اللغة مسبار الشعوب والعربية تسبق السامية والتوراتية

الاثنين, December 1, 2014
كاتب المقالة: 

        إشكاليّات عدة تدور حول تاريخ العرب وجغرافيتهم، وتساؤلات عن اللغة العبريّة وموقف الباحثين العرب من دراستها، وما يردّده العلماء الصّهاينة بأنّها من أقدم اللغات، وأنّها تسبق اللغة العربيّة، وأبحاث عن أنواع أو أشكال الكتابة في الأبجديات القديمات، كل تلك المحاور تناولها الباحث الدكتور محمد بهجت قبيسي- المنسق العام للاتحاد العام للآثاريين العرب في سورية في محاضرته (تاريخ العرب وجغرافيتهم) التي ألقاها مؤخراً في مبنى القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي بمناسبة مرور 4354 سنة على ذكر العرب في النقوش الكتابية الأثرية.

بدايةً، أوضح قبيسي أستاذ اللغة الآرامية والكنعانية في بعض الجامعات العربية، أن هناك خرافات تصور الشعوب التي سكنت المنطقة كالأكاديين والفينيقيين والكنعانيين بأنها شعوب غير عربية وأن الفتح الإسلامي أتى بالضيوف العرب إلى المنطقة، وهذا زيف تاريخي افتراه النمساوي «شلاوزر» حتى بدأ باستخدام لفظة الشعوب السامية بغية إعطائها سمة غير عربية.

ولفت الباحث قبيسي إلى أنه قام بتعرية هذا الوهم في كتابه «اللهجات العربيات» وقدم الأدلة من الرقم والمخطوطات المادية لإثبات أن الآرامية والبابلية والسريالية وغيرها لهجات عربية وأن تفاوت بعضها واختلافه عن المألوف العربي هما مسألة لهجات فقط.
كما أشار الدكتور قبيسي إلى أن فلسفة التاريخ تعتمد على المنطق أولاً ثم المنهج التجريبي ثانياً، ووحدة اللغة والجغرافيا أو المادة التاريخية ثالثاً التي يجب أن تخضع لعدة تجارب، أولاها معرفة الحرف وأشكاله، ومكان وجود النقش، لافتاً إلى أن هناك من أتى على ذكر نقش (عرب ملوكا وعرب مكان) وهو اليهودي «إسرائيل ولفنسون»، وقد حقق ودقق وراجع كتابه العالم «أنو ليتمان» مفنداً الكثير في كتاب «ولفنسون»، (اللغات السامية) ولم يتطرق إلى هذا النقش بالنقد، وهذا دليل على صحة نقش (عرب ملوكا وعرب مكان).
أما المنهج الثاني الذي تناوله د. قبيسي فهو (المنهج التجريبي ) الذي حدد فيه أن أسماء المدن والقرى والأماكن في الوطن العربي تحمل ثلاثة مداليل لا رابع لها فنجد أن 80% من الأسماء تقريباً تحمل معنى طبيعياً (مناخياً أو طبوغرافياً) كاسم (جسرين)، و 10% من الأسماء تقريباً تحمل معنى دينياً كاسم (بابل، رام الله)، و10% من الأسماء تقريباً تحمل معنى عسكرياً كاسم (دمّر، تدمر، حرستا).
أما المنهج الثالث الذي تطرق له فهو (وحدة اللغة والجغرافيا)، إذ بين أن اللغة هي كشاف ومسبار الشعوب، متسائلاً كيف حدّد لنا المستشرقون الشعوب الآرية، والشعوب الحامية، والشعوب السامية، حسب مبدئهم؟ فأجاب: قطعاً من وراء اللغة، وقد عدوا السنسكريتية هي هندوأوروبية، فإذا أخذنا موضوع الإنتربولوجيا (الأناسة) فشكل الإنسان الأوروبي علمياً لا يتوازن مع الإنتربولوجيا في الهند. إذاً، اللغة هي مسبار وكشاف الشعوب.
وعرض القبيسي نقوشاً مكتشفة في أوروبا مكتوبة باللغة الآرامية والكنعانية وفسر كلمات وأسماء مدن وقرى مكتوبة باللهجات العروبية والأمازيغية الأمر الذي عده مؤشراً على وحدة اللغتين وقال: إن أكثر مفردات اللغة الأمازيغية كنعاني الأصل.
وفي محور آخر تحدث قبيسي عن حقيقة اللغة العبريّة التي لم يكن لها وجود أو تاريخ قبل القرن الثالث قبل الميلاد، مؤكداً أن كلمة «سامي» هي توراتيّة ولم نجدها في النقوش المصرية القديمة أو غيرها من اللغات سواء كانت كنعانيّة أو آشورية، وربما جاء إطلاق البعض وصف «الساميّة» على العرب نتيجة تقصير الباحثين العرب في إبراز أن العرب ليسوا ساميين كما يقال عنهم. متسائلاً كيف يمكن أن نطلق صفة السامية على العرب، في الوقت الذي ظهرت فيه كلمة «عرب» في نقوش الألف الثالث قبل الميلاد، وأكدت ذلك نقوش أكادية، وآراميّة، بينما ظهرت لاحقا السامية في التوراة، وهو ما يؤكد أن العربية كلمة أصيلة وتسبق السامية والتوراتيّة، والنقوش التي وردت فيها العربية كانت تعني النور أو المياه، أو الفصحى كما كانت في النصوص الكنعانية، واتخذت في النقوش الآرامية معنى الأمطار، وفي نقوش أخرى طواحين المياه، في مقابل ذكرها في الفكر التوراتي بالبداوة والصحراء.
وفند الباحث نشأة العربية وكيف انتشرت بين سكان القبائل الآرامية والكنعانيّة وغيرها، حيث سمى الآراميون أنفسهم عرباً في دولة «عرابايا» شمال العراق، وتم تشكيل مملكة «عربيا»، وهناك مملكة ميسان ومملكة حد زاد، إلى أن انتشر الاسم (عربي) وبدأت الهوية تسبق الاسم، عندما دخل الأجنبي المنطقة، ولذلك اضطر الناس إلى التسمية «عربي» و«غير عربي» للتمييز بين سكان البلد الأصليين والغزاة.
بعد ذلك تناول الدكتور قبيسي الحديث عن خط الجزم ثم ملامح في فقه اللهجة العربية المعلولية، مبيناً أن خط الجزم هو الخط الذي نستعمله اليوم (متطوراً) في كتاباتنا، وقد استعملته العدنانية العربية واللهجة المعلولية.
وأورد المحاضر عدداً من النقوش المكتشفة في سورية التي تؤيد ما ذهب إليه عن خط الجزم، وهي نقش أم الجمال – جنوب درعا (250م) تقريباً وهو نقش كنسي، ثم نقش (ذَبَدَ) عام (512م) وهو نقش كنسي أيضاً. ثم نقش حران الكنسي، وهو مكتوب على كنيسة بحرّان اللجا (جبل حوران) سنة (271م)، ثم نقش أم الجمال الثاني، ‏ومن هنا فإن حرف الجزم العربي نجده في الشمال أيضاً (سورية) ولم نجده في الجنوب، واسم عدنان وجدناه في الشمال ولم نجده في الجنوب.‏
كما تحدث الدكتور قبيسي عن مقاربة التطور اللغوي-الكتابي في منطقة المشرق العربي، مشيراً إلى أنه يجب أن نفرق بين اللغة والكتابة، فاللغة شيء والكتابة شيء آخر، ويجوز أن تكتب اللغة العربية الفصحى بخط لاتيني وتسمى لغة عربية.
وأكد القبيسي في ختام محاضرته ضرورة تصحيح التاريخ من خلال إعادة قراءة النقوش القديمة لإيضاح الحقائق العربية التي يريد البعض في الغرب طمسها.

المصدر: 
صحيفة تشرين
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.