الناشر والمعادلة الصعبة

السبت, July 3, 2010
كاتب المقالة: 

بين نشر المعرفة وتحقيق الربح

* في بلادنا؛ حيث صناعة النشر لا تزال ناشئة في بداياتها، لم تتضح معالمها، ولم تترسخ قيمها وتقاليدها بعد، لا يزال ينظر إلى الناشر على أنه تاجر؛ يحوِّل المعارف والمعلومات العلمية والأدبية إلى سلعة، يستثمر أمواله فيها، ويجني أرباحه منها، شأن أي تاجر يستهدف الربح المادي، بغض النظر عن نوع السلعة التي يتجربها.

بل إن مصطلح النشر بوصفه عَلَماً على حرفة، والناشر الذي يحترف نقل المخطوط إلى مطبوع يعرضه على الجمهور، لم يدخلا العرف الاجتماعي أو الرسمي إلى عهد قريب، ولم يدوّن النشر مهنة في جوازات سفر الناشرين إلا منذ عهد قريب، بعد قيام اتحادات للناشرين في أرجاء الوطن العربي.
ومن طريف ما حدث لأحد الناشرين في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وقد سئل عن مهنته من قبل موظف الجوازات فأجابه إنه ناشر، قال الموظف مستفسراً: تعني أن لديك منشرةً للخشب؟!
وبهذه الصفة التجارية الربحية، لم يكن الناشر ليحظى بكبير احترام في المجتمع الأهلي أو الحكومي، وخاصة في البلدان العربية التي تبنت أواسط القرن الماضي سياسات اشتراكية؛ عدَّت صناعة النشر شأناً عاماً تضطلع به الدولة، وترصد له مبالغ ضخمة في ميزانياتها، وتنظر شزراً إلى دور النشر الخاصة، مهما كانت عريقة، ومهما قدمت في تاريخها من خدمات؛ فإما تؤممها كالذي حدث في مصر وفي الجزائر، وإما تخضعها لقيود رقابية ومالية خانقة، كالذي حدث في سورية وتونس وليبيا وغيرها.
وما أكثر ما كان الناشر يُغمز بصفته الربحية هذه، ويتهم بالجشع، وأن همَّه الأول هو الكسب المادي على حساب ثقافة المجتمع.
وربما استند البعض إلى جذور تاريخية ودينية في ثقافتنا، تعد العلم مشاعاً كالكلأ والماء، لا يجوز أخذ الأجر عليه، وتحويله إلى سلعة يتجربها كباقي السلع.
ولست أدري لماذا يعاب على الناشر أن يتلقى ثمرة جهده في تقويم العقول وتنميتها، ولا يعاب ذلك على الطبيب الذي تقوم تجارته على تقويم الأجساد وصحتها، ولعمري!! إنهما لأشرف حرفتين تقومان على خدمة الإنسان.
ومهما يكن الأمر فإن الصفة الربحية للناشر لا تصلح أن تكون معياراً للتفاضل بين النشر الرسمي الذي تقوم به الدولة، والنشر الخاص الذي يقوم به الناشر الأهلي، وليس لأحد منهما أن يلغي الآخر.
فاستئثار الدولة بعملية نشر المعرفة، ربما رفد المجتمع بإصدارات مرجعية هامة قد يعزف الناشر الخاص عن إصدارها لتكلفتها العالية وقلة الطلب عليها، لكنه كثيراً ما يقع في أفخاخ: الأحادية فلا ينشر إلا ما يلائم فكر السلطة، والمحسوبية فلا ينشر إلا للمقربين،والسطحية فينشر الأعمال الرديئة بذريعة تشجيع المبتدئين، ثم إن اعتماده على الميزانية العامة يقتل فيه الطموح الشخصي والحوافز الفردية التي يغذيها هدف الربح.
كما إن الهدف الربحي للناشر – وحده- قد يثير لديه نزعة الجشع وتحقيق المزيد من الربح، بالجري وراء الغثاثة، والعناوين الهابطة المثيرة للغرائز، والموضوعات السطحية، والأفكار المجترة. فيوجه اهتمامه إلى ما يروج في السوق من كتب الطبخ والغرائب والجنس والشعوذة والأبراج، وتدفعه المنافسة إلى التقليد، فيكرر ما سبق لغيره أن نشره بعناوين جديدة وإخراج معدل.
وربما كان الإقبال على نشر كتب التراث، من دون أي إضافة أو ابتكار؛ نوعاً آخر من صور الجشع والنشر غير المسؤول، فيكتظ السوق بطبعات متعددة تجاوز المئة أحياناً للكتاب التراثي الواحد، لا يختلف أحدها عن الآخر إلا بعنوان الناشر وبعض التجديد في الشكل، دون أي إضافة تذكر على المضمون؛ من تحليل وفهرسة ونقد يصل التراث الماضي الغني بالحاضر المعرفي المتطور.
* إن هذه الصور القاتمة السلبية للنشر، ليست هي المثلى أو النموذجية، وجميع المشكلات المطروحة آنفاً شاذة وقابلة للاحتواء والتجاوز.
فعصر التأميم واستئثار المؤسسة الرسمية بعملية النشر قد انتهى، وبرز مكانه دوْر جديد ينتظر له أن ينمو، يقوم على التعاون بين القطاعين العام والخاص، بوسائل متعددة؛ من بينها النشر المشترك، والجوائز المشجعة على التميز والالتزام، وإسهام الدولة بشراء الكتب لتزويد مكتبات مؤسساتها ومدارسها، وتنظيم برامج التشجيع على القراءة، والتطوير الذاتي.
كذلك فإن حركة النشر في العالم العربي لم تعدم ناشرين نموذجيين؛ استطاعوا أن يوائموا بين هدفهم الربحي ورسالتهم الثقافية، والموازنة بينهما فلم يسمحوا لأحد الهدفين أن يطغى على الآخر، فتعاونَ كل منهما على الارتقاء بالآخر.
وبذلك سخروا هدفهم الربحي لخدمة رسالتهم الثقافية، فأسهمت رسالتهم الثقافية في خدمة هدفهم الربحي، من خلال ثقة قرائهم بهم. وأصبحنا نرى قارئاً يقوِّم الكتاب من خلال ناشره قبل مؤلفه؛ ثقة به. وأصبح بعض الناشرين رمزاً للجوْدة لدى قرائهم (كالآيزو).
وأسهم اتحاد الناشرين العرب والاتحادات المحلية في إرساء بعض التقاليد للمهنة للارتقاء بها، وتبصير الناشرين بواجباتهم إلى جانب مطالبتهم بحقوقهم، وأخْذِ ميثاق الشرف عليهم، متضمناً الالتزام بقضايا الأمة المصيرية وقيمها وشخصيتها، وبحقوق الملكية الفكرية، وعدم استباحتها أو الانتقاص منها.
ولا يزال أمام الناشرين ومنظماتهم المهنية الكثير من العمل لتوطيد مكانة الناشر في المجتمع، والنضال لإرساء حرية النشر وفك سلاسل الرقيب، والأخذ بيد الناشر لكي يؤدي دوره الثقافي في المجتمع؛ ذلك الدور الذي لن يستطيع أداءه على الوجه الأكمل من دون وعيه العميق بواجباته، وأنه لن يكون جديراً بالحرية التي يطالب بها، إن لم يضطلع بالمسوؤلية التي تقابلها، فلا حق يؤخذ من دون واجب يؤدى، ولا حرية تمنح من دون مسؤولية تُحمل.
* وعلى الرغم من الأمل، والطموح إلى وضع أفضل للناشر العربي، فإن الصورة لا تبدو وردية إلى حد يمكن أن يلبي هذا الطموح..
فلقد تأخرت صحوة الناشر العربي، بالمقارنة مع الناشر الغربي الذي أرسى تقاليده ووطد مكانته بوصفه ركيزة لحركة الثقافة والنشر؛ يتمحور حوله كل من منتجها المؤلف، ومستهلكها القارئ، فهو الذي يخطط ويدير من خلال رؤيته الشاملة للمشهد الثقافي، وذلك خلال مئات السنين، واكب فيها اختراع غوتنبرغ للطباعة بأحرف معدنية متحركة أواسط القرن الخامس عشر، وما تلاها من اختراعات المونوتايب واللينوتايب والاتترتايب أواخر القرن التاسع عشر، وخطوط الطباعة المتتابعة في القرن العشرين التي ضاعفت إنتاج الكتاب أضعافاً مضاعفة، فتمتع الناشر الغربي مدة طويلة بالاستقرار الذي مكنه من التربع على عرش إنتاج المعرفة.
لكن الناشر العربي الذي ما إن بدأ للتو مشواره المهني مع أحدث آلات الطباعة المتطورة، حتى وجد نفسه في مواجهة الانقلاب الكبير الذي تتعرض له صناعة النشر، في عصر الانفجار المعرفي الذي أحدثته ثورتا المعلومات والاتصالات والتي يوشك أن تنتقل بالمعلومات من أوعيتها الورقية المستقرة بين دفتي كتاب، إلى أوعيتها الإلكترونية على الأقراص الممغنطة، وعلى الشابكة (الإنترنت)، وما سوف يحدثه هذا الانتقال المتسارع من متغيرات في أساليب التعليم والقراءة. وإذا كان التحول من النشر الورقي إلى النشر الإلكتروني التحدي الأول الذي يواجهه الناشر، والذي قد يزجه في قائمة المهن المنقرضة، فإن النشر الإلكتروني ذاته لم يستقر على حال بعد، وهو بحد ذاته يطرح مشكلات خطيرة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وبصناعة النشر بحد ذاتها. مما سيثير مشكلة جديدة هي الأخطر في التاريخ البشري، فلئن كان الربح الحلال الذي يجنيه الناشر التقليدي، ثمرة لجهوده في توفير المعرفة للجمهور، موضع شك وإنكار ممن يستهجن تحويل العلم إلى سلعة تباع وتشترى، وتجتنى منها الأرباح في السوق، فها هو التاريخ يعيد نفسه، وتتولى مواقع الشابكة (الإنترنت) نشر الكتب وإتاحتها مجاناً للجمهور، غير عابئة بحق مؤلف ولا بمستحقات ناشر.
ولئن رفع بعض الناشرين الغربيين قضاياهم ضد (جوجل) إلى أقواس القضاء، ولم يحسمها القضاء بعد، فمن للناشر العربي الذي استبيحت كتبه فنشرت على مواقع مجهولة المرجعية والمكان، والقضاء العربي ما يزال حائراً أمام الجرائم الإلكترونية المتفشية، عاجزاً عن استيعابها؟!
وهكذا يجد الناشر العربي نفسه قد فقد الاعتراف بحقه؛ ليس في الربح فقط، بل برأسماله أيضاً.
وهكذا تستباح حقوق المؤلف على إبداعه، فأي إبداع يمكن أن يزكو في ظل ثقافة السطو والاستباحة والشيوع؟!
إن البشرية الآن تجتاز مرحلة انتقالية تكاد تكون الأخطر في حياتها، وهي تنعطف بسرعة مذهلة من عصر الصناعة إلى عصر المعرفة، ومن شأن التحولات الكبرى في التاريخ، أن تحدث تغييرات جذرية في الحياة وأنماط المعيشة، وأن تخل بتوازن الإنسان قبل أن يستعيد توازنه بعد هزة المنعطف.
وإني لواثق أن حق المؤلف وحق الناشر لا بد أن يستقرا ويتوطدا لأنهما ركيزة عصر المعرفة، الذي تراجعت العمالة اليدوية فيه لصالح العمالة الفكرية، وكيف يمكن للعمالة الفكرية أن تعيش وتنمو إذا استبيحت حقوقها وحرمت من ثمرات جهودها؟!
لا بد للإنسانية أن تجد سبيلاً لحماية إبداعاتها من السطو والعبث لكي تتمكن من الاستمرار في حركة التقدم بشكل مطرد..

محمد عدنان سالم

31/01/2010





 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.