الفيلسوفة الأميركية جوديث باتلر:‏ إسرائيل لا تمثل يهود العالم ويجب أن ينتهي الاستعمار

الخميس, May 9, 2013
كاتب المقالة: 

نيويورك - - عندما فازت الفيلسوفة اليهودية الأميركية جوديث باتلر بجائزة أدورنو الفلسفية المرموقة والتي تمنحها ألمانيا لأصحاب الإنجازات الكبيرة في الفلسفة والموسيقى ثار جدل كبير ضد الفيلسوفة المعروفة بمواقفها النقدية ضد اسرائيل، وطالب بعض بسحب الجائزة منها حتى لا تكون هناك مشروعية فكرية لانتقاد إسرائيل في المحافل الدولية خاصة وأن باتلر معروفة بدعمها لحقوق الشعب الفسطيني ودعوتها لمقاطعة إسرائيل معلنة منذ فترة طويلة.هذا حوار مع الفيلسوفة التي تعمل في مجالات عدة أهمها الأدب المقارن والفلسفة النسوية وحقوق الإنسان:- كيف تقرأين ردود الافعال الإسرائيلية على فوزك بجائزة أدورنو الفلسفية، وهل كون الجائزة ألمانية أشعل الغضب ضدك؟
أعتقد أنه من الصعب علي أي جماعات ألمانية منح شرعية لمواقف ناقدة للصهيونية أو حتى للسياسة الإسرائيلية. وبالنسبة لكثير من الألمان فإن الطريقة الوحيدة التي يظهرون بها أنهم ليسوا استمرارا لمعاداة السامية التي تنتمي الى الماضي، هي أن يظهروا دعمهم لإسرائيل. هذا نوع من رد الفعل اللاإرادي الذي يحتاج إلى الدراسة والتأمل بأسلوب نقدي، كما أنني متأكدة من ان بعض الإسرائيليين يرون أنه ليس من حق الألمان أن يوجهوا أي انتقاد لإسرائيل او إضفاء شرعية علي من يقومون بانتقادها. إنها علاقة مركبة رهيبة..لكن إذا استطاع المرء الفصل بين معاداة السامية وبين انتقاد اسرائيل، وان يظهر الأساس الموضوعي لمعارضة الاحتلال ودعم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم ستكون لديه فرصة لكي يكون مسموعا. لكن من الصعب جدا ان تكون مسموعا كما تعرف بلا شك.وليست هناك رؤية يهودية واحدة. فاليهود منقسمون حول هذه المسألة. بعضهم صهيوني وبعض الآخر ليس كذلك. وبعضهم مثلي يأخذون موقفا جزئيا فقط في إطار عام يهودي. وأنا أرى أن علينا أن ننحي الإطار اليهودي جانباً إذا كنا نريد أن نفهم تعقيد الموقف الإقليمي في الشرق الأوسط ونبدأ في طرح الأسئلة عن ما يعنيه العدل لكل الشعوب التي تعيش على هذه الارض.

- البعض يقرأ رد الفعل على الجائزة على أنه استمرار لعقدة النازية والهولوكوست لماذا تظل المذبحة حاضرة بقوة في الوجدان اليهودي؟
من ناحية لأنها تبقى مأساة تاريخية لكثير من الناس. ومن ناحية أخرى يمكن أن تكون - وهي كذلك - تستخدم لتأصيل حاجة اسرائيل لاستخدام كل القوة العسكرية الممكنة لتأمين نفسها. وقد طلب من الفلسطينيين ظلما وعدوانا أن يتحملوا تبعات هذه المأساة التاريخية. ورأيي الشخصي أن المذبحة النازية يجب أن تبقى في الذاكرة وتحترم. لكن ليس من الاحترام لتلك الفترة الرهيبة من التاريخ ان تستخدم المذبحة النازية لبناء قوة عسكرية تطلق عنفها الجامح ضد شعوب محرومة من حق المقاومة ومحرومة من حق تقرير المصير السياسي. هذه الأمور يجب ان يتم الفصل بينها.

- ولماذا يصر اليهود على العيش كضحايا طول الوقت؟ ولماذا تم تسليع الهولوكوست؟
اعتقد أن بعض اليهود مقتنعون أن الاضطهاد ينتظرهم دائما، لكن بعضهم يرى بوضوح أنه بقدر ما قد تشعر أي مجموعة من الناس بالضعف والقابلية للاضطهاد فإنها تتحمل المسؤولية عن معاملتها غير العادلة للآخرين. أنا واثقة انه كانت هناك عملية توظيف للهولوكوست، لكني قلقة أكثر من طريقة استغلالها لمنح العسكرة الاسرائيلية المتزايدة شرعية ولتبرير حروبها.أعتقد أن التذكر مهم لأي شعب قاسى الموت الجماعي. لكنه لا يمكن أن يصبح ذريعة لارتكاب عدوان سياسي او اجتماعي أو لإنزال أشكال جديدة من عنف الدولة ضد شعب آخر.

- أحد أسباب رفض الإسرائيليين لك أنك تدعين دائما لمقاطعة اسرائيل هل المقاطعة فكرة عملية؟
لست متأكدة من نجاح حملة المقاطعة لإسرائيل لكن الواضح أن هذه الحركة أصبحت أقوى على مدى السنوات الخمس الأخيرة وهذا يمثل مشكلة للمصنعين وللمؤسسات الثقافية والسياسية الاسرائيلية. فحركة المقاطعة تطالب إسرائيل بالالتزام بالقانون الدولي وهي تخلق معارضة شعبية عالمية لثلاثة عناصر من الحكم الاسرائيلي: الاحتلال، والتمييز ضد الفلسطينيين في اسرائيل، ورفض حق العودة لفلسطينيي الشتات.

- كيف بدأت علاقتك بالقضية الفلسطينية؟
لقد كنت أدرس القضية على مدار عشرين عاماً ووجدت أن علي أن أنسلخ عن دروس الصهيونية التي تعلمتها في طفولتي، ويبدو لي أن على اليهود مسؤولية أن يؤكدوا للعالم أن إسرائيل لا تمثلهم. ومما لا يقل أهمية أننا بغض النظر عن خلفياتنا ندعم النضال من أجل ديمقراطية جذرية لفلسطين.

- لماذا تصرين على التفرقة بين اليهودية واسرائيل مع ان اسرائيل دولة يهودية؟
اعتقد أن علينا أن نحترم قدسية الحياة التي لا تكون بغير التعايش مع غير اليهود والتي تؤمن بمفهوم عالمي للعدل. وإسرائيل لا تمثل أيا من هذا، فاليهودية والصهيونية ليسا شيئا واحداً.

- في اطار دفاعك عن نفسك قلت إنك تنطلقين في فلسفتك من القيم الأخلاقية اليهودية كما يمثلها الفيلسوفان اليهوديان مارتن بوبر وحنا ارندنت. هل ثمة علاقة الآن بين الدين والفلسفة أم أنهما في انفصال فكري بين أسئلة الفلسفة وإجابات الدين؟
أعتقد أنه حتى أكثر الفلسفات علمانية تميل إلى الاتكاء على آراء دينية من نوع او آخر. والتراث اليهودي رافد واحد من روافد اخرى أنهل منها. فأنا أنهل من تراث الاشتراكية الديمقراطية والنضال المناهض للاستعمار كذلك.واعتقد أنه ليس هناك فلسفة واحدة يهودية او مسيحية. وفيلسوف كبير مثل اسبينوزا مثلا لا يمكن تقديمه باعتباره فيلسوفا يهوديا فهو ينتمي الى مجموعة مركبة من التقاليد والأفكار في عصره.ومن ناحية أخرى فإن معظم الأديان لها أسلوبها في التعامل مع الخلافات والانتقادات والمجادلات. وبعض صور العلمانية تميل إلى المطلق. لذا لا يمكن أن يكون التقسيم بسيطا.

- لماذا اشرت في دفاعك تحديداً الى بوبر وارندنت كممثلين للاخلاق اليهودية؟
في العام 1948 أوضح الفيلسوف الكبير مارتن بوبر ان فكرة تأسيس إسرائيل كأمة يهودية ذات سيادة كان خطأ وانه يجب ان تكون هناك حكومة فيدرالية على تلك الأرض التي تضم الشعبين. وكذلك فعلت الفيلسوفة المعروفة حنا ارنديت عندما دفعت بنفس الجدلية ضد بن جوريون، كانت تريد حكومة فيدرالية. هناك قيم للتعايش تنتمي لمفهوم دياسبوري الشتات لليهودية تختلف تماما عن تلك القيم التي تغذي القومية اليهودية.وقد كان هناك جدل حتى عام 1948 حول ما إذا كانت الصهيونية يجب أن تكون الساعي لايجاد دولة للشعب اليهودي او انها يجب ان تكون حركة تجديد روحي. بوبر كان يعتقد أن السعي من أجل إيجاد دولة من شأنه ان يناقض المعنى الروحاني للصهيونية.وأنا لا احب ان أقدم نفسي كيهودية اولا حيث أني أعتقد أن أي شخص يحمل مبادئ العدالة السياسية يمكن أن يتخذ نفس الموقف الذي أحاول اتخاذه. وانا اعرف رغم هذا انه في ألمانيا من المهم ان نوضح ان اسرائيل لا تمثل كل يهود العالم وان هناك تقسيمات داخلية في المجتمع اليهودي. لكن إطار العمل اليهودي بالنسبة لي غير كاف. فقد حكم المسألة الإسرائيلية الفلسطينية لوقت طويل جدا. لذا فبقدر ما أريد فصل القيم الأخلاقية اليهودية عن دولة اسرائيل أريد أيضاً ان أصر على ان أي نضال ضد الاستعمار يجب ان يتحرك إلى ما وراء مثل هذه المواقف المتعلقة بالهوية.

- الدين حاضر بقوة في المشهد المعقد في المنطقة ويكاد يختصر الصراع العربي الاسرائيلي؟
إنه ليس صراعا دينيا، وكما نعرف فان الصراع ضد الاستعمار الاستيطاني يمكنه ان يتخذ أشكالا دينية، ولكن ليس بالضرورة دائما كذلك. فهناك آراء علمانية ومسيحية وإسلامية عند الفلسطينيين الذين يوافقون على أن حق تقرير المصير أولوية. وبالنسبة لإسرائيل فاليهودية أقل أهمية كدين منها كثقافة وهوية تاريخية. ومن المثير للعجب أن هذا هو احد الأسباب التي تجعل بإمكان اسرائيل ان تقول عن نفسها إنها دولة علمانية.

- في إطار الحلول المقترحة كيف تقرأين ما قاله المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد عن فكرة وجود دولتين؟
كما تعرف فإن ادوارد سعيد كان يؤمن بحل الدولتين ثم قبيل نهاية حياته بدأ يفكر في إمكانية حل الدولة الواحدة. وأعتقد أن هذه مسألة على الفلسطينيين أن يتخذوا القرار فيها بمن فيهم فلسطينيو الشتات. أستطيع ان أتخيل أمة ثنائية قد تكون في دولة واحدة او دولتين. السؤال الأساس هو ماذا يختار الفلسطينيون كمستقبل سياسي لهم. لكن أياً من تلك الخيارات لا يمكن أخذه في الاعتبار الى أن ينتهي الاستعمار الاستيطاني. وانا معجبة بأعمال إدوارد سعيد. فقد قرأت كتبه ومقالاته، وكنت أقدر كثيرا الأسلوب الهادئ الذي يقدم به التاريخ، وكذلك آراءه حول التعايش وجهوده التي يقدم فيها النضال الفلسطيني كصورة من صور الكرامة الإنسانية والحفاظ على المبادئ.

- من بين الانتقادات التي وجهت إليك قبل الجائزة وبعدها أنك تؤيدين منظمات يراها الغرب إرهابية مثل "حماس" و"حزب الله"؟
أنا لا أدعم تلك المنظمات لكني أؤمن أن من المهم للاميركيين والغربيين عموما ان يتعرفوا على طبيعة هذه المنظمات وكيف تعي نفسها وما هي أهدافها. هناك خوف كبير من هذه المنظمات وأعتقد ان علينا ان نتمكن من دراستها أولا.

- ولكنك قلت ان هذه المنظمات قد تنتمي لليسار العالمي المناهض للامبريالية ما جر عليك انتقادات واسعة؟
أنا فقط أشرت الى حقيقة انها حركات مناهضة للإمبريالية. وهذه الخاصية لتلك الحركات لا يتم إدراكها دائما. ولكني لا اعتقد أن كون المرء ضد الإمبريالية يكفي لأن يكون جزءا من اليسار العالمي الذي أتمنى أن أراه في العالم. كنت فقط أحاول وصف أحد أهدافهم.

- بعض يطالب الفلسطينيين كما الإسرائيليين بضبط النفس هل هناك مساواة بين الجلاد والضحية؟
ليست هناك أي مساواة عندما نتحدث عن إسرائيل وفلسطين. أعتقد ان الاستعمار الاستيطاني عليه اولا ان ينتهي قبل ان نستطيع ان نتحدث عن المساواة. في الحقيقة بدون انتهائه لا يمكن أن تكون هناك مساواة. وبوضوح فإن الدفاع عن النفس عندما تتحدث عنه قوة الاحتلال ليس هو نفسه الدفاع عن النفس عندما يتحدث عنه الواقع تحت الاحتلال. لذا فعلينا ان ننتبه الى الكلمات التي نستخدمها في الوصف هنا.

ـ انطلقت من ميدان الأدب المقارن الى الفلسفة.. لماذا؟
وما هو سر إعجابك بمحمود درويش؟الادب المقارن يجعل المرء يهتم باطر موقتة وواسعة غير تلك التي المعتادة لكثير منا. فهو يأخذنا في رحلة ترجمة ثقافية ويساعدها ان تفحص طريقة النظر الى العالم. هذا الاسلوب النقدي هو بالتأكيد جزء من الفلسفة أيضاً. نعم أحببت شعر درويش الذي قرأته مترجماً وتمنيت لو أنني استطيع القراءة باللغة العربية لأقرأ شعره؛ فهو يقدم فهما عبقريا للمنفى القسري وقصائده بديعة.

صحيفة القدس

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.