المجتمع: ذلك البعد الغائب

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

محمد عدنان سالم

المؤتمر العربي الدولي لحقوق النشر

والملكية الفكرية 27و28/1/2007

  

الإشكالية المزمنة

في وطننا العربي؛ ما إن تذكر إشكالية الحماية لحقوق الملكية الفكرية، بوصفها أبرز معايير التقدم والتشجيع على الإبداع والابتكار؛ حتى يهرع المشفقون عليها إلى الحكومات والأجهزة الرسمية يحثونها على استصدار المزيد من القوانين والتوقيع على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بها. ومن ثم يخصونها بالتواصل والرعاية، بوصفها مصدر الحماية.

 

ولقد استجابت معظم الدول العربية إلى هذا النداء الحميم، فلم يبق بلد من دون قانون للحماية ، أو اتفاقية دولية بشأنها قد وقع عليها.

غير أن حرقة المشفقين على حماية الحق الفكري، والاتفاقيات والقوانين الصادرة تلبية لها، لم تغير في ميدان التطبيق شيئاً..

فعلى أرض الواقع ما نزال نرى الاعتداءات الصارخة على حق المؤلف تتفاقم على نحو تصاعدي، وتستعلن متحدية بعد أن أن كانت تستخفي مستخذية..

تطور أساليبها مستفيدة من تقدم التكنولوجيا، أكثر من استفادة المنتجين الشرعيين، حتى غدت مقولة (التكنولوجيا تحمي التكنولوجيا) وهماً استبدل به بتحد (التكنولوجيا تفك حمايات التكنولوجيا).

وتلتف على القوانين، مستفيدة من قصر باعها عن مواكبة التطور من جهة، وعن مواجهة حيلها البارعة من جهة أخرى، فما إن يصدر قانون للحماية حتى يكون التطور التكنولوجي المتسارع والاحتياطات المتخذة للإفلات من قبضته- بالإضافة إلى بيروقراطية القضاء وبراعة محامي الدفاع – قد سبقاه لجعله حبراً على ورق، لتتعالى صيحات تحديثه من جديد.

هكذا يبدو لي أن الأولوية في حل إشكالية الحق الفكري ليست للقوانين؛ فالقرصنة أمهر وأسرع في ابتكار أساليب الالتفاف عليها والإفلات من قبضتها من كل تحديثاتها..

وليست للحكومات وأجهزتها القضائية والإدارية؛ فأكثر القوانين تشدداً وحداثة لا يمكن تطبيقه في مجتمع لا يؤمن بقداسة الحق الذي يحرسه ذلك القانون.

ويبدو لي كذلك أن جهودنا لحماية الحق الفكري، لخطأ في وجهتها، قد منيت بالإخفاق، حتى باتت إشكالية مزمنة عجزنا على مدى أكثر من نصف قرن عن تقديم حل لها فراحت تستشري في جسدنا الثقافي، وتنذر بالخطر الوبيل.

* قبل ستين عاماً، نقرأ في عدد أبريل لعام 1947 من مجلة الكتاب (المصرية) أن اللجنة القانونية في الجامعة العربية قد وضعت مشروع قانون لحماية الملكية الأدبية والفنية، ونوهت بأهميته البالغة في تنمية الثقافة، ثم ظلت حمى قوانين الحماية بعد ذلك تترى، يصحبها تفاقم متصاعد أشد تحدياً واستهتاراً في الاعتداء عليها.

* وقبل حوالي أربعين عاماً من صدور قانون حماية حق المؤلف رقم 12 لعام 2001 في سورية، نعثر في سجلاتنا القضائية على حكم صادر عن محكمة الجزاء (الغرفة الثانية) في مدينة حلب- برقم أساس 270 وتاريخ 5/8/1965- بحبس الناشر المعتدي سنة واحدة وتغريمه 50 ل.س. وتغريم مساعده المحقق المدلِّس 200 ل.س وتغريم الطابع 100 ل.س، ومصادرة الكتاب المقلد، وإلزام المعتدي بدفع مبلغ 5000 ل.س. للمدعي الشخصي مقابل ما سببه له من عطل وضرر، لأنه المالك الوحيد لحق طبع الكتاب ونشره وتوزيعه، ثم عدلت محكمة الاستئناف عقوبة الحبس إلى غرامة 200 ل.س . ورفضت محكمة النقض طعن المعتدي بإجماع الآراء فاكتسب الحكم الدرجة القطعية بتاريخ 30/9/1967. وكان ذلك كله استناداً إلى الأحكام العامة المبثوثة في قانون العقوبات وقانون التجارة قبل صدور القانون الخاص بحق المؤلف.

واليوم؛ في ظل قوانين الحماية المستحدثة، واتفاقيات الحماية العربية والدولية، وضجيج الندوات والمؤتمرات، تعجز الدوائر القضائية في مصر- بله غيرها من الدول الأقل حداثة في تشريعاتها – عن البت في أكبر عملية قرصنة في تاريخ النشر، ضبطتها أجهزة الأمن المصرية، وصادرت فيها كتباً مزورة نقلتها في خمس شاحنات، تعود حقوق نشرها إلى عشرة ناشرين مصريين وسعوديين ولبنانيين وسوريين، ثم قادت المزور متلبساً بجريمته إلى النيابة التي أحالته بدورها إلى القضاء.

كان ذلك في عام 2003، وفي عام 2004 أعاد القرصان المتهم الشاطر الكرَّة-وقضيته الأولى ما تزال أمام القضاء- ليسطو هذه المرة على الكتب ذاتها التي ما تزال متحفظاً عليها، ولكن بحيطة أكثر هذه المرة مكنته من إخفاء معظم عناصر الجريمة، ما عدا أطراف منها تدل على فداحة حجمها، ثم أعادها ثالثة عام 2005، وقد أصبح من التمرس والإفادة من تجاربه بحيث يتمكن من التواري وطمس آثار الجريمة، فلا يظهر منها إلا روائحها النتنة التي تفوح مما انتشر في أيدي الناس، أو تفرق في الأمصار من نسخها المزورة، أو دُسَّ في المكتبات للبيع من تحت الطاولة.

ولسوف يتابع المتهم فعلته وتتكدس القضايا ضده، في ظل نظام قضائي معقد وإغضاء اجتماعي مشجع، ليؤكد أنه الأقوى.. أقوى من الدساتير والقوانين والمحاكم وأجهزة الأمن، ورجال الضابطة العدلية وشرطة المصنفات، ودوائر الحماية في وزارات الثقافة، ولجان الحماية في اتحادات الناشرين، ومن كل القضاة والمحامين والكتّاب والغيورين على مستقبل الثقافة..

أليس ذلك دليلاً على عقم التوجه بالحل إلى الظواهر وإهمال النظر في الجذور والبواعث؟! ما جدوى رش البعوض بأطنان المبيدات الحشرية، إذا كانت بيوضه مسترخية على ضفاف المستنقع ما تلبث أن تفقس بأعداد أكبر، أليس تجفيف المستنقع هو الأجدى؟!

أولوية الثقافة والمجتمع

* " بفضل الله تعالى ، يحتوي موقع (الوقفية) على ما يقرب من ربع مليون صفحة مصورة ضوئياً، ستصل بإذن الله إلى نصف مليون صفحة عند نهاية عام 2006، يعرضها الموقع لتعميم الفائدة لطلبة العلم في كل أرجاء العالم بعيداً عن أي غرض تجاري.. حلمه أن يرى جميع المراجع الأساسية لطلاب العالم متاحة مجاناً، ليستفيد منها الفقير وغير الفقير في جميع أنحاء العالم.

ولقد أخذ موقع المكتبة الوقفية على عاتقه عدم نشر أي كتاب إلا بعد مرور سنتين على صدور طبعته الأولى؛ وهذه هي المدة المتعارف عليها لتسويق الكتب، وذلك تفادياً للإضرار بالمؤلف وبالناشر".

بهذا النص قدم موقع المكتبة الوقفية على الإنترنت www.waqfeya.com نفسه للجمهور، متخذاً من حسن نيته ومقاصده الشريفة غير الربحية في نشر العلم، ذريعة لاستباحة الحقوق الفكرية، والسخرية بكل القوانين والشرائع.

وأعتقد أنه بهذه الصفة الوقفية التبرعية، سوف يتلقى الدعم المالي من المجتمع لتشغيل موقعه والسطو على المزيد من الصفحات ، وإتاحتها مجاناً للجمهور، متكرماً بمنح فرصة استثنائية لأصحاب الحق الفكري مدة سنتين من تاريخ النشر الأول، بدلاً من الخمسين سنة من تاريخ وفاة المؤلف، والتي ترتقي بها بعض القوانين إلى 75 سنة.

ومباركة المجتمع لهذه المصادرة لحق المؤلف، لا تقتصر على هذه الوقفية التي تتيح الأعمال الفكرية للجمهور مجاناً ، بل هي تنسحب على قرصنة الكتب والبرمجيات ربحياً، وتقديمها بسعر مخفض أسقط من حسابه حق المؤلف؛ يعدها المجتمع خدمة للعلم الشريف، تذهب بكل ثمرات الإبداع إلى جيوب القراصنة، لتحرم المبدع الحقيقي منها.

ومن دون أي مناقشة لصحة هذا السلوك الاجتماعي، والضرر الذي يعود به على مستقبل الثقافة والإبداع، والمستوى الحضاري والأخلاقي الهابط الذي يسم به المجتمع، فإن علينا أن نعترف أن هذا السلوك إنما يعبر عن ثقافة مستقرة في الضمير، توفر للقرصنة كل فرص الحماية من سطوة القانون؛ إغضاءً وتستراً وتشجيعاً وترويجاً وأفضلية في التعامل، بعد أن وفرت له الغطاء الأخلاقي اللازم لإراحة ضميره، إزاء سرقة الأفكار؛ فاستهلاك المعرفة حق للإنسان والعلم مشاع بين البشر كالكلأ والماء، أما إنتاج المعرفة فواجب لا يليق بالإنسان المنتج له أن يتكسب به، فعليه أن يأكل من عمل يده لا من عمل فكره.

ونتيجة لهذا الفهم رتب المجتمع حقوقاً لعمل اليد أحاطها بسياج من الاحترام يصونها من الاعتداء عليها، لم يرتب مثلها لعمل الفكر، فأصبح ضمير المجتمع يهتز لسرقة الأشياء ويدينها ويرحب بإقامة الحد عليها، ولا يهتز ولا يخامره أي شعور بالإثم إزاء سرقة الأفكار التي يرى فيها خدمة اجتماعية جليلة تيسر له سبل المعرفة.

وفي ظل هذه الثقافة، تقبل المجتمع حماية الحقوق الفكرية المترتبة لبراءات الاختراع وللرسوم والنماذج الصناعية وللعلامات التجارية على الرغم من أنها تستمد قيمتها من الإعلان والدعاية المركزة، فإذا به يتقبل ببساطة حماية علامات نستله وكوكاكولا وليبتون ومالبورو، وكلها حقوق ملكية صناعية يتم استثمارها مادياً بشكل يتجاوز حدود المعقول، ولم يتقبل حماية الحق الفكري المترتب للإبداع العلمي والأدبي والفني من المصنفات في العلوم والآداب والقصة والشعر والمسرحيات والموسيقا والرسوم والمنحوتات، ولم يدخل في وعيه أبداً أن هذا الإبداع إنما هو نتاج عمل فكري أسمى وأرقى وأجدر بالحماية من العمل اليدوي.

وفي ظل هذه الثقافة، وتحت حمايتها، ترعرعت شبكات القرصنة، واستطاعت أن تستحوذ على أكثر من 70% من حجم تداول المنتجات الفكرية كتباً وأشرطة وأقراصاً ممغنطة ( CDS)، عن طريق التصوير والتزوير والنسخ والمحاكاة والتقليد والترجمة بلا إذن وإعادة التحقيق بلا مسوغ.

هل سنستطيع – في ظل هذه الثقافة – الدخول إلى عصر المعرفة.

عصر المعرفة ؛ المنعطف الكبير

منذ أن وطئت قدما الإنسان هذه الأرض؛ لم يكن فيها شيئاً مذكوراً، دأب على إعمال عقله باحثاً عن طاقة بديلة يريح بها عضلاته. وخلال رحلته الشاقة الممتدة آلاف السنين استطاع أن يستأنس الحيوان ليحمله ويحمل عليه أثقاله ويجر له محراثه، وأن يوري النار ويستخدم طاقات البخار والريح والشمس والكهرباء والنفط والذرة؛ يدير بها عجلاته، وأن يصنع الرجل الآلي؛ يعهد إليه بأعماله الشاقة أو الدقيقة،ليتفرغ إلى إنتاج الأفكار والبرامج الحاسوبية، يراكم بواسطتها معلوماته ويختزنها ويجتهد في ابتكار سبل معالجتها وتنميتها واسترجاعها.

ولقد شهد الاجتماع البشري- خلال رحلة بحثه الطويلة عن الطاقة – تحولات كبرى تقلبت به بين عصور الصيد فالرعي فالزراعة فالصناعة؛ العصر الذي يتأهب الآن للرحيل مخلياً مكانه لعصر المعرفة.

كان كل تحول من هذه التحولات الكبرى؛ نتيجةً لتضخم في معلومات الإنسان تضيق بها ذاكرته فيبحث لها عن أوعية إضافية لاستيعابها، تسفر بدورها عن تغير كبير في أنماط سلوكه وطرائق تفكيره وأدواته التي يتضاعف بها إنتاجه أضعافاً كثيرة، وتؤول معها مهن كثيرة للانقراض، ويصبح من العبث معها العيش بأنماط حياة العصر المنصرم.

لكن التحول الراهن الذي تتحول فيه الإنسانية من عصر الصناعة إلى عصر المعرفة؛ يشكل منعطفاً حاداً هو الأخطر من نوعه في تاريخها.

ولئن كانت معلومات الإنسان في عصوره السابقة تتضاعف بوتائر متسارعة تتناقص من آلاف السنين إلى مئاتها، فهي الآن تتضاعف أكثر من مرة في العقد الواحد، وتهجر أوعيتها الورقية المحدودة إلى أوعية إلكترونية بلا حدود.. إنه بحق عصر الانفجار المعرفي الذي تسال فيه المعلومات- عبر الشبكات- إلى الإنسان في كل مكان، مثلما يسال الغاز والماء والكهرباء.

ولسوف يشهد المجتمع الإنساني تغيرات جذرية تطال قيمه ومسلماته وعلاقاته وطرق تعليمه وأنماط معيشته.

ولسوف تتبدل معايير تقدم الأمم لتقاس بمقدار ما تملكه من ثروة المعلومات،لا بما تملكه من ثروة المال وترسانة السلاح.

ولسوف تتحرر المعلومات من قيد المكان، فتخترق الحواجز والحدود، ويحمل الإنسان مكتبته ومراجعه وكل وثائقه في حامل صغير (فلاش ميموري) Flash memory.

ولسوف يتقلص دور المكتبات العامة، والجامعات، والمدارس وتتبدل طرائق التعليم ومراكز الأبحاث والتأليف.

ولسوف تتراجع العمالة اليدوية التي تنتج الأشياء والأدوات، لتحل محلها عمالة فكرية تعمل جاهدة في إنتاج المعلومات وتوليد الأفكار.. ليكون العصر القادم عصر عمال المعرفة؛ يتضاعف الإنتاج فيه عشرات الأضعاف عما كان عليه في عصر الصناعة.

ما مصير المجتمع الذي ينكر على عمال المعرفة، في عصر المعرفة؛ القادم لا محالة، حقهم في حصاد ثمرات جهودهم إلا أن يبقى خارج إطار الحضارة والتاريخ؟!

هل سيستطيع هذا المجتمع الانكفاء زماناً إلى عصر سابق، والانزواء مكاناً في جزيرة منعزلة في عصر العولمة وثورة المعلومات والاتصالات؟!

ما الفرق بين عمالة العضلات وعمالة العقول غير: أن الأولى إمكانية مشتركة بين جميع الكائنات الحية، بينما الثانية قد تميز بها الإنسان الذي اختصه الله بنعمة العقل وحمله به مسؤولية التطور والارتقاء، وأن عمالة العضلات إن كانت تسبب للجميع العرق، فإن عمالة الأفكار تسبب للإنسان الأرق.. وشتان؟!!!

سبيل الخروج

لئن كان عصر المعرفة القادم- بحكم طبيعته المتفجرة- سوف يثير إشكالات جديدة ومختلفة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، فإني واثق من قدرته على إيجاد الحلول الناجعة لها، وإلا كان كالمنتحر الذي يحمل في ذاته بذور فنائه، أو إنه سوف يقتصر على جمع عماله من الهواة الذين يكسبون قوتهم من مصدر آخر، ويتصدقون عليه بفضلات أقواتهم، وهيهات أن تقوم له قائمة على فضلات أوقات الهواة؟

سوف تثور في المجتمعات الرقمية عشرات الأسئلة، مثل:

1-من هو حاكم الإنترنت وما الدستور الذي يحكمه ؟؟

2-ومتى ما نشأ النـزاع ، أياً كان وصفه أو مصدره ، فمن هو القاضي الرقمي وما هو القانون الذي سيحكم النـزاع ؟؟ من هي المحكمة ومن هو المحكم ؟؟

3- من هو الشرطي الذي يهرع له المستخدم إن تعرض لاعتداء سافر على حقوقه أو بياناته أو محتوى موقعه أو رسائله أو خصوصيته ؟؟

4- هل ثمة معايير تحكم مقدمي خدمات الإنترنت بأنواعها ؟؟ وهل ثمة قدرة للمستخدم أن يطالب بحقوق في مواجهة الطرف الوسيط في كل تعامل أو استخدام نتج عنه مساس بحق من حقوقه ؟؟

5- هل اعتداءات الأشخاص على الأموال في البيئة الحقيقية يمكن تطبيق مفهومها على اعتداءات البيئة المعلوماتية .. بل هل المعلومات بذاتها مال ؟؟

6- ماذا عن تصميم الموقع ، هل ثمة قدرة على منع الآخرين من سرقته واستخدامه ؟؟

7- ما هي أخلاق المجتمع الرقمي وقواعد السلوك فيه ؟؟ هل هي ذاتها أخلاق العالم الحقيقي أم ثمة تباين في المفهوم والقيود ؟؟

وعلى ما يبدو أننا لن نكون مؤهلين للإجابة على أسئلة المجتمع الرقمي الافتراضي، قبل أن نرسخ ثقافة الاحترام للحق الفكري الحقيقي في مجتمعاتنا.

إن وحل القرصنة، واستفحال خطرها المدعوم بثقافة اجتماعية مسيطرة؛ تستبيح حقوق الملكية الفكرية، وتعدها ملكاً مشاعاً بين الناس مثل الكلأ والماء، وتلتفت إلى قيمة الوعاء المادي المستوعب للمعلومة، وتهمل قيمة المضمون الفكري وما بذل في إنتاجه من بحث علمي وجهد ومال. وتصفق لسارق الفكر، وتقبل يده بدل أن تقطعها. وتقدس عمل اليد، وتهدر قيمة عمل الفكر الذي أخذ الإنسان بالتحول إليه، في مسيرته نحو عصر المعلومات. إن وحل القرصنة، وثقافة الاستباحة التي تلف المجتمع، لن تنفع معها ندوات النخبة ومؤتمرات الأبراج العاجية.

لا بد من مجلس أعلى للحماية يضم ممثلين من سائر قطاعات المجتمع، ومؤسسات الدولة، وتتضافر فيه جهود وزارات التربية، والتعليم العالي، والثقافة، والإعلام، والعدل، والداخلية، واتحادات الناشرين والكتّاب والفنانين، وغرف الصناعة والتجارة.

مجلس ينعقد على كافة المستويات الإقليمية والوطنية والمحلية، العربية والقطرية والبلدية.

لا بد أن يتلقى أبناؤنا وبناتنا ثقافة الاحترام لحقوق الملكية الفكرية منذ نعومة أظفارهم من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة، وأن تحاط هذه الثقافة بسياج اجتماعي يتقزز من أي عدوان عليها، ورادع قانوني يتحرك بسرعة لمعاقبة أي منتهك لها، ويرد الحقوق لأصحابها.

لابد أن تتوجه الجهود كلها لتحقيق هذا الهدف المنشود.. فمتى يكون ذلك؟!

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: