القرصنة الفكرية

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

القرصنة الفكرية:
أهي ضرورة للإبداع، أم مقصلة لإعدامه؟‍‍!!

محمد عدنان سالم

ثقافة الاستباحة لحقوق التأليف، هي السائدة في المجتمع العربي بكل شرائحة؛ بدءاً بالقارئ والمستخدم،ومروراً بالجامعة والمؤسسات الثقافية،ووصولاً إلى أجهزة القضاء.

* قرصنة الأفكار: بكل أشكالها وألوانها وأطيافها، تشكل 75% من حجم تداول الإنتاج الفكري في الوطن العربي.

* قوانين حماية الحق الفكري في العالم العربي، والاتفاقات الدولية المبرمة معه؛ لا تزال كلها حبراً على ورق أمام أحابيل شبكات القرصنة وحيلها للإفلات منها.

* حركة القراصنة في رصد المنتجات الثقافية الرائجة للسطو عليها، وحرمان مبدعيها من حقهم في استثمارها، أسرع بكثير من حركة الإبداع والمبدعين.

* التكنولوجيا في أيدي القراصنة أطوع بكثير لفك الحمايات،منها لتثبيتها في أيدي منتجي البرامج.

****

دعاوى، قد يُظن بها المبالغة؛ لكن لنا على كل منها ألف برهان مما يجري على أرض الواقع، يمكن تقديمه لمن يشفق على القرصنة ويحسن بها الظن، وبعض الظن إثم..

ولن أتردد في المسارعة إلى القول: بأن ثقافة استباحة حقوق التأليف والاختراع، وعجزَ المجتمع العربي عن مكافحة القرصنة، بله تصفيقه لها، هما المسؤولان عن تخلفه، وكلالتِه، وعجزه عن النهوض من عثرته التي طال أمدها، ونضوبِ إبداعه، وتفاقم مظاهر القحط والتصحر والركود لديه..

لكن ثقافة استباحة حق المؤلف سرعان ما تهب للدفاع عن نفسها:

فيتشبث بعض المتفيهقين بنصوصٍ يضعونها في غير مواضعها؛ مثل قولهم: إن العلم مشاعٌ كالكلأ والماء والهواء، وإن العلم شهادة من يكتمها فإنه آثم قلبه، وإن تقاضي الأجر على العلم من المحرمات، ويبادر كثير من العلماء إلى تفنيد هذه الفهوم الخاطئة، ويصدر مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة العالم الإسلامي قراره رقم 5/د بتاريخ 5/9/1988 ليؤكد أن " حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها".

وينبري بعض المثقفين؛ بدعوى الحداثة والاشتراكية وضرورات التقدم، ليؤكدوا حقهم في الحصول على المعرفة بكافة الطرق والوسائل المتاحة، بما في ذلك ترجمة أعمال الآخرين من دون إذن، وتتأجج حمى المشاعر القومية لدى البعض منهم، فيقدم لنا من المسوغات بين يدي سرقته لأعمال الآخرين ، أن هؤلاء سبق لهم أن سرقوا تراثنا وثمرات أفكارنا *يعني أفكار أجدادنا، التي عجزنا حتى عن إعادة إنتاجها).

وتستبيح وزارات للثقافة وللتعليم العالي، وجامعات ومعاهد رسمية، إعادة طباعة كتب برمتها؛ ليس لمؤلفين أجانب فقط، وإنما لمؤلفين أحياء يرزقون، من بني جلدتهم، وفي بلدهم، بذريعة احتياجاتها التعليمية، لتقديمها لطلابهم.

وتقوم مراكز وأكشاك على أبواب الجامعات ومراكز التعليم، لتسطو على محاضرات الأساتذة فتطبعها، وعلى فصولٍ من كتب، وأحياناً على كتب برمتها فتصورها، وتقدمها للطلبة فخورة بأنها تسدي خدماتها(المأجورة طبعاً) للطلبة، وتخدم العلم الشريف.

****

ولن أتردد كذلك في المسارعة إلى القول لهؤلاء جميعاً بملء فمي:

* إن سرقة الأفكار لم تستطع أن تجعل منا مفكرين، وإن القرصنة لا تنتج إلا مبدعين في القرصنة، وإن اللصوصية قيمة سالبة لا تتمخض إلا عن قيم سالبة، وإنك لن تجني من الشوك العنب.

* وإن كل ما تلبسونه من مسوح الرهبان، ودعاوى خدمة العلم، ما هو إلا تغطية مكشوفة لأموال حرام تملؤون بها جيوبكم.

* وإن للفقير المدقع، من أجل تحصيل يسيرٍ للعلم والمعرفة طرقاً شريفة، وأبواباً مفتحة للتفاوض وإبرام الاتفاقيات الثنائية، والاستفادة من الاتفاقيات الدولية، وما تتضمنه من استثناءات كمفهوم النشر الإجباري والترجمة الإجبارية بالسعر العادل، استطاعت الجامعات السعودية بواسطتها الحصول لطلابها على تخفيض بلغ 90% من قيمة برامج مايكروسوفت.

* وإن حرمان المبدع من حقه في استثمار إبداعه اقتصادياً، في عصر اقتصاد المعرفة، وتصاعد العمالة الفكرية على حساب العمالة اليدوية، يقتل فيه روح الإبداع، ويخرجه عن خط إنتاج المعرفة.

* وإن السطو على أعز أعمال الناشر عليه، مما خطط لإنتاجه، وحشد له المفكرين والمبرمجين ، وأنفق عليه الملايين، سوف يحبط الناشر الجاد، وينشئ في المجتمع جيلاً بديلاً من الناشرين يتقنون فنون التقليد والتكرار والاجترار، وإنتاج الغثاء، وتزيين الطلاء.

* وإن ابتلاء أي مجتمع بلوثة القرصنة، سوف يدفع بمفكريه وأدمغته إلى الهجرة بحثاً عن متنفس لها في جو أكثر احتراماً لإبداعهم وحماية لهم، ولسوف يجدون على الشاطئ الآخر من ينتظرها، ويتسابق إليها، ويتودد لها، ويغريها.

* وإن مبدأ المعاملة بالمثل، يقضي بإعطائك من تسرق منه الحقَّ في سرقتك، ولا يفعل ذلك إلا من كان مفلساً ليس عنده ما يخاف عليه.

* ولمن يستبيح حق المبدع الأجنبي أقول: إن المبدع الوطني أكثر تضرراً من القرصنة من المبدع الأجنبي، في مجتمع يألف القرصنة ويستسيغها.

* ولسوف تحرم القرصنة الدخل القومي من موردٍ هو الأهم في الميزان التجاري للدول اليوم، في عصر اقتصاد المعرفة.

* ولسوف تؤدي إلى زعزعة ثقة العالم بنا، ونحن في عصر العولمة، الذي يستحيل فيه على أحد العيش في جزر منعزلة.

* ولسوف يكون المستهلك؛ قارئاً لكتاب أو مستخدماً لبرنامج، أول المتضررين من القرصنة، لأن السعر الأرخص الذي فرح به، فضلاً عن كونه على حساب المؤلف، فإنه على حساب الجودة، وحرصُ المقلد على استخدام الأردإِ والأدنى من المواد، وعدم مبالاته بقواعد الحماية من (الفيروسات)، وعدم التزامه بتقديم الخدمات والإصدارات التالية المحسنة له.

****

وأتساءل:

* هل أضحت القرصنة ضرورة من ضرورات التنمية الثقافية لدى بعض المتفلسفين؟! مثلما زعموا أن الفساد أصبح ضرورة من ضرورات التنمية الشاملة؟!

* هل يُنْتِجُ الفسادُ إلا الفسادَ؟! وهل ينجم عن الغي الرشاد؟

* إن مسألة الاحترام لحقوق المؤلف مسألة أخلاقية قبل أن تكون قانونية، ولن يستطيع أحد أن يفرض أفضل قوانين الحماية على مجتمع لا يحترمها ولا يؤمن بها.

-وإنها في الوقت ذاته مسألة حضارية، فلن تجد في مجتمع متحضر طفلاً يقبل بأن تمتد يده إلى منتَج مقلَّد، قبل أن يسارع إلى أقرب مخفر للشرطة يستنجد به لضبط هذه الجريمة، فسرقة الأفكار في نظره لا تختلف عن سرقة المتاع، إن لم تكن أشد منها خطراً.

* ولن يتحول مجتمع من ثقافة استباحة الحرمات إلى ثقافة الالتزام بالحقوق وأداء الواجبات، بمجرد إصدار القوانين، والتلويح بالعقوبات الرادعة.

*إن هذا التحول يحتاج إلى جهد جماعي أهلي وحكومي، تتضافر عليه مؤسسات تربوية وتعليمية وإعلامية ومهنية، يضع استراتيجية واضحة الأهداف والمعالم، محددة المراحل والوسائل، يسهر على تطبيقها مجلس قومي تنبثق عنه لجان فرعيه للتنفيذ وللمتابعة.

وهذا وما فعلته الصين، كما بدا ذلك واضحاً في كتابها (الأبيض) الذي أصدره مجلس الدولة الصيني في بكين يوم 21/5/2005 بعنوان ( تقدم جديد في حماية حقوق الملكية الفكرية في الصين) يقع في حوالي 40 صفحة، وقد جاء في مقدمته: " إن نظام حقوق الملكية الفكرية هو نظام قانوني أساسي؛ لدفع التنمية الاقتصادية، والتقدم الاجتماعي، والإبداع العلمي والتكنولوجي، والازدهار الثقافي للبشرية".

هلا طلبنا العلم والعمل من الصين، التي لم تعد نائية عنا في عصر العولمة والاتصالات؟!

أتطلع إلى أن يضطلع اتحاد الناشرين العرب بهذه المهمة الطموحة، بعد أن يئست من الإجراءات الرسمية؛ الإدارية منها والقضائية، التي لم نحصد منها إلا تفاقم القرصنة ومزيداً من التخلف وضمور الإبداع.

وآمنت أن القرصنة مقصلة تجتز براعم الإبداع قبل تفتحها، لتقضي على كل أملٍ بالإصلاح أو التقدم، ولن تأتي بخير.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.