الفقه الإسلامي بين التجميد والتجديد

الثلاثاء, January 26, 2016
كاتب المقالة: 

عندما يتخلف الفقهاء عن تلبية احتياجات المجتمع التشريعية، وعندما يخاطبونه بلغات الماضي الذي تجاوزه الزمن، يبادر المجتمع إلى سد احتياجاته الشرعية، من خلال مخزونه الوجداني المستقر في ضميره!!

قد يصيب وقد يخطئ، قد يعوزه الدليل، وقد لا يحسن التأويل.. لكنها الحاجة؛ فعجلة الحياة ماضية في حركتها لا تتوقف، فإما أن يقودها الخطاب الديني الذي جاء به الأنبياء، وتولى تنزيله على أرض الواقع ورثتهم من العلماء، بالرأي والاجتهاد؛ وإما أن يطول بالعلماء الأمد، فتقسو قلوبهم وتتحجر عقولهم، فتكتفي بالتكرار والاجترار، وتكف عن العطاء تاركة للمجتمع الحبل على غاربه.
عندما استيقظ الضمير العالمي لوضع حد لمأساة العبيد، وأبرم معاهدة إكس لا شابل لإلغاء الرق مطلع القرن التاسع عشر، لم يجد المجتمع الإسلامي صعوبة في تطبيقها، لِما استقر في ضميره من وحدة الأصل الإنساني، وعدم التمييز بين الناس بسبب العرق أو اللون (( كلكم لآدم وآدم من تراب لأفضل العربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى))، ولما مهد له القرآن الكريم من إغلاق باب الاسترقاق، فلا توجد فيه آية تبيحه، وفتْح باب العتق على مصراعيه، وجعْله من أفضل القربات إلى الله (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ ما الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ) [البلد 90/11-16 ].
وعلى الرغم من أن العالم بأسره قد اقتحم العقبة وألغى الرق؛ فلا تزال كتب الفقه الإسلامي تتحدث عن القِن والمكاتَب والمدبَّر والمبعَّض، وأم الولد، وغير ذلك من أنواع الرق وملك اليمين..
وقياساً على مسألة الرقيق، يمكننا الوقوع في خطابنا الفقهي على الكثير من المسائل كالموازيين والمكاييل، وأنصبة الزكاة، وأحكام الطهارة، وأنواع البيوع والأنشطة الاقتصادية، والحدود والعقوبات التي تشبثت بها كتب الفقهاء، وعطلها المجتمع بعد أن تجاوزها الزمن..
تراثنا الفقهي؛ تراث عظيم؛ غني ومتميز؛ نعتز به ونفاخر به الأمم..
لكن توقفَنا عنده، وعجزَنا عن تنميته وتحديثه؛ لمواكبة المستجدات وتطورها، ولتجاوز نتاج الفقهاء السالفين بوصفه مصدراً لحل مشكلاتنا، وسقفاً لاجتهادنا لا فكاك لنا منه، إلى مصادرنا المشتركة الأساسية؛ كتاب الله وسنة رسوله.. عجزنا هو السبب في عقم فقهنا وخروجه من التداول، وداَئرة الفعل والتطبيق.
وكما استطاع المجتمع أن يكمل الخطوات التي بدأها القرآن الكريم لإنهاء حالة الرق، تاركاً للفقهاء أن يسوِّدوا صفحاتهم بتفاصيل حالاتها التي أصبحت من التاريخ؛ فإنه يمكن له متابعة المسائل الأخرى التي رسم له القرآن الكريم خطواتها الأولى: كعفو ولي الدم في القصاص (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) [الإسراء17/33]، وكعقوبات الرجم والقطع والجلد، مستهدياً بفقه المقاصد، الذي ضيقه الفقهاء التقليديون حتى أخرجوه عن مقاصده!! ويمكن للمجتمع أن يستثمره لإثبات صدق ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به القرآن " لا تنقضي عجائبه ولا يخلَق من كثرة الرد"، ولإثبات إعجازه وسموِّه.. فوق حدود الزمان والمكان!!
ولا بد للمجتمع حينئذ من انتداب طائفة من علمائه من كل التخصصات لإنجاز هذا التجديد الجذري للفقه الإسلامي وأصوله.

من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة