الوردة السوداء.. والسعفة الصفراء لينا كيلاني المتابع للسينما لا يقف عند حدود الصالات، بل إن المهرجانات تستأثر بحيز من اهتمامه، وهي فيما يصاحبها من تغطية إعلام

الأحد, June 7, 2015
كاتب المقالة: 

الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون - سورية - 6/6/2015 7:02:28 PM - GMT (+2 )
الوردة السوداء.. والسعفة الصفراء لينا كيلاني المتابع للسينما لا يقف عند حدود الصالات، بل إن المهرجانات تستأثر بحيز من اهتمامه، وهي فيما يصاحبها من تغطية إعلامية تستدعي اليها جمهوراً فوق جمهورها. إلا أن الحظ الأوفر يكون لتلك المهرجانات العالمية ذائعة الصيت التي ترصد جوائز الفوز لمن يحالفه الحظ، فتهتز لها شبكات الإعلام وهي تتناقل أخبارها، كما في الدعاية لها والترويج. إلا أن معايير الفوز ليست بالضرورة مكتملة الحياد.. فكم وكم من الاعتبارات تدخل في الحساب. ومهرجان واحد للسينما لم يكن كباقي المهرجانات، والجائزة فيه هي للمكان.. ففي غزة أقيم مهرجان السينما فوق ركام البيوت المتهدمة.. ووسط الدمار الذي أحدثته اسرائيل باعتدائها على أحياء المدنيين.. في مفارقة صارخة بين السجادة الحمراء وأكوام الحجارة الصماء.. لكن شبكات الأخبار لم تهتز لأخبار ذلك المهرجان كما هو حالها مع مثيله الذي أقيم في (كان).. أم أنها عين المكان هي التي طمست عنه عيون الكاميرات.. فأخرست عن أخباره اللسان؟؟ بل ما قيمة السينما إذاً إذا لم تكن لتعالج موضوعات الناس وبالأخص تلك الساخنة منها؟ أم أن القرية الكبيرة التي ينادون بها قد انقسمت الى جزئين أحدهما تسطع عليه الشمس بينما يغيب الثاني في سواد الظلال؟ لاشك أن للسينما رسالة قبل أن تكون مجرد تسلية، وحتى التسلية هذه هي في حد ذاتها هدف للترويح عن النفس، وإدخال البهجة والمرح. لكن موضوعات السينما المعاصرة تكاد تنفصل عن واقع معاصر بات يضغط على قلوب البشر جميعاً.. من هموم اقتصادية عالمية، وحروب ونزاعات إقليمية، وتفاقم في أعداد السكان، واختلال في ميزان الغذاء، وسخونة في حرارة كوكبنا هذا الذي تتنامى فيه الصناعات لتطلق أدخنتها وأبخرتها باتجاه الغلاف الرقيق الذي يغلفنا.. كل هذا وأكثر أصبح واقعاً معاشاً في أغلب بقاع الأرض. وما يقع بين البشر من صراعات ليس الاهتمام بها حكراً على أصحابها بل على العكس فإن موضوعاتها تنسحب على كل أحد، ولأكثر من سبب.. فإذا لم تكن الأسباب بدافع الانتماء الجغرافي فهي بدافع الانتماء الإنساني على أقل تقدير. ومهرجانات السينما العالمية التي تتناثر هنا وهناك قد تحتضن موضوعات الإنسان في عموميتها: كالبطالة مثلاً، والفساد، أو مشكلة المخدرات، أو الجريمة الفردية والعنف، أو الهموم الحياتية العامة التي تلتصق بمشاعر الفرد، وانفعالاته، وأحواله، وحتى أزماته النفسية، وغيرها من المشكلات التي توجد في كل المجتمعات باستمرار.. إلا أنها لا تقترب بشكل جدي من موضوعات غدت معاصرة كالحروب، وما تخلفه من دمار عند الإنسان قبل البنيان. هذا على مستوى ما تحتفي به المهرجانات.. أما على مستوى ما تنتجه صناعة الافلام في الغرب وفي معقلها الأشهر في هوليود فهي تكاد تغيب عنها مشكلات الساعة إلا فيما ندر، وتكاد تُهمش لمصلحة موجة جديدة من أفلام الخيال والخوارق ما عهدتها السينما من قبل بهذه الكثافة، أو الحدة والإبهار. فهل هذا تهيئة لمرحلة جديدة من صياغة العالم، وللسينما ما لها من دور فاعل ومؤثر في المجتمعات في كل القارات، وفي تقريب الأفكار الى الجماهير العريضة، أو على الأقل كسر بعض الحواجز النفسية تجاه موضوعات بعينها لعلها كانت تحت ستار، أو مخبئة في زاوية مظلمة من أروقة السينما؟ وكما هي الصراعات التي تظهر بين فترة وأخرى لعلها السينما تبتدع صرعاتها الجديدة لتواكب عالماً أصبح قريباً من حافة الجنون. فالمخترعات الحديثة آخذة أكثر فأكثر في استنزاف طاقة الإنسان المعاصر سواء كانت هذه المخترعات كأدوات مساعدة، أو كأدوات مسلية، وكأننا أصبحنا نحتاج أعماراً فوق أعمارنا وأوقاتاً فوق أوقات يومنا وليلنا حتى نكتفي من استخدام ما هو متاح لنا من تقنيات تجذبنا نحوها.. ونحن كفراشات حمقاء نقترب من لهيبها حتى نسقط محترقين بلسعها. وزمن الاستهلاك هذا لا يوفر أحداً من إغرائه.. فما بالنا ببلداننا هذه التي لااتزال منبهرة بالغرب، وبإبداعاته وكل ما يصدر عنه؟ معجبين ومقلدين ودون أن نناقش أمراً، أو أن نقف محايدين، أو أن يكون لنا موقف رافض ولو لجزء بسيط مما يتسرب الينا، أو ألا نكون متحمسين مصفقين كل الوقت لكل قادم جديد يأخذ طريقه باتجاهنا. والسينما هذه التي تنثر وروداً سوداء في درب أفلام ليست من نسيج ما تحوكه.. لا توفر سعفات جوائزها الصفراء بلون الذهب لما يتوافق مع سياساتها المعلنة في الخفاء. وتظل السينما عنصر إبهار وتشويق تجذب اليها جماهيرها رغم كل الفضائيات التي تتنافس فيما بينها ببرامج ومسلسلات حتى بات الفرد اليوم مسلوباً أمام ما يعرض ويقدم، وكأن الحياة اختصرت في فيلم يشاهده، أو مسلسل يتابعه بينما سوط العذابات ينال منه كل نهار بأشكال مختلفة بعد أن تعقدت الحياة وما عادت ببساطتها وهدوئها كما في عقود مضت، وضجيج التطور المتسارع يلفه من كل اتجاه. أما لماذا لا يقارب الغرب موضوعاتنا الساخنة بل الحارقة في سينماه العالمية، ويكتفي بموضوعاته دون تسليط الضوء على أزماتنا وهو ليس بمنأى عنها على أي حال.. فإن على السينما العربية أن تجيب مادامت مشاركتها مازالت باهتة في المهرجانات الدولية بينما أكذوبة الهولوكوست اليهودي مازالت تحصد الجوائز تلو الجوائز في أهم تلك التظاهرات الفنية. لقد آن الأوان للسينما العربية أن تخرج عما هي عليه لتكون كالبحر يلفظ الى سطحه ما ليس منه معلناً عما يخبئ في قاعه من لآلئ الصدف والمرجان.. ولكل مهرجان لآلئه لعل الموضوعات الساخنة التي تشتعل في بؤر الصراعات ستكون موضوعات لقادم المهرجانات.

المصدر: 
اخبار سوريا
موضوع المقالة: