الكتاب بين ضرورات عصر المعرفة

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

الكتاب بين ضرورات عصر المعرفة
وبقايا عصر الصناعة

الأستاذ محمد عدنان سالم

22/07/2005

ويحين الموعد مع دورة جديدة لمعرض الكتاب الدولي في مكتبة الأسد، هي الثانية والعشرون التي تنعقد في غمرة عدوان إسرائيلي غاشم على لبنان وفلسطين معاً، يمكن أن يحتل لقب العدوان الأكثر همجية ووحشية وخروجاً على القوانين الدولية والقيم الإنسانية، بما يمارسه من تدمير وتشريد وقتل؛ يستهدف المدنيين العزل شيوخاً ونساءً وأطفالاً، يتصيدهم في منازلهم، وفي وسائط النقل، وسيارات الإسعاف، ومشاة ًعلى جسر يعبرونه فراراً من القصف والدمار والخراب..

يمضي في عدوانه الهمجي وسط مباركة أمريكية تبرره، وصمتٍ دولي يستمتع بالمشهد، وكأنه في مباراة رياضية للمصارعة الحرة، وتخاذل عربي رسمي مؤلم ومخجل يبلغ حد الاتهام بالتواطؤ، عندما يستقبل ممثلي العدو؛ يصافحهم في اللحظة ذاتها التي تُسقط طائراته عشرات الأطنان من القنابل على إخوانهم وأطفالهم ومنازلهم وبناهم التحتية.

ويتساءل البعض؛ ماذا يمكن للكتاب أن يفعل في مواجهة القوة الحربية العاتية لعدو لا يعرف للقيم الإنسانية معنى ولا يقيم لها وزناً.

فيجيب ليف فلاديمير: " لا يوجد في الدنيا ما يستطيع أن يولد من الطاقة ما يولده كتاب صغير". من المؤكد أن فلاديمير لم يكن يعني أن يستخدم المرء الكتاب دريئة يتقي بها وطأة الضربات الجوية، ولا حرزاً يصرف عنه السوء والأذى.

ما كان يعنيه فلاديمير؛ أن الطاقة الجبارة التي يمكن لكتاب صغير أن يمد بها المجتمع القارئ؛ ستجعله أكثر وعياً وأشد متانة وأصلب عوداً وأكثر فعالية وقدرة على صد أي عدوان، وإحباط أي مكيدة، ومواجهة أي مؤامرة تدبر له بليل، صفاً واحداً كالبنيان المرصوص..

كم سيكون هذا المجتمع القارئ عصياً على الاختراق؟!

على العكس من المجتمع الصدئ، العازف عن القراءة، المنشغل عنها بسفساف الأمور؛ وقد عطل عقله، ومنحه إجازة طويلة الأمد، مسلماً نفسه للأقدار تتصرف به كما تشاء، ليتحول إلى منفعل غير فاعل، بكل ما يتسم به الانفعال من عفوية وعشوائية ومزاجية، يتصرف كالإمعة بلا وزن ولا مبادرة.. كم سيكون هذا المجتمع غير القارئ هشاً مهلهلاً قابلاً للاختراق؟! كم سيكون مصيره محزناً حين يكتشف عدوه هشاشته في وقت مبكر من الصراع، كما فعل موشيه ديان حين أنكر عليه قومه نشر مخططاته فطمأنهم على أن العرب لا يقرؤون؟!

خسئ ديان!! لئن استغل وقومه فرصةً تراخت فيها أيدي العرب والمسلمين عن الكتاب، فإنما هي غفوة عابرة مهما طال أمدها، لا بد أن يصحوا منها على وقع نداء (اقرأ( الذي ما زالت أصداؤه تتردد في أسماعهم منذ أن صاح به أمين الوحي جبريل في غار حراء، واهتز له كيان الرسول النبي الأمي فراح إلى أهله يرتجف به فؤاده ليزملوه ريثما يهدأ روعه، ثم ينطلق ليبني به أمه (اقرأ(، وليؤسس بالقراءة حضارةً؛ ما زال الغرب يرتعد منها خوفاً وهلعاً، حتى وهي في أشد حالات وهنها وكلالتها، فيختارها -عبر مفهومه لصراع الحضارات- لتكون عدوه المقبل بعد فراغه من تفكيك الاتحاد السوفييتي، وذلك من بين كل الحضارات التي قد تكون أكثر تهديداً له لما يعلم من مخزونها الفكري الغني، الذي يفوق مخزونها النفطي.

سوف يقوم معرض الكتاب في موعده وحسب برامجه، على الرغم من كل الظروف المؤلمة التي خلقها العدوان المستمر الأكثر وحشية وهمجية على لبنان وفلسطين، ليؤكد عزم أمة اقرأ على استعادة دورها الحضاري، وقدرتها على تكرار تجربتها الفذة تحت راية (اقرأ( بأسرع مما يتصور المتربصون.

-لأن الإنسانية في أزمتها الراهنة أحوج ما تكون لحضارة القيم؛ قيم العدل والحق والخير والمساواة بين الناس؛ تعيد إليها مكتسباتها التي حققتها خلال قرون من المعاناة والتجارب المريرة، ثم فقدتها دفعة واحدة على يد النظام الدولي الجديد بكل ما يتسم به من تفرد وتمييز وأنانية وأثرة واستعلاء وبطش وهمجية وتزييف إعلامي.

-ولأن الإنسانية تجتاز الآن بسرعة مذهلة منعطفاً حاداً يتحول بها من عصر اقتصاد الصناعة، بما يعتمد عليه من رأس مال وعمالة يدوية وتكنولوجيا تنتج صناعات ثقيلة وترسانات أسلحة، إلى عصر اقتصاد المعرفة؛ بما يعتمد عليه من معلومات وعمالة فكرية تنتج برامج وأفكاراً.

-ولأن من طبيعة التحولات الإنسانية الكبرى، أن يقودها الرواد المغامرون الذين يتطلعون إلى المستقبل، ويتخلف عنها المتشبثون بقديمهم من المحافظين الذين يعيشون على أمجاد الماضي.

- ولأن من طبيعة المنعطفات الحادة- حين يجتازها الإنسان بسرعة كبيرة- أن تخل بتوازنه وتضعف من سيطرته على المقود إلى أن يستوي به الطريق ويأتلف مع شروطه الجديدة.

-ولأن تاريخ التقدم الإنساني؛ الماضي في طريقه لأداء الأمانة التي تصدى لحملها من دون السماوات والأرض والجبال، غير مبالٍ بالانتكاسات العابرة؛ التي يتولى كبرها المحافظون والمهزوزون؛ يرميها في حاويات الإهمال، ولا يحفل إلا بالرواد المناضلين الشرفاء الذين يسهمون في صنعه.

-ولأن الفكر هو رأس مال الإنسان في عصر المعرفة القادم، والفكر موزع بين الأمم بالتساوي، ليست أمة فيه هي أربى من أمة، مما يضع الأمم كلها على عتبة سباق واحدة، أمام فرص متكافئة، يفوز فيه من كان أكثر إعمالاً لعقله.

-لذلك كله، وعلى الرغم من حلكة الظلام وكثافة الدخان المنبعث من أسلحة الدمار التي يحاول فيها أعداء الإنسانية طمس معالم تقدمها، وعرقلة سيرها نحو هدفها الأسمى.

فإني أرى الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى، وألمح التاريخ- بأم عيني- يتأهب لاستقبال أمة العدل والخير والحق والمساواة ، يفتح لها صدره، يدعوها للنهوض من كبوتها، واستئناف رسالتها الإنسانية من جديد.

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.