد استجاب العالم المتقدم من غير ثورات في إعادة تشكيل المدن والمجتمعات والأفراد والمؤسسات والأسواق نحو مزيد من الاستقلال والتنظيم الذاتي، إضافة إلى مزيد من التماسك الاجتماعي.

(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

رابط المقال 

المصدر: 
مؤسسة مؤمنون بلا حدود
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة