الشخصية الإنسانية المتوازنة

الاثنين, August 31, 2015
كاتب المقالة: 

من كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها

هذا التوازن العجيب بين الدنيوي والأخروي، بين الفردي والجماعي، هو ما يميز شخصية المسلم، ويبني فيه النفس المطمئنة الراضية المرضية: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير - وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن - إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" [رواه مسلم عن صهيب عن الرسول r - الحديث 27 رياض الصالحين -دار الفكر] .

فما أدركه من المنفعة في الدنيا كان خيراً ساقه الله إليه، وما فاته فيها كان خيراً ادخره الله له سيدركه في الآخرة، فهو المنتفع دائماً عاجلاً أو آجلاً.

وأي إخلال في هذا التوازن يؤدي إلى تعطيل المنهج الرباني عن العمل في بناء النفس الإنسانية واستقرار الحياة.

إن التركيز على البعد الفردي - وهو كما رأينا بعد أخروي محض - غالباً ما يسوِّغ للحاج مزاحمة الآخرين للفوز بنصيبه وإنجاز مناسكه على الوجه الأكمل الذي ينشده، غير مبالٍ بما يسببه لإخوانه من أذى التدافع والتسابق والاستئثار، ضارباً عرض الحائط بكل قيم التسامح والإيثار والتعاون، تلك القيم التي هي في الحج أشد طلباً وإلحاحاً.

وغالباً ما يكون صارفاً للحاج عن هموم المسلمين، وما يعانونه من ضعف وجهل وتخلف وكلالة وعجز، وما يحيق بهم جراء ذلك من ذل وهوان على الناس.. ينشد ثواب الآخرة لنفسه، ذاهلاً عن كل ما يدور حوله، كمن يتصور نفسه في يوم الحشر قبل أن يقوم الحشر.

وما ذلك من أهداف الحج التي رسمها الله تعالى بشيء: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 22/28] .

وما ذلك من حجة رسول الله r بشيء، وهي حجته الأولى والأخيرة (حجة الوداع)، التي خاطب فيها من على جبل الرحمة الإنسانيةَ كلها؛ حاضرها وغائبها وأجيالها القادمة، فلم يدع شيئاً من مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا رسم الخطوط العريضة لمعالجته وتقويمه وترشيده.

وما على المسلم إلا أن يتعلم من حجة الرسول r هذه، كيف يمكن أن ينتفع من الحج فرداً، وكيف يمكن أن ينتفع منه المسلمون والإنسانية كلها جماعة..أن يتعلم كيف يعمل مع الجماعة وهو فرد، كيف يحقق مصالح الجماعة، ولا ينسى مصالحه الخاصة، كيف يندمج مع الفريق من دون أن يفقد ذاتيته وخصائصه، {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [سبأ: 34/46] .

المصدر: 
دار الفكر-كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!!
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة