القراءة في ظلّ الحرب:فَتحُ كتابِ الخَراب (1 – 2)

الاثنين, May 1, 2017
كاتب المقالة: 

القراءة في زمن الحرب يعتبر بحقّ فعلاً يحمل روح التحدّي للخراب، ففي ظلّ الأوضاع المعيشيَّة التي تتأزّم وكُتًل الدم والجثث والأشلاء المتناثرة، تغدو القراءة فعلاً مستحيلاً إلّا عند القلّة، لكن على الرغم من ذلك الخراب، بدت القراءة في أغلب الدول العربيَّة التي تعيش حروباً متناحرة فعلاً أشبه بإعادة إحياء وإعمار للخراب العامّ في كل ثنايا البلاد، لكن والحال هذه تبدو القراءة أيضاً محاولةً لتهدئة الروح التي تعيش داخل حرب أو تراقبُ حرباً ما، ثمّة في القراءة ذلك الهاجس الحلميّ في خلقِ غدٍ أفضل من الآن، لا علاقة للخيال بهذا الأمر على قدر ما للواقعيَّة صلةٌ بذلك، كيف ذلك؟ لا بدّ من أن القراءات مجتمعةً تخلق الروح الجديدة حتّى وإن كانت الروحُ التي تقرأ تعيش حرباً طاحنة، الروح التي تطلب التغيير وتنشده حتّى في أحلك الأوقات، العودة إلى الماضي والاستزادة منه في الرّاهن ومن ثمّ إعادة النظر- بعينٍ مليئةٍ بالأحرف والعبارات والحكايا- إلى الواقع المعيش والانطلاق منه نحو الأفضل، فكرةٌ في غاية التخيّل إلّا أنّها قابلة للتطبيق وبقليلٍ من التفكّر المستزاد بالقراءة المتأنّية للكتب.

في كل أدبيّات العالم ثمّة تركيزٌ ما على القراءة، سواء خلال الحرب أو خلال السلم، إلّا أنّ الآليَّة ربمّا قد تختلف لأسباب تتعلّق بالحرب، ومن ثمّ التغيّر التكنولوجي والتقدّم في التقنيات وسهولة الحصول على الكتاب غير الورقي فتح المجال أمام عالم القراءة ليتطوّر أكثر، الكتاب عابراً القارّات في كلّ الأزمان.

انطلاقاً من سؤال: ماذا نقرأ في الحرب؟ ما هو نوع القراءات في البلدان التي تجتاحها الحروب؟ هل عودة إلى كتب التاريخ لفهم الحاضر؟ هل قراءة روايات تتحدث عن الحرب لمعرفة كيف عاش أناس تحت الحروب؟ أم هل هي قراءات هروبية تماماً، للتخلص من أثر الحرب الضاغط على الأعصاب والعواطف والأفكار؟ أم أن قراءات الكتاب في بلدان الحروب مثلها مثل القراءات في الأوقات العادية والبلدان التي لا تعرف الحرب؟

توجهنا بهذه الأسئلة إلى مجموعة من الكتاب والمثقفين في بلدان عدة مثل: سورية، العراق، اليمن، ليبيا.

 

رباح الزبير (ليبيا):

القراءة قطوف دانية تنتشي بها الروح لها طقوس تذوب في حضرتها عقارب الوقت فننسى أن للقلب نبضا ولا تبقى إلا الأنفاس، وتتسع مساحات الحلم إلى ما لا نهاية في جغرافيا المعرفة، لكن هذه القطوف في ليبيا لا تجد رواجاً كبيراً أسوة ببقية الوطن العربي... ومن هنا نجد أن القراءة تختلف من مجتمع إلى آخر وإن كنا في الوطن العربي نعاني من العزوف عن القراءة بحكم نشأتنا في مجتمعات تربت على الثقافة السمعية التراكمية، وحكومات تدير ظهرها عن نشر الثقافة والمعرفة... في ليبيا يمكن القول بأن القراءة ليس لها حضور إلا عند النخبة المثقفة التي تواجه هي الأخرى صعوبة في اقتناء الكتاب وبالتالي فإن أثر ذلك انعكس وينعكس جلياً في كل ما مرت وتمر به ليبيا من صراعات واقتتال... الناس هنا اعتمدوا الثقافة السمعية وأتبعوها بالبصرية، ولعل العزوف عن اقتناء الكتاب خلق مجتمعاً رخواً تم اختراقه بسرعة في تطور دراماتيكي تحول بالحلم بالتغيير القادم مع ما يسمى بالربيع العربي في 2011 إلى حرب أهلية تحت مسميات عدة استطاع فيها من يدير مطابخ ثقافة الشعوب أن يفرض نمطاً يتسلل في مسامات الواقع ويوجهه عبر منظومته السمعية والبصرية الرهيبة وهذا ما يمكن أن نراه اليوم بوضوح في ليبيا التي لازال صوت الرصاص يقول كلمته فيها كنتاج لثقافات نكوصية، وإقصاءً للإستنارة الحقيقية المرتبطة بقضايا الواقع وسيرورتها، والتي لا تتحقق إلا بالقراءة الأصيلة... وأصبح الوقت يتسلل منتعلاً الخوف من مستقبل لايمكن التنبؤ به...

في ليبيا ومنذ انطلاق الرصاصة الأولى في فبراير/شباط 2011 اتجه الناس وبشكل كبير إلى القراءة من خلال شبكة الإنترنت وكلهم مسلمات بأن ما ينشر عبر هذه الشبكة من معلومات حقائق دامغة تحت تأثير الإبهار والتنوع الذي غطى كل المداخل النفسية للوصول إلى المتلقي فنتج عن ذلك ثقافة النت ذات اللغة الفقيرة والمضامين السطحية، وعلى الضفة الأخرى وجدت التيارات الدينية ضالتها فأصبحت الكتب الصفراء والرمادية والسوداء التي انتشرت بشكل كبير على أرصفة الشوارع وأمام المساجد تقابل برواج كبير لها ولأفكارها وترهاتها. ومع تفاقم الأوضاع وأتساع رقعة الحرب وانتشار القنوات الإذاعية المسموعة أصبح ركن كبير من المجتمع يقرأ القرآن الكريم فيما اتجه عدد كبير من النساء إلى الدخول لمواقع الموضة والوصفات الغذائية.

 

د. مازن أكثم سليمان (سورية):

لا يمكن وضع رؤية جامعة مانعة حول طبيعة القراءات أو كيفيتها في فترات الحروب، فالمسألة لها جُملة تشعبات نفسية واجتماعية وعقائدية تختلف باختلاف العصور والبيئات والدول التي تعيش مثل هذه التجارب القاسية.

ما من شكّ أنَّ الحروب تفتح الأسئلة التفصيلية والكبرى على حدٍّ سواء على مصراعيها، ومن طبيعة الحياة أنْ تقود الصِّراعات الدَّموية والاختلالات الهائلة أو الهزّات المُرعبة في المُجتمعات إلى البحث عن جذور الأحداث وأسبابها، ولا سيما حينما تأتي الحرب على حين غفلةٍ، وهو الأمر الذي يدفع نسبة لا بأس بها من الناس إلى العودة إلى التاريخ البعيد والتاريخ القريب لفهم أسباب أو دوافِع ما يحدث.

وفي جميع الأحوال يختلف هذا الاهتمام بين مجتمع وآخَر من ناحية أُولى، ويختلف ضمن البيئة الواحدة من ناحية ثانية، ففي المجتمعات التي تكون علاقة المرء فيها بفعل القراءة علاقة أصيلة قد تُسبَغُ مرحلة الحرب بأنماط نوعيّة جديدة من القراءات، في حين أنَّ المُجتمعات التي توصَف بأنَّها مُجتمعات لا تقرأ قد يغدو فعل القراءة فيها فعلاً فضوليّاً أو مُبتسراً أكثر منهُ فعلاً معرفيّاً عميقاً.

ولهذا أقول إنَّ في تجربة كالتجربة السورية بوجهٍ خاصّ، والعربيّة بوجهٍ عام، كان للأهواء الشَّخصيّة أثَر حاسِم في طبيعة قراءات النّاس أكثر ممّا كان الدّافع مُراجَعة دقيقة للواقع والمَعرفة والموقف الشَّخصيّ؛ بمَعنى أنَّ كثيراً ممَّن أخذوا يتلقَّفونَ الكتب والمقالات والموادّ السِّياسية والاجتماعية والثقافيّة انطلقوا من دوافِع مًسبَّقة تتعلَّق بمواقفهِم القَبْليّة واصطفافاتِهِم السِّياسيّة والتَّوجيه الإعلاميّ لهُم، فبحثوا عمّا يُرسِّخ الاعتقاد ويُوافقُهُ في نظَراتِهِم، وهو ما يعني أنَّ مثل هذِهِ القراءات تفتقر كثيراً إلى المصداقيّة والروح الحُرَّة الباحثة عن الوعي الوجوديّ الحقيقيّ لا الزّائف.

وفي هذا المَنحى، ينبغي بالتأكيد أنْ نُميِّز بين الشّارع العام، ومن يستحقُّ من حيث المبدأ أن يُوصَفَ بـِ (المُثقَّف) الذي تسقطُ عنهُ هذِهِ الصِّفة إذا كانت دوافِعُ القراءة لديه غرائزيّة مُسَبَّقة، فضلاً عن أنَّ هذا المُثقَّف يُفترَضُ أنْ يمتلكَ رُؤىً شاملة حول الأحداث وجُذورِها وآليّات الخُروج منها إلى حلول وطنيّة جامِعة، وأنْ يضَعَ باستمرار جميع رُؤاه تحتَ مِبضَع المُراجَعة والتَّدقيق والتَّنقيح الجريء، وهيَ المَسألة التي تعني نأيَ هذا (المُثقَّف) بنفسِهِ وبمشروعِهِ عن القراءات السَّطحيّة أو (الهُروبيّة) إلّا في إطار ما يصبُّ في الدَّور المُنتظَر والمُتوقَّع منه في مثل هذِهِ الأحداث والتَّحوُّلات الكُبرى.

 

نجوى بن شتوان (ليبيا):

كنت أقرأ كتاباً أدبياً عندما نشب النزاع بين الشعب والديكتاتور، بل كنت في دار الكتب الوطنية تحديداً حين حدث أول صدام دموي ما بين الناس والسلطة في بنغازي سنة 2006. مرت أصوات الأسلحة قريباً مني في بنغازي وواصلت حياتي مع القراءة حفظاً للتوازن، كانت القراءة عالماً بديلاً لعالم فرض عليّ البقاء فيه، وفي ظل الفقدان المتواصل للأنيس والجليس، ثم أتت الحرب الأولى عام 2011 فاشتدت رغبتي في قراءة أعمال زوسكيند من جديد، كنت أقوم بتحميلها من الإنترنت فجراً لضمان الحصول عليها، رغم إني قد أموت في أي لحظة دون أن أقرأها، ثم غادرت ليبيا بعد ذلك بعام وأخذت قراءاتي منحى أكاديميا بحكم الدراسة، خارج هذا الالتزام تنوعت القراءة ما بين أدب وفلسفة واجتماع.

كانت القراءة ملاذي من أخبار الحرب والدمار، وأحياناً قد لا تتحقق لي فيها الاستراحة النفسية المنشودة إذا ما تشابهت وقائع ما أقرأه مع الوقائع التي أروم نسيانها أو الهروب منها لبعض الوقت، كانت كتب البلاروسية الحائزة على نوبل الآداب سنة 2015 (سفيتلانا أليكييفيتش) مرهقة جداً لتقاربها الشديد مع ما نعيشه.

أعدت قراءة بعض الكتب التي سبق لي قراءتها مثل كتاب رائحة الخبز وأبناء الأيام وروايات كافكا، وازدادت الفجوة بيني وبين الكتب الشعرية، أجل لم أعد أقرأ شعرا منذ زمن طويل! كما تركت كتب كثيرة بعد عدة صفحات أو فصول منها. حين لم توفر لي قراءتها شيئا، وعوضاً عن ذلك ذهبت إلى السينما وشاهدت العديد من الروايات التي تم القضاء عليها ككتب بتحويلها إلى أفلام.

الكتب في تقديري لا تغير العالم، إنما تخفف من سطوة الوحشة والشعور بالألم فيه، وهذا ما أشعر به فعلاً عندما أقرأ، أشعر بأني أقل ألماً وأقل وحدة وأكثر قدرة على التوازن.

 

د. علياء الداية (سورية):

في أوقات الحروب تتغير الأولويات، فيصبح تأمين المعيشة اليومية والخدمات، ومن ثم محاولة البقاء في حالة أمان، في مقدمة ما يشغل الناس. ولذلك فإن القراءة تتأثر بشكل مباشر بشدة الحاجة إلى هذين الجانبين، وتتأثر أيضاً بموارد الطاقة المصاحبة لها، فهل تقرأ على ضوء الشموع، أم بواسطة شاشات إلكترونية يستمر شحنها لوقت محدود؟ من جهة أخرى يتنوع تفاعل الناس عموماً مع مفهوم القراءة أثناء الحروب، بعضهم لم يكن من هواة القراءة، لكنه مع توافر الوقت الطويل وافتقاده الأجواء الآمنة أو فرص العمل اتجه نحو القراءة وأتاحت له زاداً معرفياً جديداً غير مكتشف سابقاً، يساعد في ذلك توافر الكتب الإلكترونية. وعلى العكس ثمة من شغله ازدياد المسؤوليات والهموم عن إيجاد وقت مناسب ومريح للقراءة، فتراجع اهتمامه بها.

الاهتمام بأدب الحروب المؤثر بالنسبة إليّ أو إلى جيلنا بشكل عام ترافق مع موجتين، بعد حربي الخليج الثانية والثالثة، ومن المفارقة أنّ تعرضنا منذ سنوات قليلة لتأثير الحرب ومعايشتها المباشرة، ركن هذه التجارب القرائية جانباً، لصالح نماذج وموضوعات مختلفة. قراءة الروايات لم تعد كسابق عهدها، تراجع حضورها، بسبب حاجتها إلى توفير وقت متصل ومريح، بالإضافة إلى الحيرة الوجدانية المصاحبة لها، فتصوير الرواية للفجائع والأحزان يُثقل على القارئ، وتصويرها للفرح والحب والحياة الطبيعية يجعل أقل ما يشعر به هو الغبطة تجاه شخصيات الرواية.

يمكن تقسيم المرحلة المعيشة من الحروب إلى ثلاثة أقسام متتالية، الثلث الأول كان اتجاهي فيه إلى قراءة الشعر، العربي المعاصر، والمترجم، والعربي القديم، فالشعر يقدّم مادة مكثفة من الحياة ومشاعر مركّزة. أما الثلث الثاني، فكانت القراءات في كتب التنمية الذاتية والإدارة، والميثولوجيا، والقصص القصيرة، وكتب الاختيارات العربية القديمة. يجمع بين هذين الثلثين إمكانية انقطاع القراءة أو تقسيمها بحسب الحالات الطارئة التي تفرضها الحرب، كالتعرض للأخطار أو توقف موارد الطاقة، والعودة للقراءة في أي وقت آخر. أما الثلث الأخير، فأتجه فيه إلى كتب الفلسفة، والعلوم والفضاء، وما يهتم بجماليات المكان وفنون التصميم، في خطوة تحاول فهم الواقع وتأمله من زوايا عدة.

 

خضير الزيدي (العراق):

تصعد الحرب ظهورنا وتتسلقنا بأنامل تجرح ما تبقى فينا من وجدان، وشخصيا اعتدت منذ مطلع الثمانينات يوم كان عمري عشر سنوات أن أرى نثار الحرب وأساها، ومنذ مرحلة المتوسطة تشكل وعيي الثقافي في البحث عن مصادر التاريخ الإسلامي وتحديدا الحروب التي عاشها المسلمون والتنقيب في دواعي أسبابها، ثم ذهبت إلى أعماق التاريخ فاكتشفت أن جميع من حكم العراق منذ زمن السومريين ليومنا هذا مات مقتولا أو مسموما أو رميا في نهر دجلة.. وغالبا ما طرحت الأسئلة المحرجة أي المصادر هي الأهم في زمن الحرب، فتأخذني نفسي لأتسارع في قراءة مذكرات السياسيين وأحداث الثورات، واكتشف أن الزمن في دائرة مغلقة، فالضحايا هم ذاتهم من عراة الشعب والذين يتسلقون مجد الكرسي أناس مجهولون يتحكمون بمصيرنا، ألجأ أحيانا لتأمل الكتب السياسية التي تشير لصراع القوى العالمية وأتنبه أن المجهول قاس ومخيف، وحينما أعود للتراث الإسلامي أجد أن السياسة والحكم يقودان لسيل من الدماء، وما أن أترك على وسادتي كتابا جديدا يشير ليوميات أحدهم أو ينبهنا لصراع اقتصادي في المنطقة حتى أستيقظ على دوي انفجار في الشارع أو صراخ أم ثكلى لأن ابنها الوحيد بات شهيدا فأذهب إلى عمق الله وأناجيه هل كنت شاهدا على دمارنا لتنصف الشهداء منا.. تخفي القراءة المتواصلة خلفها سيلا من الأسئلة وإن كانت صادمة وحقيقية إلا أنها في نهاية المطاف تأخذنا لفعل آخر يكمن في معرفة كيف نفكر بوجودنا في زمن تتواصل فيه الحروب وهل من جدوى لنحمل كتابا بينما أشلاء قتلانا تصعد للسماء العالية بعد أن تفحمت في أرصفة الحياة اليومية. كل شيء في القراءة يحمل عودة للذات، وإذا اجتمعت القراءة في زمن الحرب فسيكون انكسار الذات عنوانا لتلك الكتب ومضمونا للحرب، حيث الإنسان الذي أصبح ذئبا لأخيه.

 

أريج حسن (سورية):

في الحربِ القراءةُ نافذةٌ معطوبة تكادُ تتخلص من فائدتها إلا على أيدٍ تستطيع أن تصلح مقابضها وتعيد تثبيتها استعدادا للكشف والرؤية. القراءة أيضاً تجربة للتواصل مع الحرب، هي مدخل للاحتكاك بالموروثات الثقافية لبلدان ذاقوا ويلات الحروب ونهضوا بالقراءة-اليابان دمرت بأكملها بعد الحرب العالمية الثانية ويقال أنه بعد توقف الحرب بثلاثة أيام جاء الرئيس وجمع الشعب وجمع كومة من الحديد المدمّر وعمله كجبل ثم صعد عليه وقال كلمة واحدة للشعب: اقرؤوا، وبعدها صنعت حضارة اليابان- إذ تعتبر القراءة الفاحص للمستقبل والمعين للحاضر والموقظ للماضي.

في سورية الحرب فائضة عن حدود المنطق، وعاجزة عن التموضع ضمن إطارات ترسم حدودها لنتخلص من نتائجها فيما بعد، فعل القراءة في هذا البلد بالنسبة لشرائح ليست قليلة غائر في الرمل، فالموت يقرأ عليهم آياته ويحجبهم عن أي نور، في المناطق شبه الآمنة يقرأ الناس أدب الحرب المعلّق على وسائل التواصل الاجتماعي وربما الروايات القصيرة التي تنقلهم إلى عوالم أقل ألماً فيسبحون في ملكوتها مستنشقين بعض الحياة، وقد تغيب عن أذهان الكثيرين الكتب ذات الممرات المحدودة- المتخصصة- أو أعلام التنوير والحركة الأدبية الحديثة أمثال طه حسين وربما المنظرين الفكريين والفلسفيين، فلربما يشغل هذا الأمر المختصين فتراهم يعودون إلى المنابع الثقافية الأولى ويدرسون أيضاً تجلياتها من الدراسات الحديثة التي أقيمت عليها ليزاوجوا بين الماضي والحاضر ويستخلصوا النتائج بالمعايرة فلا يغفل على أحد أن التاريخ يعيد نفسه بأسماء جديدة.

أنا أبتعد عن الحرب باللغة، فأقرأ مصطفى صادق الرافعي، وأتذكر ما كتبه الفراعنة على باب مكتبتهم الأولى "هنا غذاء النفوس وطب العقول"، ويعنيني كثيرا البناء الاجتماعي فاقرأ ابن خلدون في مقدمته، وأبحث في الشعر عن التكوين وعن مقامات الموت والحياة وأنظر إلى ما بعد الحرب.. كيف سيقرأ العالم ماضيهم؟

 

طارق الشرع (ليبيا):

لا أظن بأن هناك مشتركا وحيدا يشكل ملامح القراءة أو نوعها بين الناس مهما كان الظرف السائد، فالقراءة كممارسة ثقافية بعيداً عن التعليم والنسخ والاستقراء العارض تتأسس على تعميق التجربة المعرفية عند القارئ عبر الاطلاع على مختلف التجارب الإنسانية، الأمر الذي يعزز من قدرته على التماس مع الأحداث والوقائع اليومية لاسيما ونحن نتحدث عن القراءة الأدبية على وجه الخصوص حيث يتسع المجال لمحاكاة الواقع، إلا أن استدعاء عالم متخيل أثناء القراءة بقصد إسقاطه على ما يحيط بنا أظنه سيكون في محل خلاف، سواء بحثنا عن قراءة أدبية أو حتى عن وثيقة تاريخية، القراءة بهذا المفهوم تقوم على الفعل التراكمي.

شخصياً لا أبحث عن قراءة استثنائية في زمن الحرب، فموضوع الكتاب لا يأتي في مقدمة أولوياتي بل بكيفية كتابته، الأمر ذاته يحدث عند احتياجي لقراءة تنتشلني من الضغوطات التي تعترضني في زمن السلم كما الحرب، فالكتابة من الجانب الإبداعي ترتبط بآليات فنية لا تتوفر بشكل دائم في كل الكتابات الأدبية، وهنا بالتحديد تتجلى أمامنا ملامح التعاقد بين الكتابة والقراءة، فقراءة أي عمل للكاتب "جون شتاينبك" لا يعني أكثر من استمتاعي بمهارات شتاينبك رغم معاناة شخوصه من ويلات الحرب.

من زاوية أخرى بإمكاننا رصد شريحة واسعة من المهتمين بالقراءة في زمن الحرب لدوافع مختلفة تتجاوز ثقافة القراءة وتنطلق من عدة أسباب سيكون أحدها البحث عن تجارب مماثلة في أزمنة مختلفة كرافد معرفي للقارئ، الأمر بهذا الشكل يكون أشبه باهتمام أحد المرضى بتاريخ المرض، فقط لأنه أصيب به حديثاً.

 

كولالة نوري (العراق):

القارئ المتخم أو المدمن يكون قد قرأ كتبا منوعة وكثيرة من ضمنها تاريخ الشعوب في حروبها أو أوقات ازدهارها السلمي. فليس بالضرورة إذن أن تختلف قراءاته بين الفترتين.. قد يكون السؤال مناسبا للقارئ المتذبذب أو غير النهم في اطلاعاته، فقد يلجأ لكتب تاريخ البلد الذي يكون في حرب مع بلده أو روايات كتابهم إذا كان مهتما بالأدب. هنا مع قارئ كهذا قد يحضر الاختلاف في قراءاته أثناء الحرب عن أوقات أخرى. بالنسبة لي ومنذ أن كنت طفلة وقبل أن أكون الشغوفة في المطالعة والكتب عاصرت حروبا كثيرة وعرفت كيف يعيش ويتصرف ويتجاوب الإنسان تحت الحروب (العراقيون محترفون في العيش ضمن أجواء الحروب ليس فخراً ذلك بالتأكيد بل أسفاً)، لذلك لا ألجأ لقراءة كتب حول ذلك. قراءات الشغوف لا تختلف كثيراً بين وقت الحرب وبين السلم بل يتبع مزاجه المعرفي الصرف، ومدى أهمية الكتاب إبداعياً له كشخص وليس كفرد جمعي داخل كوة حرب. ربما أقرأ كتاباً رومانسياً أو قصائد عشق في الحرب والعكس وارد.

لكني لا أنكر بأنني لجأت في حالات اشتداد الحرب في العراق إلى كتب بسيطة لا علاقه لها بالأدب أو الثقافة والتاريخ أو العلم، بل جهزت كتب النكات للقراءة حين يبدأ القصف (نعم كتب النكات)! لأنني كنت أكون بحاجة ماسة للكثير من التوازن العقلي والنفسي أمام خراب الحرب ونحيبها.. كان يجب أن أحافظ على خيوط العقل رائقاً نوعاً ما لأواجه مخلفات الأزمة وكانت خطة ناجحة في أكثر الأحيان.

 

إينانة الصالح (سورية):

في الحرب تأخذنا الشاشات بتحليلاتها للأحداث الكارثية على الأرض وتأخذنا تحليلاتنا إلى ما وراء الحدث مستندين إلى أن الحرب سياسة ما تحت الطاولة، هذا في البدء. وحين ندخل قوقعة اليأس المفرط والفشل الذريع لأحلامنا مسقوفين بالخوف والحزن والدم نلوذ بالقراءة وننعم بغياب المشاهد المقززة.. حينها نحاول أن نخرج من الموت النفسي عبر قراءات تحمل القليل من الأمل والحب والمجد لكنها تبدو ناجعة لفترة لا تكاد تذكر، فنعود لنصقل أنفسنا بالقوة لنقرأ أدب السجون والحروب وشخصياتها وبالتأكيد بعيدا عن التاريخ والتأريخ التوثيقي، فبزاوية ما نريد القليل من القيمة الجمالية التي تمدنا بالحياة، وكل ما يُقدِّم أدبياً حالات القهر الاجتماعي كي نُبعد هامش التلعثم الذي يضبب رؤيتنا الخاصة عما يحصل واقعاً، وحتى إن حاولنا الخروج لمحتويات مغايرة كنثر أو قصص قصيرة اجتماعية فنشعر بأننا نحتاج نفساً أطول ليمتد فينا الصوت، أو ذهبنا إلى الرومانسية فنرتد حاملين همنا الجمعي لنصنف الرومانسية حالة سطحية وترفا في ظل ما نعيش، لا بد أن أعترف أن ما أقوله لا يتعدى التجربة الشخصية، وأظنها نسبياً تتعدى الفردية.

ومن القراءات الأجمل كان هايكو الحرب لآزاد إسكندر، زجاج مطحون لإسلام أبو شكير، هيا نشتر شاعرا لافونسو كروش، حذاء فيلليني لوحيد طويلة، المجموعات القصصية المتعددة لمصطفى تاج الدين موسى، الأعمال الشعرية الكاملة لرياض الصالح الحسين، كاظم خنجر، سركون بولص، خالد خليفة.. إلخ، مما تحتمله سنون الحرب الطويلة.

  

كه يلان محمد (العراق):

لا شك أن في زمن الحرب تتغير أمزجة الإنسان ولن يكون إدراكه للأشياء مثل ما كان عليه قبل أن تمتلئ حياتهُ بصيحات الحرب وتتصدر صور المُتحاربين والضحايا المشهدَ، إذ يتعاظمُ لديه الإحساسُ بإنَّ استهانة بالحياة واستباحة الدم أصبحَ قانوناً يحتكم إليه المُتحاربون، فمن الطبيعي أنَّ تختلف ذائقة القراءة في ظل أجواء الحرب بحيثُ تسودُ عناوين مُحددة ويهتمُ المرءُ بقراءة ما يبعدهُ عن مناخات الكراهية أو ربما يبحثُ بين دفات الكتب عن خيط الأمل كما ينقبُ في المؤلفات التي تستقي موادها من فضاءات مُتخمة برائحة الموت، ولك أن تفسر رواج الروايات التي ترسمُ عبثية الحرب في بلدان تدور فيها رحى الإقتتال والمعارك المتداخلة بوجود رغبة لدى القارئ لاستجلاء أسباب الصراعات وتعميق الوعي بما يقف وراء الحروب الشرسة.

هنا يفرضُ سؤال نفسه هل يمكن لكل عمل روائي يستمدُ موضوعه مما يسودُ من الموت المجاني والتشردِ والتَطَيُف جراء الحروب أن يساعدَ المتلقي لاستكناه ما هو محجوب في تلك الصراعات المُحتدمة أم أن استثمار شعرية الجثة على حد تعبير كمال الرياحي يتحول إلى مجرد موضة لا تُضيف إلى القارئ ما يجدر توصيفه بالجديد.

إذا أمعنتَ النظر في العناوين التي تصدر من دور النشر العربية تجدُ أنَّ معظمها أعمال روائية كما أن بعض دور النشر لا تكتفي بإصدار روايات جديدة بل تعيدُ طباعة روايات سبق وأن لقت إقبالاً لدى القُراء فبالتالي اكتحست الرواية سوق الكُتب وامتدت سلطتها إلى العالم الافتراضي لاسيما في العراق، وبالاستناد إلى ما يطالبُ به المتابعون لصفحات مخصصة لبيع الكتب، ندركُ أن الأعمال الروائية أكثر مقروئية من غيرها، هذا إلى جانب الكتب التي تتضمن وصفات جاهزة للنجاح وتتحدثُ عن قوة الإرادة لدى الإنسان.

 

 

علي ذرب (العراق):

لا شك في أن الأدب الجيد يجب أن يكون حاضراً، سواء في زمن الأزمة او في زمن الرخاء، أمر غير قابل للنقاش، ومن المفترض أن مرحلة الحرب وما يطرأ من تحولات عديدة فيها تستدعي فاعلي الكتابة إلى فهم وتحويل الإشكاليات التي تحدث إلى كتابة إبداعية تشخص المشهد وتحيل القارئ إلى مشكلاته الأساسية.

وبالنتيجة فإن نزوح تجربة كهذه إلى مفهوم التيار هو من يقود الذائقة إلى نوع معين من القراءة، أما بخصوص الحاضر الذي هو زمن الحرب بالطبع إذا كانت هناك مادة كافية تتوافر على كل الإمكانيات التي تساعد على فهمه، لن يكون هناك حاجة بالعودة إلى التاريخ لمطالعة عيناته لفهم ما يحدث الآن، على الأقل اليوم إن غايات الحروب أو التحولات أصبحت أعمق وأشمل من السابق، وإن العودة إلى نتاج مرحلة سابقة لا يستدعي سوى معرفة سطحية لمرحلة حالية لها شكل وظروف مختلفة، وبالنظر إلى عديد الروايات التي كتبت في زمن الحروب السابقة والتي أرخت لحيوات ومعاناة شعوب مختلفة من العالم فإن الشيء الأساسي في حيويتها الدائمة هو استمرارية زمن العنف ما جعلها نافذة لنا للاستطلاع على الآخر، ربما لأنها أدوات كاملة على أقل تقدير في مستوى التعبير تساعدنا في فهم معاناتنا كقراء، وبالتأكيد هناك الكثير ممن يحرص على بقاء مزاجه وذائقته بعيدين عن الوقائع المؤلمة التي تقدمها كتب عديدة، أنا أيضا أُسميه هروباً من الحقيقة، وفي الوقت نفسه هذه أحقية بعض القراء الذين يرون أن كتابات كهذه لا تمثلهم، ولكن اليوم كما أرى هناك توجه أكبر وملاحقة لكل نتاج يفضح هذه المرحلة الخطرة وتداعياتها، وبالطبع ليس كل ما يطرح الآن هو على مستوى الكارثة وفي العموم الأدب الجيد أو الكتاب الجيد، سواء كان يتحدث عن الحرب أو الحب أو أي موضوع آخر، سيبقى وقتا طويلا عالقا بين أيدي الكثيرين.

 

 

د. يسرى السعيد (سورية):

كتب عباس محمود العقاد: "لست أهوى القراءة لأكتب، ولا لأزداد عمراً في تقدير الحساب، إنما أهوى القراءة لأن لي في هذه الدنيا حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، القراءة وحدها هي التي تعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة، لأنها تزيد هذه الحياة عمقا".

الآن، وقد مرَّ على الحرب الدائرة في سورية ست سنوات، يبدو من الطرافة أن نناقش فكرة القراءة في هذا البلد الذي لم تتوقف فيه رحى الحرب عن الدوران؛ فهل يقرأ السوري حقاً؟ أم أنه يتابع ما يكتب على جدران الشوارع كصدى للحرب حيناً؟ وعلى قنوات الأخبار حيناً آخر؟

إن من يتابع اهتمامات المواطن السوري، سيدرك أن الحرب، وعلى عكس ماهو متوقع، قد منحته زمناً خرافياً للقراءة، لأن حياته تلخصت بين عمل لكسب العيش مجبرٍ عليه، وبين وقت كبير لممارسة نشاط آخر في منزله فرضته عليه أسباب البقاء في منزله، ولسنا نغلو هنا إن اعتبرنا أن ذلك الوقت لم يكن متاحاً خارج زمن الحرب!

لقد حاول الإنسان الذي عاش الحرب أن يملأ ذلك الزمن بالقراءة، ولا ننكر هنا أن تلك القراءة تكثفت حول وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي- ونقصد بذلك مواقع فيسبوك وتويتر ووسائل أخرى-، لكن المسألة هنا ليست تبسيطية أو اختزالية؛ بمعنى آخر: يحاول السوريّ اليوم أن يقرأ الأحداث وما وراءها، ومآلاتها أيضاً.

ومن جانب آخر اتجه المثقفون لإعادة قراءة التاريخ الذي ربما يفسر لهم الأحداث الحالية بالنكوص للأسباب التي يمكن أن تكون وراء الحرب. ألم يقلها فولتير: "‏سُئلت عمن سيقود الجنس البشري؟ فأجبت: الذين يعرفون كيف يقرؤون!". وإن كانت القراءة سابقاً هواية أو متعة يمارسها الإنسان، فهي في ظل الحرب ضرورية ومهمة لمراجعة كل قناعاتنا ونظرتنا للماضي والحاضر والمستقبل.

ولعلَّ نظرتنا اليوم للقراءة ليست نظرة شخصية عابرة فقط، بل هي نقدية، نحاول من خلال ما نقرأه أن نجد مفهوماً جديداً نود طرحه، أو رؤية مستلبة نريد إعادتها، فالكتاب يبقى كما قال طه حسين: "وما نعرف شيئاً يحقق للإنسان تفكيره وتعبيره ومدنيته كالقراءة فهي تصور التفكير على أنه أصل لكل ما يقرأ".

نعم تحاول الحرب أن تملي علينا حياةً جديدة لم نألفها، لكننا ربما نخلق لذواتنا حياة أجمل مع القراءة في زمن الحرب.

 

 

مازن المعموري (العراق):

يبدو السؤال صعبا للوهلة الأولى، لأننا سنحتاج إلى استطلاعات لا حصر لها لمعرفة الواقع، لكننا نستطيع التوقع في مثل هذا الموقف، في ضوء تجاربنا الخاصة كقراء ومتابعين، وفي الحقيقة، فإنني أجزم في ظل تجربة طويلة من زمن الحرب في العراق منذ 1980 وحتى الآن، قد تضاءلت إلى حد لا يمكن تصوره المصيبة التي نعيشها، القراءة لم تعد طقسا يوميا بالنسبة للإنسان العراقي كما كنا نراه في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، وذلك لسبب جوهري يتعلق بغياب الحرية الفكرية وعسكرة المجتمع التي حطمت التقاليد الثقافية وغياب القيمة الاجتماعية للقراءة وكذلك القارئ نفسه، حيث أصبحت القراءة مؤشرا جاهزا لاتهام المواطن العادي بمعاداة النظام الدكتاتوري في تلك الفترة، أما بعد الدخول الأميركي عام 2003 وصعود المد الديني المتشدد (سني/ شيعي) على حد سواء، فقد شهدنا صعود تداول الكتب الدينية والإيمان بالخرافة والعبودية لرجل الدين، كما لو أننا في العصور المظلمة، وهناك مؤسسات تدعم شراء الكتب الدينية لمن يريد من طلاب الحوزات الدينية بإفراط غريب، حيث رأينا الكثير من طلاب المدارس الدينية وهم يدفعون عربات مليئة بالكتب الدينية من معارض الكتب لدعم حركة نشرها وتداولها، في حين تراجع المد العلماني بشكل واضح بسبب الظروف المعيشية الصعبة مقارنة بأسعار الكتب الجيدة.

يعتقد بعضهم أن حراك الجوائز والدعم الإعلامي للروايات يساهما كثيرا في نشر الكتاب والقراءة، والحقيقة أن القراءة لا تتشكل بسبب الإعلام فقط، لكن القراءة بحاجة ماسة إلى واقع متوازن يساهم في دفع الإنسان العادي إلى البحث والتقصي، بمعنى أن هناك أولويات تستدعي الحضور للوصول إلى مستوى القراءة مثل (الأمان/ الاقتصاد/ التربية المدرسية.. وغيرها) وكل تلك العوامل مفقودة بشكل لا يصدق.

مع ذلك، نجد أن هناك إقبالا نوعيا على الكتب الحداثية والأدب غير المؤدلج في الآونة الأخيرة، بسبب ردود الأفعال ضد التيارات الدينية التي تسببت بكل هذا الخراب، وعليه فإني أرى أن الروايات والنصوص الشعرية التي تعالج الواقع قد استقبلها الجمهور العام والخاص بالمتابعة والاهتمام طيلة السنوات الأخيرة. حيث جرى الاهتمام من قبل القراء بالروايات الحاصلة على الجوائز العالمية والمحلية وفرز النماذج الشعرية المميزة التي تعالج ظاهرة الإرهاب والحرب وغيرها.

 

 

نور نصرة (سورية):

أضحت الحرب بالنسبة لنا خبزاً يومياً، نلقُم الفتات بذعر عن أرض اليباس، اعتدنا الموت كحدث مألوف يتدحرج من أعلى سفح الجبل ليهبط على ظهورنا، يرتطم بقوة ليحنينا أكثر كل يوم. كيف ننهض من هذا الجحيم المستعر؟ كيف لنا أن ندرك من أي كتاب أتى كل هذا الموت؟ من أي خلطة عُجن وبأي حبر قُدّس؟ كيف كانت خطواته ثابتة إلينا وكيف نحيد عنه بخلق عالم آخر يوازي الجنون في الخارج؟ كيف نعيد إنتاج الفكر بأدوات جديدة؟ هو النص منه وإليه نعود.

حين يكون الخراب على امتداد النظر، جغرافياً وفكرياً ودينياً، تكون القراءة في البلدان الدامية طريق نجاة لأبنائها فهي هداية لدرب الخلاص، إن احتضان كتاب قد يعزلك عن الخارج وقد يتبرعم بين يديك أزهاراً تبعد رائحة الموت المقيت.

في سورية وبسبب الحصار والعزلة أصبحت المكتبات شحيحة بكتبها، فكانت الكتب الإلكترونية ملاذاً لمن يبحث وينقّب عن بصيص ضوء. لا بدّ لنا من العودة لكتب التاريخ في مراحله المختلفة لنكون على بيّنة مما تركته لنا الحروب في الماضي، فعندما دخل المحتل المغولي مدينة بغداد أحرق مكتبتها التي تعد من أضخم وأهم المكتبات آنذاك، إن الجهل أمر مساو تماماً للحرب، لذلك فالتصدي لها يبدأ من الوعي بأهمية القراءة في زمن رديء. وقد يجد الإنسان البسيط ضالته في الاختباء بين أحد شخصيات رواية ما تتحدث عن حرب بعيدة حتى ليظن أنه هو في الرواية، ولا أحد سواه، ذلك أن الضحايا ومعالم بؤسهم تتشابه لدرجة أنك تتلمس قدمك بعد أن تنتهي من قراءة فصل كامل، وتسرع في التهام ما تبقى لترى ماذا سيفعل بطلك بعد انتهاء الحرب.

 

 

صفاء سالم إسكندر (العراق):

أنا أعيش في بلد دائم الحرب، مشاهدة الخراب/ الموت/ الدم/ من الأمور العادية جدا، ما يجعل ماهية الحرب ثابتة في ذهني، الحرب مثل الماء الحار إن لم تقتلك حرقا، ستصيبك بالحروق، وفي هذه العتمة أنت تبحث عن شيء جاد يقلل ألمك، شيء مثل الأفيون، ربما تبدأ كقراءة هروبية في البداية كما أشرت إلى ذلك في سؤالك، ومن هنا سيكون المنطلق، فالقارئ الجاد والجيد يكبر مثل الشجرة ويثابر.

وعني، أكثر الكتب التي جعلتني أحس بالألم وأنا أقرأها رواية ايفواندريتش (جسر على نهر درينا)، كان مذهلا وهو يؤرخ بصدق، تتبعه في ذلك آغاثا كريستوف العبقرية في روايتها (الدفتر الكبير) (البرهان) وذلك المشهد، أقصد الطفل الذي عبر على جسد أبيه في حقل الألغام من أجل الهروب إلى عالم أكثر أماناً، هذه القدرة السردية العالية على نقل ملامح الحرب إلى كل العوالم مفقودة لدينا نحن العرب، رغم أننا أكثر الأمم حروبا، ولا أعرف لماذا؟ ربما لأننا لا نملك الإرادة الكافية للتعافي مما نحن فيه أولاً، ولأننا لا نملك الصدق الكافي لنعبر عن ألمنا، نعم نحن لا نملك الصدق الكافي لنعبر عن ألمنا.

وعن نوع القراءات في الحروب، فحتماً إنها تختلف، عني شخصياً تخلصت من هذا العجز أو الكسل في القراءة في الوقت الذي تشتد فيه الأمور وتفتك بالبلد، عندما قرأت (التلمذة الفلسفية) لغادامير، كيف استطاع أن يستمر ويصل رغم كل ما كان من حرب، إنها سيرة رائعة لفيلسوف عاش الحروب بكل تفاصيلها.

 

مرح مجارسة (سورية):

قد لا يهتم كثيرٌ من الشباب السوري بالقراءة في ظل ظروفهِ المعيشية القاسية، وقد يهجر الكتاب نسبة كبيرة منهم، خصوصاً أولئك الذين لم يجدوا فيهِ ضالة روحهم التائهة في الحرب. فتقتصر قراءاتهم على فيسبوك ويجدونهُ الوسيلة الأمتع والأسهل للحصول على المعلومة وتكوين القناعات والأفكار ووجهات النظر. وهذا يسهم إلى حد كبير في التشويه أو الانتقاص من شخصيتهِم الثقافية.

وفي المقابل إن الحرب بشكل عام وما حملتهُ من تغيراتٍ وتقلباتٍ على الصعيد السياسي والاجتماعي قد ولّدت وعياً أو يقظة فكرية للشعب السوري الذي بدأت الأسئلة الكبرى تضربُ أطنابها في رأسهِ (ماذا يحصل؟ وكيف؟ ولماذا؟ وإلى أين؟؟).

كثيرٌ من السوريين وجدوا أنفسهم أمامَ الكتابِ كرضيعٍ وجد نفسهُ أمام ثدي إمهِ لأول مرةٍ ينهلُ منهُ ما يسد جوع الأسئلة المتضاربة في رأسهِ، صحيح إذن أن الحرب فجرت فينا المواهبَ فكثيرنا بدأ يكتبُ الشعر والنثر واكتشف نفسهُ في الفن التشكيلي وكذلك الموسيقى كنتيجةٍ لمشاعر الحزن والخيبة والإحساس باللا جدوى وبثقل الهم الوطني الجمعي في داخلهِ.

لكنني لا أعتقد أن القارئ الذي يعيشُ في بلدٍ تجتاحهُ الحروب، غير قادرٍ على التوجهِ في قراءاتهِ سوى نحو الكتب التي تحكي عن واقع الحرب بل هو بالطبعِ بحاجة لقراءة متنوعة وشاملة ولكتب تحمل مواضيع مختلفة في الحب والفلسفة والتاريخ وعلم النفس والاجتماع. ليس فقط على سبيل الهروب والبحث عن نافذة يلقي منها وجهه المتعب من ويلات الحرب. بل هو بحاجة لبرمجة عقلهِ على الربط بين الأسباب المتعددة التي أوصلت البلدان إلى ما هي عليهِ من دمارٍ.

فمثلاً من يقرأ في التاريخ عن نابليون الذي خاض أقسى المعارك القتالية مع الجيش الفرنسي والقصص والحروب الشرسة التي قادها وصراعاته العسكرية السياسية لا يخطر في باله أن نابليون من أعظم عشاق الدنيا وأنبل فرسان الحب وسطر أجمل رسائل الحب إلى عشيقته حتى ولو كان في جبة القتال وسط أصوات المدافع. من هنا إذن لا يمكن للقراءة أن تصبَّ في مصبٍّ واحد فقط، إذ لا بدَ لها أن تضرب جذورها في أرض المعرفة كلها وفي كل الاتجاهات.

نحن نقرأ لأننا نقرأ.. لأننا نريدُ أن نعرفَ ونُشبعَ ذواتنا الجائعة للمعرفة ولنهوّن الأخبار القاسية على نفسنا عن طريق فهمها وتحليلها بعمق.

لا يمكن للحرب أن تقومَ على أساسٍ واحدٍ إذن. الحرب تقوم على أنقاضِ مجموعة قيمٍ متفككة في البلدان، اجتماعية أخلاقية وسياسية واقتصادية، ومن هنا يتجه القارئ لقراءة كل شيء يقع في طريقهِ ويربطه بواقعِ الحال فيكوِّن رؤية متكاملة عن الحرب وعن الإنسانية جمعاء بمفهومها الشامل.

في آذار 2011 كان عمري خمس عشر سنة، وكان كتاب "القواعد الـ 48 في السلطة" للكاتب الأميركي "روبرت غرين" أولَّ كتابٍ أطالعهُ في السياسة عندما اقترحهُ لي غوغل عن أهم ثمانية كتبٍ في علم السياسة. كذلك قرأت "كونديرا" وعلاقته الغامضة بالشيوعية في معظم أعمالهِ الأدبية وما آلت إليه علاقتهُ بها من عداءٍ وكراهية بعد أن اتهم بالعمالة إبان تحررِ فرنسا ونفيهِ إلى التشيك. وأيضاً قرأت "خالد حسيني" برواياتهِ التي تقص أهم تفاصيل الحرب في باكستان والتي تشبه كثيراً وتكاد تطابق حالنا اليوم.

 

 

حميد الشامي (اليمن):

يمكنني القول إن القراءة في ظل الحرب هي نفسها القراءة في غيره، وهناك استثناءات بسيطة بين الطرفين، في غير الحرب قد تكون القراءة مرتجلة أعني يقرأ الواحد منا كل ما يقع بمرمى نظرته ويشكل جزءاً من اهتمامه، بينما في زمن الحرب حيث تقل الإمكانيات المتاحة من وسائل القراءة كأن تغلق المكتبات مثلاً ولا تدخل مجلات أو صحف أو تقام معارض للكتاب ببلدان فيها صراع.

فالقراءة قد تكون محدودة نتاج ما سبق من عوامل عند بعضهم وتتمحور في الغالب حول الرواية التي تشكل باسترسالها الطويل في الحكي، ملاذا أشبه بخدر لذيذ يأخذ القارئ أبعد من واقعه الماكث بالخراب والتوجس.

شخصيا قل اهتمامي في القراءة الشعرية وانصرفت تجاه الروايات والكتب الفلسفية على الرغم من كوني شاعراً، أقرأ الروايات التي لم أقرأها سابقا وتكون لروائيين أهتم بقراءتهم مثل بول أوستر وماريو فارغاس يوسا وموراكامي، لكنني أدمنت خلال هذه المرحلة قراءة إدغار آلان بو بعمق أكثر لسبب ما.

وعن الكتب الفلسفية أقرأ لمن لم أقرأ لهم من قبل دون تحديد، يحدث هذا باستخدامي للكتاب الرقمي الـPDF الذي يمنحني حيزاً أوسع للاختيار والصحبة السهلة معه.

في زمن الحرب: قد تقرأنا الكتب ومشتقاتها أكثر مما نقرأها نحن؟ وهذا هو الفارق.

المصدر: 
موقع الضفة الثالثة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.