الناشر العربي في مواجهة التحديات ج2 (على أعتاب عيد الكتاب 23نيسان)

الجمعة, February 27, 2015
كاتب المقالة: 

لن يحترمنا أحد قبل أن نحترم أنفسنا. لن يحظى الناشر العربي بالاحترام الذي يحظى به الناشر الذي تفتح له قاعات الشرف في البلدان المتقدمة، ما لم يكن له مشروعه الثقافي الواضح وأدواته الفنية والعلمية المتطورة.

عندما أصدر المشرع قانون اتحاد الناشرين السوريين، كان يضع نصب عينيه محورية صناعة النشر التي تلتقي فيها وعندها سائر أطراف عملية التنمية الثقافية؛ فضم إلى مكتبه التنفيذي ممثلي الوزارات والمؤسسات المعنية.

لن يستطيع الناشر العربي السوري أن يرقى إلى المستوى المحوري الذي عُهد به إليه، ما لم يرتقِ بأدائه إلى مستوى المسؤولية.

لن يكون الناشر جديراً برفع قيد الرقابة الرسمية عنه، قبل أن ينمو لديه الإحساس بمسؤوليته الذاتية والاجتماعية عما ينشر.

لقد ناضلنا طويلاً من أجل إرساء تقاليد راسخةٍ لاتحاد الناشرين؛ تحقق له حضوراً اجتماعياً لائقاً، وأسساً منهجية يفرض من خلالها احترامه على المجتمع وعلى الآخرين. 

ومثل كل مراحل بناء المؤسسات، فإن لغة الواجب هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تسهم في بناء اتحادٍ قوي للناشرين، محلي على مستوى القطر، أو إقليمي على المستوى العربي.  

والواجب عطاء محض، وشعور عميق بالمسؤولية، واندماج كلي مع الجماعة، تتماهى الذات معها فتصبح جزءاً منها، تسمو بسموها، وتنحط بانحطاطها..

ففي مرحلة البناء التي تستهدف إرساء قواعد ثابتة للمهنة؛ على الناشر أن يتوقع من اتحاده نسبة عالية من خطاب الواجبات، ونسبة أقل من خطاب الحقوق، ففي تجمعٍ كلُّ من فيه يؤدي واجبه؛ سوف يصل إلى كل ذي حق حقه، ومن ذا الذي سيعطي الحقوق في مجتمع يطالب أبناؤه كلهم بحقوقهم؟ ولمن ستعطى؟

وفي مرحلة البناء، والتسابق على أداء الواجبات، تسود أجواء الثقة والتعاون والإيثار بين المتسابقين. وفي ظل هذه الأجواء قد ترتكب أخطاء وتقع هفوات غير مقصودة؛ تتجاوزها أعين الرضا، وتسعى إلى تصويبها بالنقد البناء والتناصح، فلا أحد معصوم عن الخطأ، والخطأ مقرون بالعمل، فمن لا يعمل لا يخطئ، وتكاد ثقافتنا تكون الوحيدة التي تكافئ على الاجتهاد الخاطئ، فتعطي المجتهد أجراً إن أخطأ، وأجرين إن أصاب؛ أجراً على اجتهاده، وأجراً آخر على صوابه.  

فإن تجاوز الخطأ حدود الاجتهاد استوجب المسؤولية، وليس لأحد حصانة تحول دون محاسبته، فالكل مسؤول ، والمسؤولية التزام، والالتزام تحكمه الأنظمة والقوانين والأعراف. وللتجمعات المهنية أجهزة تشرف على تنفيذ هذه القوانين، وفق أصولٍ تتبعها، وبينات تعكف على فحصها، وكل محاسبة تجري خارج أطرها وأصولها وبيناتها سوف تخل بنظام هذه التجمعات وتوازنها.

وإن أعظم أنواع المسؤولية وأجداها، لهي المسؤولية التي تنبع من الذات وتجعل الضمير والوجدان رقيباً عليها.

لست أدري، ونحن نعيش الآن عصر تعاظم ثورتي المعلومات والاتصالات؛ تلهب ظهورنا سياط التحول من الورق إلى الشاشة وأنظمتها الرقمية، في ظل أكثر التحولات البشرية خطورة؛ إلى أين ستتجه بنا السفينة نحن الناشرين؟!

هل سنستطيع امتلاك ناصية التحولات الجديدة لنستمر في الإبحار؟! هل سنتشبث بموروثاتنا وتقاليدنا؛ غير مبالين بالتحولات المتسارعة من حولنا، تاركين لمتربصين حاذقين استثمارها وركوب موجتها؟! وفي كلا الحالين: هل سنضمن ولاء المؤلف لنا وحاجته إلينا، بعد ما أصبح بإمكانه أن يؤلف وينشر ويوزع ويبيع على الشابكة (الإنترنت)، عبر جهازه المحمول؟!

هل سنتلهى بصراعات تنافسية على ظهر سفينتنا، ريثما ترسو بنا في مقبرة المهن المنقرضة؟!

التحديات التي تواجهنا كثيرة، وهمومنا كبيرة، تقتضينا مزيداً من التلاحم، مزيداً من اليقظة، مزيداً من التعاون، مزيداً من التخطيط لإنقاذ سفينتنا من الغرق، ولضمان مستقبل آمن لمهنتنا صناعة النشر.. فليكن وعينا بحجم التحديات التي تواجهنا. 

محمد عدنان سالم

19/05/2010 

المصدر: 
أرشيف دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.