المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني

الأربعاء, March 8, 2017
كاتب المقالة: 

جاءت الشريعة الإسلاميّة لتعلي من قيمة الإنسان في الحياة، ومتوافقة مع جنسه بما اقتضته حكمة الباري وعدله واعتبار المصالح، فأكدّت على احترام إنسانيّة المرأة معلية من مكانتها، ومقرّرة لحقوقها وواجباتها، بحكم اشتراكها مع الرجل في الإنسانيّة وفي العبوديّة لله عزّ وجلّ، لذا حاربت ما كان يمارَس عليها ظلماً وعدوانا من طقوس وممارسات جائرة في الأممّ السابقة والحاضرة؛ حين غاب الهديّ الربانيّ عن الحياة.

من خلال هذه المقدّمة نشير إلى كتاب (المرأة بين طغيان النظام الغربيّ ولطائف التشريع الرباني) للدكتور" محمد سعيد البوطي"، والذي وضّح فيه صورة المرأة في ظلّ النظام الغربيّ والنظام الإسلاميّ عبر مدخل وثلاثة فصول وخاتمة.

ابتدأ الشيخ كتابه بمدخل جاء متحدّثاً عن مصدر حقوق المرأة وواجباتها في الشريعة الإسلاميّة والمجتمعات الغربيّة، أشار فيه بداية إلى حقوق المرأة وواجباتها باعتبار كل المجتمعات الإنسانيّة التي يتحمّل أفرادها واجبات كما ينعموا بحقوق، وبيّن من خلال المصدر ما يحدّد حقوق المرأة وواجباتها؛ وهو ما استوجب التساوي في الواجبات والحقوق، مبيّناً مردّ الاختلاف إن وُجد بين الرجل والمرأة في شيء من الأحكام بالنظر للعوارض والأحوال، ثم أشار للبون الشاسع بين شعارات الغرب البرّاقة عن الحريّة والديمقراطيّة والحقوق الإنسانيّة وحقيقة الواقع المناقض الذي يعيشه الغرب والمرأة على وجه الخصوص، ومن خلال هذه الرؤية انطلق بالحديث عن مصدر واجبات المرأة الغربيّة اليوم، و طبيعة تعايشها مع ماديّة الغرب، ونتائج هذه الفلسفة على المرأة والمجتمع الغربيّ.

 

وفي الفصل الأول :الذي تناول الكاتب فيه مكانة المرأة في الإسلام بحثاً عن قيمة الدعوى التي  يزعم أصحابها أنّ الإسلام أهمل مكانة المرأة وأهدر الكثير من حقوقها، ولم يكن تناوله لها من خلال دفاع ذليل ينطلق من داخل قفص اتهام، وإنّما من خلال الإشفاق على مصير المرأة الغربيّة اليوم، والبحث عمّا يمكن أن ينقذها من طغيان النظام الغربيّ.

وقد أشار باختصار كيف سارت الشريعة الإسلاميّة في تطبيق المبدأ الإنسانيّ الذي تتساوى تحت سلطانه الذكورة والأنوثة، من خلال بيان مدى رعايته لهذه الحقوق التي جعلها الله تعالى مظهر تكريم لكلّ من الرجل والمرأة على السواء، ومذكّراً بالتأمّل في الشرائع والقوانين الوضعيّة لدى الأمم القديمة والحديثة ممّا كان سائداً من جاهليّة الاستغلال والاستعباد.

مع التأكيد على رعاية الإسلام وعنايته باستقلاليّة المرأة عن الرجل في حقوقها المدنيّة المختلفة، مقيّداً ذلك بما تقتضيه رعاية سلّم الأوليّات، وبضرورة التزام المرأة بالضوابط والآداب التي أمر بها الشرع.

وفي الفصل الثاني :  حديث التفاوت والمساواة، كان حديث البوطي عن المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وتناول (الحقوق) في هذا الفصل باعتبارها من أكثر الكلمات تألّقاً في المجتمعات الغربيّة، وقد تعامل الكاتب مع المضمون بعيداً عن أسر وخداع الكلمات وبريق المصطلحات والرسوم؛ لتنوير البصائر بغذاء الحقائق  الذي كان ولا يزال عين الإنسانيّة بل روحها، و عبر موازين المنطق والعدل حاكم إدّعاءات من يسعى لإثارة الجدل والاتهام للإسلام بهضم حقوق المرأة عبر ترسيخهم النظرة الدونيّة لها، متناسين أنّ محور الخلط بين الأهليّة الواحدة في كل من الرجل والمرأة والعوارض المختلفة والمتفاوتة في كلّ منهما، وقد أكّد بطلان نظرتهم بالإشارة إلى نتائج المساواة المطلقة التي يهتف بها عشّاق المدنيّة الغربيّة، وأنّها تستعصي على التطبيق في المجتمعات الإنسانيّة كلّها، وأنّه لو طُبّقت فستكون النتيجة انهيار المجتمعات، وببيان صورة المساواة بين الرجل والمرأة الحقّة، ثم صورة التفاوت في ذلك كلّه حسب القدرات والملكات والاختصاص والإمكانات، وليزداد القارئ يقيناً بأنّ منشأ ما قد يراه مظهراً لهذا التفاضل أنّها إنّما هو عوارض وعوامل خارجيّة طارئة وليس جوهر الذّكورة أو الأنوثة، تناول بالاستشهاد والإيضاح بمنطق العقل والشرع جُملة من المسائل التي تُثار ويكثر فيها الجدل، والتي يظنّ البعض أنّها تدين الشريعة الإسلاميّة.

مختتماً الفصل بنصوص من أحاديث موهمة وردت في المرأة، فُسّرت تفسيرات خاطئة، ونتج عنها سلوكيّات ظالمة، وذلك نتيجة الفهم القاصر على ظاهر النصّ.

وفي الفصل الأخير :  بقايا من العادات الجاهليّة استعرض الشيخ صوراً من العادات الجاهليّة التي يحذّر منها الإسلام، ووضّح فيه حقيقتها في بعض مجتمعاتنا الإسلاميّة التي حلّت محل نظام الإسلام وحكمه، وقد كان في تشنيعه ونقده لهذه السلوكيّات الظالمة تذكيراً ببراءة الإسلام من وزرها، وعليه فليس من حقّ أحد مؤاخذة الإسلام بجريرة الجاهلين به.

ثم بيّن مدى سخافة الأعراف الجاهليّة وبُعدها عن هدي الإسلام وشرعه، وأوصى بضرورة التحرّر منها، بل وأهاب بذوي السلطة والتدبير بالعمل على تطهير المجتمعات الإسلاميّة منها ومن آثارها.

وفي ذلك ردٌّ على التحيّز الصارخ الناقد والمطالب بضرورة النظر في مجتمعاتنا التي تفيض بوقائع وعادات مخالفة للمثاليّات النظريّة التي تتمثّل في الإسلام، والمعترض بذلك على نقد المجتمعات الغربيّة، المدافع عن قرارات هيئة الأمم المتّحدة فيما يخصّ حقوق المرأة، وقد ردّ عليهم الكاتب بما ينقض دعواهم، وبما يؤكّد حكمة وعدالة التشريع الإسلاميّ.

وختم الدكتور البوطي كتابه بوقفة مع النظام التكوينيّ والنظام التشريعيّ؛ منبّهاً بضرورة القراءة الموضوعيّة لكلّ ما سطّره ومرّ بيانه من واقع المرأة في المجتمعات الغربيّة وواقعها في ظلّ النظم الإسلاميّة، حتّى يثمر ذلك قناعة تامّة بأنّ الشريعة الإسلاميّة كانت ولا تزال هي الحفيّة بالمرأة، الراعية لحقّها، الحارسة لكرامتها، المحافظة على أنوثتها، وأنّه أصبح واضحاً أنّ المرأة التي تتقلّب في تيّار المجتمعات أو الحضارة الغربيّة، لن ينتهي بها ذلك التيّار إلاّ إلى مأساة خانقة، ومذكّراً بالتأمّل في العالم الذي يحكمه نظامان: تكوينيّ وتشريعيّ ، والذي سيؤدّي بنا إلى مظهر ناطق بلطف الله وبالغ رحمته وسابغ فضله وإكرامه، لهذا الإنسان الذي إنّما يدور رحى هذا النظام الكونيّ من أجله ولصالحه، وهذا الذي نراه من عظيم لطف الله بالإنسان في نظامه التكوينيّ يدلّنا على أنّ نظام الخالق التشريعيّ مجنّد للمهمّة ذاتها وسائر في الطريق ذاته.

وقد كان عرض المؤلّف للكتاب عبر منهج اتّبعه يؤيّد بكلّ ما قد كان يسعى إليه ببراهين المنطق ووثائق الواقع، ويكشف عن الافتراءات التي يجترّها المبطلون في حقّ الإسلام، مؤكداً  أن السياج الوحيد الواقي للمجتمع يكون في هيمنة الوعي الإسلاميّ وصدق التمسك به والاحتكام إليه.

ويقع الكتاب في 231 صفحة، من القطع المتوسّط، ومن طباعة دار الفكر، وهو في أصله مادّة مقدّمة ضمن سلسلة لأحاديث الأربعاء عبر الإذاعة السوريّة، من تأليف الدكتور" محمد سعيد رمضان البوطي".

 

المصدر: 
موقع " رسالة المرأة"
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة