الشباب والكتاب وضوء المجرة

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

لأن الكتاب خزانة المعارف البشرية المتراكمة عبر القرون، وأداة الأمم للتقدم والارتقاء، فقد خصته الأمم المتحدة بيوم عالمي، هو الثالث والعشرون من نيسان، يرسخه في ذاكرة المجتمع، ويؤكد حاجة الإنسان إليه كالرغيف..

ولأن الكتاب يدور مع الحضارة؛ يزدهر بازدهارها وينحسر بانحسارها، فقد ظل معياراً يقاس به تقدم الأمم وارتقاؤها؛ ترقى بمقدار ما تنتج من الكتب، وبمعدل ما يقرؤه منه أفرادها..
وحين تضعنا تقارير التنمية البشرية في أسفل السلّم القرائي بين الأمم، فإنما هي تشير بذلك إلى أفول شمس الحضارة عنا، وتحوّلها إلى أمم أخرى تمسك به وتنافس عليه..
ما الذي أفقد كلمة ?اقرأ? معناها وطاقتها الحضارية العظمى، التي كانت تحملها حين دوّت من غار حراء، فانطلقنا نبني بها أسرع حضارة في التاريخ البشري؛ بلغت أوجها في عصر المأمون وترجمانه في بيت الحكمة حنين بن إسحاق؟ ! ثم أطلقت إشعاعاتها على العالم الغافي من الأندلس؟!
هل الكلمة كائن حي يعتريه ما يعتري الكائنات الحية من طفولة وشباب وكهولة فشيخوخة فموت وفناء؟! هل تموت الكلمة؟!
معاذ الله!! الكلمة لا تموت لأنها من روح الله، ففي البدء كان الكلمة، ?وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? [ لقمان 31/27].
إنها القوة التي يحملها جزيء الماء على رأس الشلال فيولِّد منها الطاقة، حتى إذا بلغ بها القاع؛ منهكاً ومحملاً بالرواسب والشوائب، احتاج إلى عمليتي تبخير وتقطير؛ تحررانه من الرواسب والشوائب ثم تضعانه على رأس الشلال من جديد..
ذلكم ما فعله أحمد خيري العمري الذي تحتفي به دار الفكر اليوم. فقد أعاد للكلمة فعاليتها، ليضعها على رأس الشلال من جديد، ممسكاً بيده بوصلته القرآنية؛ يكشف بها الفردوس المستعاد من الفردوس المستعار، ويهتدي بها إلى ضوء في المجرة ينير له الدرب، ويغوص بها في أعماق التاريخ باحثاً عن الحقيقة كإبراهيم تارة، وممتطياً سفينة نوح ذات الألواح والدسر تارة أخرى؛ ويركِّب للصلاة كيمياءً تعيد إليها أهدافها ومقاصدها.
وكان كل من الشباب والكتاب على موعد مع العمري صانع الأنفاق.. لمح الشباب لديه بصيص الضوء القادم من المجرة، فأقبلوا عليه يقرؤونه بنهم، ويحاورونه بمحبة، ويناقشونه بجرأة.. وأدرك الكتاب ُ لديه امتلاكه ناصية المستقبل وتقنياته الواعدة، فأرز إليه يستأنس به من وحشةٍ عانى منها الكثير، بعدما كان للإنسان خير جليس.
لقد أفاد العمري من الشابكة (الإنترنت)؛ أداة العصر التي فجرت المعرفة بين أيدي شباب الألفية الثالثة، وأتاحت لهم التواصل الحميم، متجاوزة كل حدود المكان والزمان والألوان. فعبر موقعه على الإنترنت؛ أقام جسراً متيناً بين أوعية الكتاب الورقي التي تؤذن بالأفول، وأوعيته الإلكترونية التي أسالت المعلومات للإنسان؛ تتدفق بين يديه مثل سيل عرم..
لقد حملت دار الفكر همَّ الكتاب منذ تأسيسها قبل أكثر من نصف قرن، فآلت على نفسها أن تختار منشوراتها بمعايير الإبداع والعلم والحاجة والمستقبل، متجنبة التكرار والاجترار وما فات أوانه، مؤمنة بالحوار وسيلة لاستيلاد الأفكار وتنميتها، فحازت بذلك ثقة قرائها.. ثم حملت همَّ القراءة منذ تسعينيات القرن المنصرم، فأنشأت بنك القارئ النهم، ومكتبة الاستبدال، والإعارة المجانية، وشجعت على تهادي الكتاب باعتبار أن هدية الأفكار أعلى وأغلى من هدية الأشياء، واحتضنت اليوم العالمي للكتاب في 23 نيسان تقيم فيه أسبوعها الثقافي الذي يحمل الرقم الحادي عشر هذا العام، تكرم فيه كل معني بالثقافة والكتاب من مؤلف مبدع وقارئ نهم.. وترنو إلى أن يتألق الكتاب في هذا اليوم؛ تزدان له المكتبات والساحات والشوارع والحدائق، ويحتفى به مثلما يحتفى بأعياد الحب والأم والمعلم، لأنه مفتاحها جميعاً.. تتطلع إلى أن ترى الكتاب في كل يد، وعلى كل شفة ولسان..
ألسنا نعيش الآن عصر المعرفة؟! وفي عصر المعرفة هذا لن يكون الكتاب ضرورة لتنمية عقل الإنسان، مثلما الغذاء ضرورة لتنمية جسده، بل إن الكتاب سيتماهى مع الإنسان، من دونه يفقد الإنسان إنسانيته..
أما الشباب فهم الأمل، وهم المنعطف الذي سينقلنا من حالة الغثاء والكلالة واللاوعي، إلى حالة الوعي والفعالية والحضور.. إنهم أبناء عصر المعرفة، وفي أيديهم رأس مال هذا العصر الذي يقوم على عمالة العقل وقوة الأفكار، وكلُّ أدواته التي زوّدته بها ثورتا المعلومات والاتصالات. بعدما كان عصر الصناعة المنصرم يقوم على عمالة اليد وقوة المال والسلاح.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.