السعر الأرخص أم الإبداع والجودة

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

لقد طلب مني منظمو هذه الورشة إعداد ورقة عن الملكية الفكرية، لما يعرفونه من كفاحي المستمر للدفاع عنها سنين دأباً، ولا أكتمكم أنني بعد اطلاعي على البرنامج اليومي لفعاليات الورشة .. وإصغائي لبعض ما قيل فيها، شعرت كمن جيء به من كوكب آخر، أو استدعي من جيل قديم، ما يزال يتعامل مع الأوعية التقليدية للمعلومات ليتحدث عن مشكلاته معها إلى جيل جديد، يستشرف ألفية ثالثة تتحرك فيها المعلومة بلا ورق ولا حدود.

إنني أحتفظ بنص توصية عن ضرورة حماية الملكية الفكرية صادرة عن الجامعة العربية عام 1947، لو أعيد نشرها اليوم لما شعر أحد بقدمها على الرغم من فرق الزمن واختلاف أساليب التعبير، فهل سأكرر طرح المشكلات المزمنة لجيل لم يفلح خلال ستين عاماً في حلها أمام جيل تغيرت أدواته وأوعيته المعلوماتية ليواجه مشكلات جديدة يبحث عن حل لها؟

وللخروج من هذه الورطة، قررت أن أغتنم الدقائق المخصصة لي للتوغل بين سطور ورقتي، باحثاً عن الثابت والمشترك في مجال الملكية الفكرية بين عصري الأوعية الورقية والأوعية الإلكترونية للمعلومات.. فالقرصنة هي القرصنة في العصرين تسطو على الإبداع متذرعة بالسعر الأرخص، مدعية خدمة طلبة العلم الشريف، مضحية بكل مبادئ الحق والقانون وأخلاقياتهما وبالجودة أيضاً، لتنشر ثقافة استباحة الحق الفكري وتقتل الإبداع في المجتمع.

إنني لعلي يقين من أن ثورة المعلوماتية والاتصالات تنعطف بالبشرية بسرعة مذهلة من عصر اقتصاد الصناعة إلى عصر اقتصاد المعرفة، لتنتقل بالإنسان إلى مرحلة جديدة من مراحل كفاحه المستمر، منذ أن لم يكن شيئاً مذكوراً إلى أن يتخلص من تهمتي الفساد وسفك الدماء اللتين وجهتهما الملائكة إليه يوم أن كان مجرد مشروع للخلق.

وبعد أن كنت حتى سبعينات القرن الماضي يائساً من إمكان لحاق الشعوب الآخذة بالنمو بالشعوب المتقدمة، مهما لهثت لردم الفجوة بينهما، نظراً للتفاوت الكبير في سرعة النمو، أصبحت متفائلاً إلى حد كبير بإمكان ذلك في عصر المعلومات.

مبعث تفاؤلي أنه لئن كانت المواد الأولية المستخدمة في عصر الصناعة متفاوتة بين الشعوب، فإن المادة الأولية في عصر المعلومات التي هي الفكر موزعة بينها بالسوية، مما يجعلها على عتبة سباق واحدة، بفرص متكافئة يفوز فيه من كان أنضج فكراً، وأكثر إعمالاً لعقله.

ولقد قلب عصر المعلومات الموازين وبدل معايير تقدم الأمم فبعد أن كان التقدم يقاس بما تملكه الأمة من مال وعتاد وسلاح ومداخن شاهقة، أصبح يقاس بما تملكه من معلومات وما تستولده من أفكار.

وأنا على الرغم من انتمائي إلى الجيل الذي قرأ المعلومة في وعائها الورقي، ونشأت بينه وبين الورق علاقة حميمة - فإنني ألمح قرب أفول الكتاب الورقي ورحيله إلى متاحف التاريخ، وحتمية استبدال أوعية المعلوماتية الجديدة به، فالزمن لا يعود إلى وراء، وقد كان النشر الورقي مرحلة من مراحل استيعاب المعلومات سبقتها مراحل، وستتلوها بحكم سنة التطور مراحل أيسر استخداماً وأقل كلفة وأكثر وأعم فائدة.

وقد نشرتُ عام 1995 بحثاً درست فيه خصائص المعلوماتية والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها، خلصت منها إلى القول بأننا مقبلون ، مع ثورة المعلوماتية على تغييرات جذرية في أنماط سلوكنا، وسبل معيشتنا وأساليب تعليمنا وطرق تفكيرنا، وسيحل عمل الفكر محل عمل اليد، وستنكسر احتكارات المعرفة لتكون المعرفة في متناول كل إنسان، وستتحرر المعلومات من كل قيود المكان والحدود، وستسقط الوصايات الفكرية وأنظمة الحجر، وستنفتح القواقع الفكرية على بعضها ليسود الحوار، وسيتقن الإنسان السباحة في خضم المعلومات مرغماً حسين يجد نفسه ملقى في غماره، وسوف تزول مشكلات الكتاب التقليدية، لتنشأ مكانها مشكلات جديدة تستدعي التأمل والدراسات المعمقة، كيف سننشر؟ كيف سنقرأ؟ كيف سنعمل عقولنا لنبدع؟ كيف سنؤدي حقوق عمالتنا الفكرية؟ وكيف سنحميها من الاعتداء عليها كي نشجعها على الاستمرار في الإبداع؟!

وهل المصادر المفتوحة ستستبيح فتح برامج محمية في إطار تعميم الثقافة المعلوماتية؟ أم هي باحثة هنا وهناك عن البرمجيات غير المحمية تضعها في متناول أجيال المعلوماتية، وتيسر لها استخدامها المجاني لكي تحفزها على الإبداع، وإنتاج برامج جديدة، لا حرج بل يجب أن تكون محمية، لأنها ثمرة عمل فكري هو الأجدر بالحماية من العمل اليدوي؟

السعر الأرخص

السعر الأرخص، مطلب للمستهلك يهش له ويغريه بالشراء، حتى لو لم تكن له إليه حاجة ملحة، ولطرح السعر الأرخص دوافع وأشكال تتفاوت في مشروعيتها وأخلاقيتها؛ فمن ذلك إعلان البائع عن تخفيضات معينة لمدة محددة، تحدوه إليها رغبة في التخلص من بضاعة كاسدة طال عليها الأمد، أو تصفية بضاعة موسمية فات أوانها.. فذلك شكل مشروع من أشكال السعر الأرخص تلتقي فيه رغبات الطرفين ومصالحهما.

ومن ذلك سعي المنتج إلى التوفير في تكاليف إنتاج السلعة ، وفي الربح المضاف إليها، بغرض المنافسة في السوق. وهو شكل مشروع كذلك مادام مندرجاً في إطار المنافسة الشريفة التي لا تعتدي على حق أو ابتكار لشخص آخر.. وتتضاءل مشروعية المنافسة كلما اقتربت من حقوق الآخرين، واستباحت أن تختلس منها ما يتيح لها هذا التوفير، حتى تفقد مشروعيتها وتنقلب إلى جريمة نكراء، حين تستبيح هذه الحقوق كلية؛ تسرقها ثم تغزو بها الأسواق مروجة لها بالسعر الأرخص.

هل يبيح السعر الأرخص لسارق حلي أو متاع أن يواري جريمته في جوف مشتر يعميه السعر الأرخص عن السؤال عن مصدر السلعة؟‍!

هل يعفي السعر الأرخص المشتري من المسؤولية عن إسهامه في جريمة السرقة، وتسهيله لارتكابها؟!

هل يمثل السعر الأرخص الذي دفعه للسارق أكثر من مكافأة له على خفة يده وبراعته في ارتكاب جريمة السرقة، وتبقى السلعة المسروقة بلا ثمن؟!

وكم سيتضاعف حجم الجريمة، حين تكون المادة المسروقة هي الإبداع، والمروج لها هو السعر الأرخص، والضحية هو المجتمع بأسره؟!

إن هذا لعمري، لهو الوجه الكالح البغيض للسعر الأرخص..

ولنتصور معاً، ناشراً يخطط لمشروع موسوعي يحشد له عشرات الباحثين والمحققين والكتّاب والمحررين، ويجمع لهم المصادر والمراجع والوثائق ينفق عليهم وعليها الملايين وينتظرهم عدد السنين، حتى إذا استوى العمل على سوقه موسوعةً تملأ عين القارئ، وتسد ثغرة في احتياجاته المعرفية، اختطفته أيدي القراصنة ، لتعيد تصويره وطبعه متحررة من كل تكاليف إعداد نسخته الأم وسنوات حمله، لتقدمه بسعر أرخص؛ يتلقفه القراء مصفقين للقرصان، شاكرين له حرصه على خدمة العلم الشريف، وجهوده الخيرة في تخليصهم من جشع المنتج الأصلي، واحتكاره المتجلي بالسعر الأعلى.

ولنتصور كذلك مركزاً للبرمجيات والنشر الإلكتروني تنقدح في ذهن إدارته فكرة، فتسهر على تنميتها الليالي الطوال،ثم تحشد لها عدداً من الباحثين والمبرمجين والمصممين والمهندسين يُعملون أفكارهم ويحركون أزرارهم وفئرانهم، مسمرة أعينهم على شاشات حواسبهم، يجرون التجربة تلو التجربة سنوات ذوات عدد، حتى إذا أودعوا عصارة فكرهم وخبراتهم وتجاربهم داخل قرصٍ مضغوطٍ (CD)، أنكر عليهم المستخدمون حقهم في استرداد قيمة ما جهدوا وما أنفقوا، وقوموا ذلك بقيمة الوعاء الخام القرص المضغوط (CD) الفارغ، واستنفروا قراصنة السوق السوداء لإظهار عبقرياتهم في فك الحمايات وسرقة المضامين وتقديمها لهم بالسعر الأرخص.. يهللون له، ويكيلون له عبارات الثناء، فقد كسر لهم احتكارات المعرفة، وخلصهم من تعسف المنتجين صانعي الأفكار الأصليين.

هل سيجرؤ ناشر على المغامرة ثانية بفكره وماله ووقته وجهده في مثل هذا المجتمع المستبيح لعمل الفكر والإبداع الذهني؟!

وإذا كانت البشرية الآن تستحث خطاها وتستكمل برامجها لاجتياز المنعطف الخطير، الذي تودع فيه عصر اقتصاد الصناعة وما يتطلبه من عمالة يدوية ومداخن شاهقة، لتستقبل عصر اقتصاد المعرفة وما يتطلبه من عمالة فكرية وإبداع ذهني مادته الأولية المعلومات ومصانعه العقول الموزعة بالتساوي بين الناس.. هل سيكون على العقول أن تعمل بالمجان من دون أجر؟! هل يمكن أن تكون العمالة اليدوية أجدر بالحماية والاحترام من عمالة الفكر؟! وما الذي سيحفز الإنسان على إعمال عقله؟

ما نراه في الأمم التي تتسابق لامتلاك ناصية عصر المعلومات اليوم أنها تقوم بإغراء العمالة الفكرية بأعلى الأجور والمكافآت لاستقطابها واحتوائها والاستئثار بها، فهل سنكتفي من العمالة الفكرية بفك الحمايات والسطو على جهود الآخرين؟ هل سندخل عصر المعرفة بسرقة المعلومات؟ هل سيكون حظنا من الإبداع، ابتكار فنون السطو على الإبداع؟

وأين سيكون موقعنا في حلبة المنافسة العالمية؟ وهل سيغضُّ العالم الطرفَ عن سرقاتنا، ويترك لنا حبلنا على غاربنا؟ ما مستقبلنا؟ وما مستقبل شبابنا الذين يقبلون زرافات على دراسة الإلكترونيات والبرمجيات؟ هل سنوظفهم في صناعة السرقة وفك الحمايات؟ هل يمكن لهذه الصناعة أن تستوعبهم؟فإن هي عجزت عن استيعابهم، فهل هم سيفترقون فريقين، فريقاً يبدع وفريقاً يسرق الإبداع؟ هل سيأخذ فريق الإبداع ميثاق شرف على فريق القرصنة أن يقصر قرصنته على منتجات مايكروسوفت وغيرها من الشركات الخارجية، ولا يمسَّ الإبداع الوطني بسوء؟ وما الضمانات لتنفيذ مثل هذا الميثاق؟ هل للقرصنة شرف يثنيها عن مدِّ يدها إلى جيب جارها أو صديقها، هل تتبدل حرمة الحقوق بتغير المكان؟ هل سيكون ذلك مقبولاً في عصر العولمة؟‍!

سأكف عن طرح التساؤلات لنستعرض معاً بعض ما أراه من نتائج خطيرة تترتب على عقلية استباحة حقوق المؤلف، حين تسود هذه العقلية مجتمعاً من المجتمعات، وتصبح ثقافة راسخة مستقرة في ضميره:

1ً-عوز الإبداع:

فحرمان المبدع من استثمار إبداعه، يثبطه ويجعله عاجزاً عن متابعة إبداعه، فعلامَ يبحث ويحلل ويوري زناد فكره، ويستقرئ ويستنتج ويبذل ماله ووقته وأعصابه لاستيلاد أفكار جديدة، إذا كان يعرف أن القراصنة يقفون له بالمرصاد، ما إن يطرح إبداعه حتى يتلقفوه ليتولوا استثماره نيابة عنه.

إن القرصان لا يتعامل مع الإبداع في أي مرحلة من مراحله، من تأليف وتحرير وتنقيح وإعداد ورقن وتصحيح وتدقيق وفهرسة وتصميم وإخراج، إنما يسطو على العمل بعد أن يستوي على سوقه؛ يصوره، ينسخه، يمسخه، يسوِّقه وليس له فيه إلا الوعاء الذي ملأه سحتاً ومالاً حراماً، يستأثر بالغُنْم ويترك الغُرْم للمبدع خلافاً للقاعدة الشرعية المعروفة (الغنم بالغرم)،فأنى للمبدع المأكول حقه بالباطل أن يبدع؟! وما مستقبل ثقافة مجتمع يخذل مفكريه، ويغضي عن سرقة جهودهم، ويكتفي بما يقدمه له القراصنة فيها؟! أغلب ظني أنه سيسقط في حمأة التخلف والجهل؛ ذلك أن القراصنة كالعلَق يتشبث بجسد الإبداع يمتص دمه الزكي حتى إذا بلغ منه الثمالة سقطا صريعين جميعاً..

2ً- هجرة الأدمغة:

فالمواهب والكفايات والقدرات الفكرية رأس مالٍ هو الأرقى والأسمى والأكثر تقديراً وتقويماً في عالم اليوم، الذي يتحوَّل بسرعة مذهلة إلى عصر المعلومات.. سرعةٍ لم يشهدها في أيٍّ من التحولات البشرية السابقة التي كانت تتم في آماد أطول على الرغم من النعوت الثورية التي أطلقت عليها، فسميت ثورة زراعية، ثم ثورة صناعية، تعايشتا طويلاً، وما تزال شعوب تعيش عصر الزراعة لم تبلغ عصر الصناعة بعد.. ولديها الفرصة الآن أن تتجاوزه إلى عصر المعلومات، إن هي أعملت فكرها، ووفرت المناخ الملائم لازدهار الأفكار وإعلاء شأنها وتقديرها قدرها، وفي طليعة ذلك صونها من العبث بها وحمايتها من العدوان وتحريرها من الخوف والقيود..

وما لم يتوفر لها هذا المناخ الملائم، فإنها مثل كل طاقة ورأس مال آخر سوف تهاجر باحثة عن متنفس لها في جو تستمتع فيه بعبق الحرية والحماية والاحترام… ولسوف تجد على الطرف الآخر من ينتظرها ويتسابق إليها ويتودد لها ويغريها، بل إنها غالباً ما تجد من يبحث عنها، ويرصد تفتحها منذ أن تبرعمت، فيعرض عليها خدماته؛ منحاً دراسية، وفرصاً نادرة، ويستدرجها ليستأثر بمواهبها وتفوقها من دون أهلها وأوطانها..

فإن هي تأبَّت وتمنعت، احتال لها بكل الحيل، حتى إنه ليستثمر جهدها الفكري وهي في مكانها، وقد تكفلت العولمة وثورة الاتصالات له باختزال الأبعاد والآماد وتجاوز كل الحدود والقيود، فأصبحت المعلومات والبرمجيات تتنقل من أقصى المعمورة إلى أقصاها عبر الإنترنت من دون جواز مرور، ولا كيان منظور يخضع لرقابةٍ أو رسوم جمركية أو ضرائب مالية.

3ً-حرمان الدخل القومي من مورد سيكون الأهم في الميزان التجاري للدول:

تشكل تجارة البرمجيات أرقاماً مذهلة في ميزانيات الأمم التي أسرعت في التحول إلى اقتصاد المعرفة؛ تتضاءل إزاءها الأرقام الصناعية، بله الزراعية.. ولئن كان رأس المال في الاقتصاد الزراعي يعتمد على خصب التربة وملاءمة المناخ، ويعتمد في الاقتصاد الصناعي على توافر المواد الأولية، -وذلك كله متفاوت بين الأمم- فإن المادة الأولية في اقتصاد المعرفة هي الفكر، والفكر مشاع بين الشعوب، موزع بينها بالسوية، مما يضع الجميع على عتبة سباق واحدة، أمام فرص متكافئة، يحوز قصب السبق فيها كل من كان الأسرع لاغتنامها.

يقول بيل غيتس صاحب شركة مايكروسوفت، الذي ارتقى مرتبة الرجل الأغنى في العالم:"لست أخشى منافسة أي شركة نظيرة في العالم، إنما أخاف أن تنقدح فكرة في ذهن ميكانيكي في مرآب في زاوية مهملة من العالم؛ تتجاوز أفكاري وتتفوق عليها".

لقد قررت إيرلندا التحول إلى اقتصاد المعرفة، وأعدت عدتها لذلك، فدخلت إلى عصر المعلومات من بوابة التعليم، واستطاعت خلال عقدين من الزمان فقط أن تحصد في ميزانها التجاري لعام 2000، ستين مليار دولار منافسة بذلك كبريات الدول. وكان احترام الملكية الفكرية بطبيعة الحال مستقراً في ضمير شعبها، لا يسمح فرد منه لنفسه أن يمد يده إلى عمل فكري انتهكت حرماته، ولا يطيق أن تقع عينه على انتهاك لها، فإن وقعت ونادراً ما تقع، فسرعان ما يتطوع بإحالته إلى القانون.. فيتساند الوعي الاجتماعي الرافض لانتهاك الحقوق مع القانون الذي يقف له بالمرصاد لينـزل به أشد العقوبات.

4ً-إسهام المؤسسات الرسمية في دعم شبكات القرصنة وتنميتها:

تطرح المؤسسات الثقافية الرسمية (وزارات وجامعات ومراكز ثقافية) مناقصاتها مشروطة بتقديم السعر الأرخص، من دون أي التفات لحق المؤلف، فهي بذلك تقرر سلفاً إخراج المؤلف والناشر الأصلي من خطاب المناقصة…فالقراصنة وحدهم المستهدفون فيها، لأنهم الأقدر على المنافسة وتقديم السعر الأرخص لأسباب عديدة، أولها: تخلصهم من عبء حق المؤلف الذي يسقط نسبة 10% على الأقل من السعر، وثانيها: تحررهم من تكاليف إعداد الكتاب أو البرامج وتصميمها وإخراجها، مما يضيف لصالحهم نسبة أخرى لا تقل عن 10%، وثالثها: عبثهم بالمواصفات المادية للكتاب لتخفيف تكاليف إنتاجه من ورق وطباعة وتجليد.

هكذا أسهمت المؤسسات الثقافية الرسمية في الوطن العربي في تكوين شبكات القرصنة الثقافية وتنميتها وازدهارها..

فقد أثارت هذه الفرصة الثمينة التي أتاحتها المناقصات الرسمية شهية الكثيرين من الطفيليين والدخلاء ممن لا يمتون بصلة لصناعة الثقافة والنشر للدخول في الحلبة، وتضخم عددهم، وبعد أن كانوا معدودين على أصابع اليد يستخفون بقرصنتهم خزايا في الأقبية ومن وراء الكواليس أيام كان سوق الكتاب يقتصر على القارئ المحدود،أصبحوا يُعدون بالعشرات وبالمئات، مستعلنين بفعلتهم الشنيعة، أيام سوق المناقصات، يحضرون ممارساتها مختالين مفاخرين؛ بياقاتهم البيضاء وحقائبهم( السمسونايت) حتى بلغ بهم الاستخفاف بالثقافة حد انتحال الصفات العلمية (فتدكتر) بعضهم وهو لا يكاد يبين، وحق له ذلك فهو المنافس الأوفى حظاً، والمؤكد فوزه سلفاً، وسيُطلب منه المثول أمام الوزراء ومديري الجامعات لتوقيع العقود، وتلقي التهاني بالخدمات العظيمة التي سيؤديها لثقافة المجتمع.

ولم تنفع مع المؤسسات هذه، كل التحذيرات التي وجهت إليها، لتجنب الإساءة البالغة التي تقدمها لثقافة الأمة، بتشجيعها على أكل الحقوق ووأد الإبداع، مدعية أن مسألة الحقوق قضية قانونية مردها إلى القضاء، وأن أنظمتها تنص على تحري السعر الأرخص، ولا علاقة لها بحق المؤلف، متجاهلة أن القانون الذي ترد إليه يعدُّها شريكاً في سرقة حق المؤلف، متواطئاً مع اللصوص في تسهيل ارتكابهم الجريمة وتستره عليهم، مرتكباً أساسياً لإثم وأد الإبداع وضمور ثقافة الأمة.كل القوانين تعاقب على حيازة المسروق والتصرف به، و تعد الحائز كالسارق سواءً بسواء.

5ً-إحباط الناشر الملتزم:

يجتهد الناشر الملتزم في تحري ثغرات الثقافة ومستجدات العلوم؛ يبحث عنها، يتصيدها، ينشئ السلاسل والموسوعات والمشاريع؛ينقب عن مخطوطات التراث المتوارية في المكتبات العامة والخاصة، يرتاد آفاق المعرفة المتجددة في العالم، يُعِدُّ فريقه للتأليف والتحرير والتحقيق والترجمة، وأجهزتَهُ للتدقيق والتنقيح والتصحيح والإخراج، يبذل ماله في الإنتاج، يفتح مخازنه لاستقبال ما أنتج، ريثما تلتهمه القرائح النهمة إلى المعرفة ومستجداتها.

وتراه كلما جاءه البشير بنبأ إصدار جديد له، يحتفي به مثل مولود جديد، يؤذِّن في أذنه، يَعُقُّ له العقيقة، يقدمه لوسائل الإعلام، يهديه لذوي الاختصاص، يعلن عنه لقرائه، يحلم بأن يطوره ويتلافى مثالبه في طبعة قادمة وشيكة عندما يؤذِنه الخازن بنفاد طبعته الأولى..

لكن الخازن لا يؤذنه بغير ضيق المخزن وعجزه عن استقبال وافد جديد، بعد أن تكدست فيه المواليد.

يستنجد بمال قارون، وخزائن يوسف، وصبر أيوب، ويتمنى لو كان له عمر نوح وسفينتُه يحمل فيها بنات أفكاره إذا فار التنور، إلا من سبق عليه القول منهن.

وفي غمرة أحلامه وأوهامه، يأتيه النذير مهنئاً:

لقد رست المناقصة على فلان متضمنة ستين عنواناً من إصداراته من كل عنوان ألف نسخة، سيطبعها الفائز المحظي، غير مبالٍ بأضعافها المكدسة في مخازنه.

وقبل أن يبتلع ريقه يأتيه نذير الشؤم بخبر مفاده أن المخطوطة التي جمعتَ أجزاءها من أنحاء المعمورة حتى اكتملت لك، واستنفرت لتحقيقها ثلاثة عشر محققاً، وقضيت في إنجازها ثلاث عشرة سنة، وأنفقت عليها ثلاثة عشر مليوناً لتصدرها في تسعة وعشرين مجلداً ، قد طبعت بكل أمانة، كما أصدرتها تماماً، في إيران، وسوِّقت في باكستان، ووزعت في المشارق، وانتقلت منها إلى المغارب، وسقط قسم منها في بلدان الشرق الأوسط.

وتتلاحق النذر:

أرأيت إلى كتابك الذي عكف كبير المحققين في مصر على تحقيقه سبع سنين دأباً، ثم أصدرتَه في ثلاثة مجلدات، هاهي ذي طبعة جديدة منه قد صدرت في مجلدين، تحمل اسم محقق لم يسمع أحد باسمه بعد، يكشف التحقيق عن أن مغامراً أعطاه خمسة آلاف جنيه، ومعها سبعة كتب، لا يريد منه سوى أن يمسك ببعض المعاجم، يعبث من خلالها فيما بين يديه من الكتب،ببعض الهوامش والمعالم..إنه مبلغ مغر لطالب ثانوية سيظهر اسمه، إضافة إلى المبلغ الذي تسلّمه، على سبعة كتب، بوصفه المحقق الكبير، ولا يشعر بأي حرج إن هو احتفظ بكل بصمات المحقق الشهير على الكتاب، حتى بهفواته وأخطائه المطبعية.

لقد حاولتَ أن تواكب تقنيات العصر، وتمارس النشر الإلكتروني إلى جانب الورقي، فهاهو ذا السوق قد أغرق بعشرات البرامج التي تعبتَ بإعدادها وإنتاجها، بأسعار تكاد لا تجاوز سعر القرص (CD) الخام إلا قليلاً، ولن تستطيع أن تسوِّق فيه شيئاً مما أنفقت مالك ووقتك في إنتاجه.

يضرب الناشر الجاد المثالي المتشبث بقيم الحق والثقافة يداً بيد، هل تصدُق فيه القاعدة المالية الشهيرة (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول)،فيهجرُ الكتاب وصناعة النشر؟‍‍

هل يجاري مثل غُزَيَّةَ، إن غوت غوى وإن ترشد يرشد؟!

‍ هل ينسحب؟‍ هل يأوي إلى جبل يعصمه من الماء يفر بدينه من الفتن؟‍

6ً- إضعاف الوازع الأخلاقي لدى الفرد والمجتمع:

ما أظن أحداً ممن يسوغ لنفسه شراء كتاب مقلَّد أو برنامج منسوخ، أو حتى مجرد استخدامه، يجهل أنه يمارس اعتداءً على حق، ويقترف إثماً، ويرتكب ذنباً، ويستحل حراماً، ويأكل سحتاً يستوجب منه مخافة الله ووخز الضمير..

غير أن إغضاء المجتمع، وعجز القانون، وصمت أولي النهى، وتشجيع المؤسسات المعنية. كل أولئك يشكل ثقافةً تساعد الفرد على إسكات ضميره كلما استيقظ فاستنكر، وعلى انتحال الأعذار الشرعية واستخدام الحيل الفقهية،وليِّ أعناقها لتناسب الحال: فالضرورات تبيح المحظورات،والمحظورات تباح عند عموم البلوى، فما مصير القيم إذا كان لدى المجتمع لكل محظور فتوى؟‍!

ولماذا تقشعر أبدان الناس في البلدان المتحضرة، إذا رأوا مثل هذه المشاهد؟‍ هل للالتزام بالقيم وأداء الحقوق، والوفاء بالعهود، واجتناب المحظورات صلةٌ بمستوى التحضر؟‍‍‍‍!

لا أشك في ذلك، وقد كان لنا هذا الالتزام قبل الآخرين عندما كنا نتسنم صهوة الحضارة.

7ً-زعزعة ثقة العالم بنا، ونحن في عصر العولمة:

لم يعد العالم جزراً منعزلة.. لم يعد بوسع أمة أو شعب أن يضرب حوله ستاراً حديدياً ويعيش منغلقاً على نفسه..وإذا كان الاكتفاء الذاتي يمكن تصورُّه في السلع المادية- على الرغم من أن هذا التصور قد تجاوزه الزمن - فإنه لا يمكن أن يُتصوَّر في مجال الفكر والثقافة والمعرفة.

إن لدى كل أمة ثقافةً وفكراً ومعارفً، تحتاج إليها الأمم الأخرى لتثري بها معارفها وتنمي أفكارها.. لا تنمو الأفكار إلا بالتعدد، والتعدد والاختلاف آية من آيات الله تعالى امتن بها على عباده {وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ} [الروم: 30/22]، وجعلها وسيلة لتعارفهم وتكاملهم {وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا} [الحجرات: 49/13].. هكذا أرسى الوحي الإلهي قواعد التبادل الثقافي وحوار الحضارات بين الأمم والشعوب، على أسس التعارف والتكامل والحوار، مثلما وضع للصراع والتدافع قواعد أخرى تقوم على مبادئ الحق والعدل والمساواة بين البشر لدحض الباطل والظلم والتمييز العنصري عندما تطل برؤوسها مدفوعة بتحقيق مصالح عاجلة ، ونزعات تسلط واستعباد، بعيداً عن إطار الحوار والتعاون.

فما الصورة التي سترتسم لنا في أذهان الأمم الأخرى؟‍‍‍!

عندما يعمد مؤلف غربي على التأليف في نصرة قضيتنا الكبرى فلسطين وفضح أحابيل اليهود المعتدين معرِّضاً نفسه لمكرهم ونقمتهم، ثم يتعاقد مع ناشر عربي على ترجمته ونشره باللغة العربية، فلا يلبث أن يرى مؤسسة رسمية مرموقة في الوطن العربي قد ترجمته وطبعته على خمسين ألف نسخة من غير إذن ولا مجرد إخبار، وزعتها في أرجاء الوطن العربي قبل أن تصدر الطبعة الشرعية المأذونة، فيما أسمح لنفسي أن أسميه (قرصنة الكبار)، يزدهون بقرصنتهم ويمنون على الناس أنهم يرتادون لهم آفاق المعرفة؛ يقدمونها لهم بثمن بخس، ويكافئون الأجنبي الذي انتصر لقضيتهم بأكل حقوقه.. فبئست المكافأة.

وعندما يتسابق (صغار الناشرين) على إصدار عشرين ترجمة لنعوم تشومسكي وتيري ماسان (مؤلف الخديعة الكبرى) وباولوكولو وسبوزيتو وكارين أرمسترونغ وفاطمة المرنيسي وروجيه جارودي وماركيز، ثم يكتبون في صفحة المعلومات في الكتاب أن حقوق الطبع محفوظة لهم (أي إنها محفوظة لمن سبق للسطو عليها، شأن إحياء الأرض الموات).

وعندما يضطر الناشر العربي في عقوده مع الناشر الأميركي بأن يشترط عليه تزويده بالمخطوط قبل نشره لتتم ترجمته وإصداره في آن واحد؛ بالعربية هنا وبالإنكليزية هناك، لتفويت الفرصة على القراصنة - ما أمكن- أو لتحقيق سبق عليهم ربما يثنيهم عن عزمهم.

أليس لدينا من الإبداع ما نخاف عليه، إذا خطر في بال أحد أن يعاملنا بالمثل؟‍!

وإذا كنا نعاني من فقر مدقع في الإبداع - ونحن كذلك بالفعل- فهل استطعنا بالتسوُّل وقرصنة الأفكار أن نتحول إلى مبدعين، أم تُرانا ازددنا بهما فقراً على فقر؟‍!

8ً- الهبوط بمستوى الإنتاج:

حتى عندما يحاول القرصان تقليد كتابٍ، فلن يستطيع أن يحاكيه بنسبة تفوق 85% منه من الوجهة الفنية. أما على صعيد المواد المستخدمة في الإنتاج، فإن الغرض الربحي لديه وحرصه على تحقيق أرباح سريعة يملأ بها جيوبه على حساب الجودة، سيدفعه إلى استخدام الأردأ والأدنى والأقل جودة، لتحقيق ما يستطيع من وفر في تكاليف الإنتاج من حيث نوع الورق والتجليد والتغليف.

فإذا كان المنتَج إلكترونياً على قرص مضغوطٍ (CD) فستكون الطامَّة الكبرى التي ستعود على المستخدم بأوخم العواقب: أقراص رديئة بأسعار متدنية تحقق المنافسة، ونَسْخ مستعجل لا يعتمد أياً من قواعد الحماية من (الفيروسات) التي غالباً ما تأتي على جهاز المستخدِم وتخرِّب برامجه، فضلاً عن حرمانه من الحصول على الإصدارات التالية المحسنة التي يصدرها المنتِج الأصلي والخدمات التي يقدمها للمتعاملين معه.

*****

أرجو أن يكون في ما قدمت من سلبيات ثقافة استباحة حقوق التأليف ما يلقي الضوء على مخاطرها، وضرورة التحرك لاجتثاثها وإحلال ثقافة وأخلاق الاحترام لهذه الحقوق محلها، وهو ما يتطلب تضافر جهود تربوية واجتماعية وإعلامية وقانونية كبيرة، تتنوع أساليبها وتستمر لمدة طويلة، نظراً لأن التغيير الاجتماعي صعب وبطيء، لا يتم بين عشية وضحاها.

محمد عدنان سالم
16/3/2004

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة