المسؤولية في الدنيا جماعية وفي الآخرة فردية

السبت, August 29, 2015
كاتب المقالة: 

من كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها إصدار دار الفكر 

في الآخرة: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [مريم: 19/95] .

{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } [الإسراء: 17/13-14] .

ولن يقبل الله تعالى من الإنسان يومها تقليده للآباء:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } [البقرة: 2/170] ولن يقبل الله تعالى من الإنسان يومها اعتذاره باتباع السادة والكبراء: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيرًا } [الأحزاب: 33/67-68] .

ذلك أن الإنسان عندما قبل حمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وتصدى هو لحملها، ثقة منه بقدرته على تمييز الخير من الشر والحق من الباطل بإعمال ما وهبه الخالق من نعمة العقل المزود بوسائط المعرفة من سمع وبصر، وبفؤاد قادر على التحليل والتركيب والمحاكمة، فكان مسؤولاً عن استخدامها وإعمالها ومحاسباً على إهمالها وتعطيلها: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [الإسراء: 17/36] {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [الملك: 67/10] .

أما في الحياة الدنيا فإن مسؤولية الإنسان جماعية.

تقطف الجماعة كلها ثمرات أدائها والالتزام بها: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 7/96] .

{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا } [نوح: 71/10-12] .

ولا بد أن يكون في هذه القرى بعض المفسدين الذين سينعمون بما أفاء الله على الجماعة الصالحة من خير.

وقد تكتوي الجماعة كلها بلظى نيران فساد بعض أفرادها:

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ } [الفجر: 89/6] .

{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ } [الأنبياء: 21/11] .

{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ } [الدخان: 44/25-28] ومن المؤكد أن الظلم لم يكن عاماً في أهل القرى المهلَكة، ولا بد أن يكون فيهم بعض الصالحين، لكن الفتنة ستعصف بالجميع {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال: 8/25] .

وقد أوضح لنا الرسول r مسؤولية هؤلاء الذين حاق بهم العقاب من دون أن يرتكبوا الذنب الموجب له مباشرة فقال فيما رواه أبو داود عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه : «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك

أن يعمهم الله بعقاب منه» [رياض الصالحين - الحديث 197- دار الفكر] .

وما مثل السفينة الرائع الذي ضربه رسول الله r ليوضح لنا المسؤولية الجماعية في الدنيا ببعيد: وهو ما رواه البخاري عن النعمان بن بشير من قول الرسول الله r: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا ونجوْا جميعاً» [رياض الصالحين -الحديث187- دار الفكر] .

المصدر: 
دار الفكر-كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!!
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة