العرب وحرية النشر

الأربعاء, March 23, 2011
كاتب المقالة: 

 

يخلط كثيرون بين حرية الفكر والاعتقاد من جهة، وحرية الرأي والتعبير عنه من جهة أخرى، ذلك أن حرية الفكر وحرية الاعتقاد؛ حقان طبيعيّان يمارسهما الإنسان في داخله، بما وهبه الله تعالى من عقل، لا حاجة لتوكيدهما في نصوص دستورية أو قانونية، إذ لا يملك أحد – مهما أوتي من جبروت أو استخدم من وسائل غسيل الدماغ- أن يعطلهما أو يقيدهما؛ فالفكرة المستقرة في ضمير الإنسان، والعقيدة الراسخة في وجدانه، قد تستتران وتظلان في حالة كمون نتيجة الإكراه، لكنهما ما تلبثان أن تخرجا منها، ولو بعد حين، كالذي حدث إثر انهيار الاتحاد السـوفييتي، ليؤكد صدق القانون الإلهي ?لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ? [ البقرة 2/256].

 

1-من حرية الفكر إلى حرية النشر

يخلط كثيرون بين حرية الفكر والاعتقاد من جهة، وحرية الرأي والتعبير عنه من جهة أخرى، ذلك أن حرية الفكر وحرية الاعتقاد؛ حقان طبيعيّان يمارسهما الإنسان في داخله، بما وهبه الله تعالى من عقل، لا حاجة لتوكيدهما في نصوص دستورية أو قانونية، إذ لا يملك أحد – مهما أوتي من جبروت أو استخدم من وسائل غسيل الدماغ- أن يعطلهما أو يقيدهما؛ فالفكرة المستقرة في ضمير الإنسان، والعقيدة الراسخة في وجدانه، قد تستتران وتظلان في حالة كمون نتيجة الإكراه، لكنهما ما تلبثان أن تخرجا منها، ولو بعد حين، كالذي حدث إثر انهيار الاتحاد السـوفييتي، ليؤكد صدق القانون الإلهي ?لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ? [ البقرة 2/256].

أما عندما تتحول الفكرة والعقيدة إلى رأي يتجاوز ضمير الإنسان، فيعبر عنه للآخرين وينشره ليشركهم معه في تبنيه، فإنه سيحتاج إلى دساتير تؤكده، وقوانين تحميه، وضمانات تكفله؛ بوصفه حقاً من حقوق الإنسان كثيراً ما يتعرض لمصادرته والافتئات عليه، وما زال الإنسان على مر العصور يكافح لنيله، فينجح تارة ويخفق أخرى، في صراع أبدي.

2-حرية الرأي والتعبير في المواثيق الدولية 

لقد أصبحت حرية الرأي والتعبير عنه من المبادئ الأساسية المسلَّم بها، وغير القابلة للنقاش فيها، أو الانتقاص منها، في معظم المواثيق الدولية.

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، نص في مادته رقم 19 على أن "لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة، ودونما اعتبار للحدود".

ويأتي الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ليضيف إلى نص المادة 19 السابق توضيحاً لأشكال التعبير "سواءً أكانت على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة يختارها" ثم ليفتح الباب أمام جواز إخضاع حرية التعبير لبعض القيود شريطة أن تكون محددة بنص القانون، وأن تكون ضرورية:

آ-لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم. 

ب-لحماية الأمن القومي، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة.

وعبر هذا الباب، أخذت الأنظمة تتوسع في تفسير القيود أو تضيق أو تترك الباب موارباً بحسب طبيعتها.

وتتوالى الاتفاقيات والمواثيق الدولية مؤكدة على كفالة هذا الحق، كالاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان، وإعلان اليونيسكو للإعلام سنة 1978م، والمبادئ الخاصة بالنظام الإعلامي العالمي الجديد سنة 1980م، والإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان 1990م، والاتفاق العربي لحقوق الإنسان 2000

3-حرية الرأي والتعبير في الدساتير العربية    

كل الدساتير العربية نصت على حق مواطنيها في حرية الرأي والتعبير. ولئن اختلفت فيما بينها بالطرق التي صيغت بها كفالة هذا الحق، فقد اتفقت كلها على تقييده بشروط أوكلت تحديدها إلى القانون، الذي تولى بدوره صوغها بقوالب عامة وحمَّالة أوجه؛ تفرغ النصوص الدستورية من مضامينها، ليسهل على السلطة الإدارية قضمها في ظل تغييب رقابة السلطة القضائية.

4-حرية الرأي وأزمة صناعة النشر

تُعد صناعة النشر أحد أهم المعايير التي يقاس بها المستوى الحضاري لشعب من الشعوب، فمن فحص الإنتاج الفكري، ومعدلات النهم القرائي لأي مجتمع  في حقبة ما من أحقاب تطوره؛ يمكن تحديد المرحلة الحضارية التي يجتازها هذا المجتمع صعوداً في معارج التحضر أو انسحاباً من ميادينه.

وقد غدت دور النشر إحدى أهم مصانع المعرفة، إلى جانب الجامعات ومراكز الأبحاث، في عصر المعلومات وثورة الاتصالات؛ الذي تتحول الإنسانية إليه الآن بسرعة مذهلة.

فأما الإنتاج الفكري، فقد تولى تقرير التنمية البشرية لعام 2003، تزويدنا بأرقامه التي تضعنا في أسفل سلم الإنتاج الفكري العالمي.

وأما المعدل القرائي فقد وضعنا التقرير في المرتبة ذاتها، إذ يقرأ الكتابَ الواحد واحدٌ من كل ثمانين عربياً ، بينما يقرأ كل إسرائيلي أربعين كتاباً في السنة، لتصبح المعادلة أن الإسرائيلي الواحد يقرأ ما يقرؤه 3200 عربي، وهو ما يفسر لنا السبب الأهم من أسباب تخلفنا وانهزامنا، كما يفسر لنا أسباب ضعف صناعة النشر في الوطن العربي، فهي تعمل على إنتاج سلعةٍ لا رواج لها ولا طلب عليها.

5-العزوف القرائي العربي

يعزو الكثيرون أسباب العزوف القرائي في الوطن العربي إلى ارتفاع نسبة الأمية فيه، وإلى ضيق ذات اليد، وذات الوقت، وتعقد سبل الحياة، وانتشار وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.

ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك فيرى هجر الكتاب والقراءة طبعاً متأصلاً فينا نفضل بموجبه الثرثرة الكلامية على الكلمة المكتوبة الموثقة.

وأرى ذلك كله أسباباً سطحية لا تلامس جوهر المشكلة، فضلاً عن مجافاتها للحقيقة وللواقع.    

فلقد قرأنا- ونحن أميون- المخزون المعرفي الإنساني، نشتاره من كل حدب وصوب، ثم نعيد إنتاجه معالجاً ومضافاً إليه ومطبوعاً بقيمنا وثقافتنا ومنطلقاتنا لنبني به أسرع حضارة في التاريخ كانت ملء السمع والبصر.

تم ذلك على وقع نداء ?اقرأ?، ومناخ الحرية الذي وفرته لنا ثقافتنا الإنسانية المنفتحة على ثقافات العالم.

ولقد كنا نقرأ، قبل أن يكون عندنا تعليم إلزامي، وثقافة إلزامية.. كنا يومها نحترم الكتاب والكلمة والحرف إلى درجة القداسة؛ نضن بالكلمة أن تقع على الأرض، فإن هي وقعت رفعناها وقبَّلناها ووضعناها في حرزها.

وكان للكلمة عندنا معناها ومغزاها وفاعليتها كالقسم، لا يجرؤ أحد على الحنث به، فإن هو فعل فَقَدَ احترامه في المجتمع الذي كان يعد التزام الإنسان بكلامه من الرجولة.

وكنا-  نحن الناشرين- أواسط القرن الماضي، نستقبل قارئاً يبحث عن جديد، وكان ذلك يحثنا على إنتاج الجديد، الذي ما يلبث- بدوره- أن يصبح قديماً، لسرعة تلقفه، وانتشار خبره، تداولاً له بين القراء، ونقداً له في الصحافة وأندية الثقافة.

ثم آل الأمر بنا- أواخر القرن- إلى أن أصبحنا ننتج جديداً يبحث عن قارئ، ثم نجتر قديمنا الذي بات بمثابة الجديد؛ يستويان معاً في مجتمع الركود ونضوب الإبداع.

ما الذي تغير، فعاجَلَ حركة النشر العربي في صباها وأعاقها عن النمو؟!

ما الذي أفرغ التعليم من مضمونه، وحرفه عن مقصده، ليخرج لنا أجيالاً من مستظهري المقررات المدرسية، بدلاً من بناء أجيال من الباحثين المتقنين لتحصيل المعلومات من المراجع والمصادر؟!

ما الذي أفقد الكلمة قوتها، وشلَّ فاعليتها، وفصمها عن معناها ومغزاها؟!

6- الكلمة تفقد فعاليتها حين تفقد حريتها

حرية الكلمة،حرية النشر، حرية التعبير، حرية التفكير.. الحرية بكل معانيها وأبعادها؛ جوهر المشكلة، ومكمن الداء.

تولد الكلمة حرة، لا تطيق القيود، ولا القماقم، ولا القوالب الجاهزة، فإن لم تستطع الإفلات من قيدها تموت.

والكلمة تعبير عن فكرة، والفكرة كائن حي يتكاثر بالتعدد وبالتنوع وبالتزاوج أما الفكر الأحادي فهو عقيم لا ينجب. وبارقة الحقيقة لا تنقدح إلا باحتكاك الأفكار وتصادمها، مثل السحاب..

والفكرة إبداع، والإبداع تجديد، والتجديد تجاوز للمألوف، وتجاوز المألوف مخالفة، والمخالفة تحدٍّ، والتحدي يستدعي الآخر، والآخر تعدد، والتعدد يثير التصادم، ومن التصادم ينبعث الرعد، صوتاً يخرق الصمت، ونوراً يضيء ظلام الطريق، ويبعث على الحركة، والحركة حياة، والحياة كتاب.

7-المقررات المدرسية شكل من أشكال الحجر والانتقاص من حرية النشر

إن مناهج التربية والتعليم؛ هي المسؤولة عن غرس عادة القراءة لدى الطالب من أجل بناء مجتمع قارئ . وهي القادرة على تكوين القارئ النهم، الذي يعد الكتاب حاجة أساسية لتنمية عقله وفكره، مثلما الرغيف حاجة أساسية لنماء جسده، بل هو يشعر بأن معدته محدودة إذا استقبلت من الرغيف أكثر من حاجتها أصيب بالتخمة، بينما عقله غير محدود يلتهم كل ما يقدم له من زاد المعرفة، ويقول: هل من مزيد؟!

الرقابة كانت وما تزال حاضرة في كل زمان ومكان، ولكن شتان بين رقابة يديرها المجتمع في العلن وعلى رؤوس الأشهاد، ورقابة تتولاها السلطة في الخفاء داخل الدهاليز المغلقة، وإن بين الرقابتين لبوناً شاسعاً في الشكل والآليات من جهة، وفي المضمون والحصاد من جهة ثانية. 

                       جدول المقارنة بين الرقابتين

رقابة السلطة

رقابة المجتمع

سرية

علنية

أحادية

تعددية

سابقة

لاحقة

وصائية

حرة

معوقة

مروجة

مسؤولية الرقيب محدودة عدد الرقباء

مسؤولية المؤلف والناشر بلا حدود

مبرمة قطعية

قابلة للحوار

إلزام سلطوي وصائي

التزام ذاتي طوعي

وجبة جاهزة منمطة

وجبات منوَّعة

تقتل القراءة

تعزز القراءة

? لن أسترسل في عرض النتائج المتباينة لكل من الرقابتين فلديَّ منها الكثير.. يكفي أن أؤكد ما أثبتته التجربة من أن مناهج الوجبات الجاهزة والثقافة الإلزامية المنمّطة ، إنْ في المقررات التعليمية أو في الكتب الثقافية، قد بغضت الكتاب إلى الطالب والقارئ معاً، وأفقدتهما الاحترام والقداسة له، وأسهمت في إنتاج جيل مسطَّح، لم يفلت منه إلا من نأى بنفسه عنها بقدراته الذاتية وعشقه للعلم ونهمه للمطالعة.

في عصر المعلومات وثورة الاتصالات التي نعيش، أفلتت الكلمة من سلاسل الرقيب، وانطلقت حرةً تصل إلى الإنسان في كل مكان، وتنهمر عليه من السماء عبر الفضائيات، وتنبع بين يديه في الأرض عبر الشابكات.. لم يعد الإنسان أسير الكلمة الواحدة والخطاب الواحد والرأي الواحد، فقد تعددت أمامه الخيارات إلى درجة الطوفان، وعليه أن يتقن السباحة في خضم المعلومات ليطفو على السطح ظافراً بخيراتها ناجياً من أحاييلها وآثامها.

لم يعد للرقابة معنى في عصر المعلومات، ولن تجديها وصايتها نفعاً، إذا لم تكن مسؤولية الكلمة التزاماً مشتركاً يضطلع بها الكاتب والناشر والقارئ جميعاً.

إن المسؤول عن الكلمة أولاً وأخيراً في نظري هو القارئ؛ بوعيه الناقد، وحسه الثقافي المرهف، يستطيع أن يوجه حركة الفكر والنشر؛ بإقباله على الإبداع المميز والإنتاج الثقافي النافع، يمكنه أن يصحح المسار، ويتجاوز الغثاء، وينحي الأفكار القاتلة، ويدفن الأفكار الميتة.

لا أخاف على القارئ النهم من الضلال، فنهمه للقراءة وتوقه للاطلاع سوف يهديانه إلى سواء السبيل، فالقراءة الواعية تصحح أخطاءها.

إنما الخوف الكبير على القارئ أن يحيد عن درب القراءة، وتتراخى يده عن الكتاب، فتلك هي الطامة الكبرى..

 

وأخلص إلى القول:

إن الالتزام الطوعي الذي توفره رقابة المجتمع أجدى على الثقافة وأكثر مصداقية من الإلزام السلطوي الذي فقد جدواه ومعناه؛ في عصر التفجر المعرفي الذي أحدثته ثورتا المعلومات والاتصالات، فحطمتا به كل السدود والقيود والوصايات.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة