اليهود واليهودية والصهيونية: تفكيك ظاهرة استعمارية مضادة للتاريخ

السبت, February 17, 2018
كاتب المقالة: 

في ديسمبر 1982 صدر ضمن سلسلة عالم المعرفة بالكويت القسم الأول من كتاب “الأيديولوجية الصهيونية.. دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة”، وفي السطر الأول من المقدمة كتب مؤلفه الدكتور عبدالوهاب محمد المسيري “بعد معركة بيروت المجيدة، والمذبحة الدموية التي أعقبتها، اتضحت أبعاد المواجهة بين الصهيونية العالمية، ممثلة الإمبريالية الغربية في الشرق الأوسط، والقومية العربية، فقد أصبح من الثابت أن المخطط الصهيوني لا يستهدف الأرض الفلسطينية فحسب..”، وفي نهاية المقدمة قال إن الكتاب يطمح إلى أن يتحوّل إدراك الأيديولوجية الصهيونية “إلى نضال من أجل ما نتصور أنه الحقيقة والعدل”. مدخل لا يتوارى فيه السياسي الواقعي عن الثقافي المعرفي، وكان على القارئ أن ينتظر المؤلف 17 عاما، حتى يتوّج مشروعه في تقصّي هذه الظاهرة الاستعمارية المضادة للتاريخ بموسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية” التي شكلت بصدورها عام 1999 حدثا فكريا أسهم في صوغ المفاهيم، وطرح رؤى وتصورات منهجية جديدة لإدراك الحقائق، عبر “نموذج تفسيري جديد” وهو العنوان الفرعي شديد الدلالة لموسوعة لا يعبأ مؤلفها بمراكمة المعلومات، وإنما بنحت مصطلحات غير مسبوقة، ومساءلة مقولات تقليدية قاصرة عن تفسير الظواهر المركبة. وبهذا الاجتهاد ينضم المسيري إلى سلالة المفكرين العرب البارزين من عبدالرحمن بن خلدون إلى جواد علي وجمال حمدان.

 

تبين الفرق بين اليهودية والصهيونية

احتاجت موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية”، بمجلداتها الثمانية التي صدرت دفعة واحدة، إلى ربع القرن لكي ترى النور. وقد ظلت ثمرة منتظرة، تخايل القارئ العام والمتخصص، ولا يغني عنها كتاب يعالج فيه المؤلف قضية فكرية ذات صلة بالصهيونية، ثم كتاب عن حراك ميداني ذي بعد دولي مثل هجرة اليهود السوفييت إلى الكيان الصهيوني عام 1990.

كان الفريق المشارك في الموسوعة يعمل بدقة وأناة، ثم فسر المسيري في مقدمة المجلد الأول أن “الموسوعة لم تُكتب وإنما نمت من خلال الكتابة”، بل إن كل مواد الموسوعة كتبت “ما لا يقل عن عشرين مرة”، وقد خضعت إعادة كتابة المواد أو المداخل لتطور النموذج التحليلي الذي يكاد ينطلق من رفض الخطاب التحليلي للظاهرة الصهيونية.

من حسن حظ المسيري القادم من مجال النقد الأدبي أنه فصل الفكري المعرفي الثابت عن السياسي المراوغ والمتغير، فأتاح لنفسه حرية التحليق في فضاء لا تحده وقائع متلاحقة تربك الباحث، وتخضع الأفكار لمكر السياسة ومراوغاتها. وفي سيرته “رحلتي الفكرية” التي يرى فيها أن الموسوعة أهم أعماله، يقول إن اهتمامه بالسياسة ذو طبيعة معرفية فلسفية، فلم يهتم بالأحداث السياسة اليومية، وحين قدمه أسامة الباز إلى محمد حسنين هيكل عام 1969، قال المسيري لهيكل إنه ليس ناصريا، “ففوجئت به يخبرني بأن هذا لا يهم. ثم تحدثنا في شعر والت ويتمان والحضارة الأميركية والفلسفة”.

في سيرته يكتب أيضا أنه في امتحان تمهيدي لرسالته للدكتوراه بعنوان “الأعمال النقدية لوليام وردزورث ووالت ويتمان: دراسة في الوجدان التاريخي والوجدان المعادي للتاريخ” طالبه أحد الأساتذة بوضع وصف “لمقرر لدراسة تاريخ النظرية النقدية الأدبية. وبطبيعة الحال، كنت أعرف أنهم يريدونني أن أبدأ بأرسطو أو أفلاطون، ولكنني قررت أن أصدمهم فقلت: الجرجاني، لأذكرهم بهويتي، دمنهوري مصري عربي مسلم يطل عليهم كأحد علماء الأنثروبولوجيا ويدرس حضارتهم دون أن يكون جزءا منها. فسألوني من عسى أن يكون الجرجاني؟ فقلت لهم إنه ناقد عربي كلاسيكي مهم، وصاحب نظرية نقدية رائدة. فقالوا “حسنا، لو كنت في الولايات المتحدة، ماذا كنت ستفعل؟” فتنطعت وقلت: أنا لا أنوي البقاء في الولايات المتحدة تحت أي ظروف”.

حفر في الرؤية الصهيونية للتاريخ

ولد المسيري في 8 أكتوبر 1938 في دمنهور بمحافظة البحيرة، وتخرج في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة الإسكندرية عام 1959، ونال الماجستير من جامعة كولومبيا عام 1964، والدكتوراه من جامعة ريتجرز عام 1969. وفي الولايات المتحدة، قرأ زميل الدراسة أسامة الباز بعضا من كتاباته، فاقترح عليه أن يتفرّغ لدراسة الصهيونية. وعاد إلى مصر عام 1969، وعمل في كلية البنات بجامعة عين شمس، طامحا إلى أن يصير ناقدا أدبيا؛ فحبه للشعر “طاغ تماما”.

ولكن الباز أخذ إحدى دراساته عن فلسفة التاريخ عند الصهاينة، وقدمها إلى هيكل فأعجبته الدراسة، وعرض على المسيري أن يتولى رئاسة وحدة الفكر الصهيوني بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في مؤسسة الأهرام، فعمل بها حتى عام 1975، حين غادر إلى نيويورك مستشارا ثقافيا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة.

ولمّا عاد إلى مصر عام 1979، كانت سحب التطبيع تحجب الرؤية، وقال له السيد يسين مدير الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام إن عودته تعني الانتحار، “فكان ردي عليه أن الحياة حسب الشروط المهينة التي قد يضعها الآخرون ليست أمرا عظيما.. وقد يكون الانتحار هو أحسن اختيار. والانتحار في هذه الحالة ليس انتحارا وإنما استشهاد في سبيل رسالة… كنت أجد صعوبة شديدة في دخول مبنى الأهرام”.

اقتحم المسيري هذا الحقل المعرفي من خارج دوائر السياسة. وفي سيرته يسجل أنه، في إحدى زياراته إلى الباز في المعهد الدبلوماسي، قابل الدكتور جورج أبوصعب وسأله ماذا يفعل؟ فأخبره المسيري أنه يكتب عن الفلسفة الصهيونية للتاريخ باعتبارها “تعبيرا عن رؤية حلولية تؤدي إلى نهاية التاريخ، وشرحت له النظرية. وفوجئت به يدوّن بعض الملاحظات.

فسألته عما يفعل، فقال إن هناك بعض القضايا في القانون الدولي كانت تحيره دائما ولا يمكن تفسيرها إلا من خلال هذا النموذج التفسيري، فتشجعت لأقصى حد”. ثم صدر كتابه الأول عام 1972 بعنوان “نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني”. وبعد أن عبر الجيش المصري قناة السويس في حرب أكتوبر 1973 كتب المسيري مقالا عنوانه “لا نهاية للتاريخ”.

لم تكن المعركة قد انتهت حين نشر المسيري، في 21 أكتوبر بالأهرام، أنه بغض النظر عن النتيجة النهائية للحرب، فإن الجيوش العربية حققت نتائج تتخطى كل المتغيّرات، “ولا يمكن لأي تطورات في الميدان أن تغيّرها. وأولى هذه النتائج هي أن نظرية الأمن الإسرائيلية قد تساقطت، وهي نظرية مبنية على الارتباط بالمكان وإلغاء التاريخ.

فقد تصوّر الإسرائيليون عام 1967 أنهم وصلوا إلى الحدود الجغرافية المكانية الآمنة، وأنه بوسعهم الاستقرار في أمان خلف هذه الحدود. وأقاموا خط بارليف وهو جيتو عسكري من نوع آخر… وتم العبور وتحطيم خط بارليف، وثبت أن هذه الرؤية الأمنية الإسرائيلية لا أساس لها في الواقع وأن قوة الردع العسكرية مهما بلغت من قوة وضراوة غير قادرة على توصيلهم إلى نقط النهاية، نهاية التاريخ”.

في عام 1975 نشر المسيري “موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية”، ويرى ذلك العمل بداية جهده الموسوعي، إذ اكتشف “جيتوية المصطلح الصهيوني”، لاختلاف المصطلحات والمفردات الواردة في الكتابات الصهيونية عن معناها ودلالتها في النصوص الأخرى. في عام 1975 قرر تحديث الموسوعة، فدعا “حشدا من الباحثين”، وطلب أن يكتب كل منهم مدخلا في تخصصه، وقدر أن ينتهي التحديث في عام أو عامين.

وفوجئ بمرور عشر سنوات في عملية التفكيك، وهو عملية هدم جذرية، ولكنه ليس عملية تفسيرية، فالتفسير “عملية إبداعية تركيبية تتطلب نحت نماذج مختلفة والربط بينها والغوص في كل الأبعاد السياسية والاقتصادية والدينية والمعرفية للظاهرة، وإعادة ترتيب الوقائع وتصنيفها في ضوء النماذج الجيدة، واكتشاف حقائق مهمشة ومنحها المركزية التفسيرية التي تستحقها، وتوليد مصطلحات جديدة وإعادة تعريف بعض المصطلحات القائمة”.

وفي عام 1976 صدر للمسيري في بيروت كتاب “اليهودية والصهيونية وإسرائيل: دراسة في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع، كان قد شرع في موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية” ويقول إنها لو كانت موسوعة معلوماتية لصدرت في ضعف حجمها، ولكنه عُني بأن تكون الأداة التحليلية الأساسية في الموسوعة هي النموذج المعرفي التحليلي المركّب البعيد عن التعميم والاختزال وأحادية التفسير، فأخرج اليهود من جيتو تفسيري يراهم ظاهرة مستقلة، وأيقونة تكتفي بذاتها، وأدخل إلى الظواهر اليهودية والصهيونية “المجال الرحب للعلوم الإنسانية”؛ لرؤية علاقة العام بالخاص، من دون أن يفقد أي منهما استقلاله.

ولإنجاز هذه المهمة التفسيرية بدأ بتفكيك مقولات “اليهودي العالمي” و”اليهودي المطلق” و”اليهودي الخالص” و”المؤامرة اليهودية”. ولم يذهب في تفسير الصراع إلى التوراة والتلمود وبروتوكولات حكماء صهيون، وغير ذلك من المسلمات العمومية، لأن “الصراع العربي الإسرائيلي إن هو إلا صراع طبقي أو اقتصادي… إسرائيل إن هي إلا قاعدة للاستعمار الغربي”.

حمل الجزء الأول من الموسوعة عنوان “إشكاليات نظرية”، واستعرض بعض مواطن القصور في الخطاب التحليلي العربي، فالخطاب العملي بشقيه الدعائي والقانوني والخطاب الأخلاقي كلاهما عاجز عن التفسير. فالخطاب العملي الدعائي يتوجه إلى الرأي العام العالمي بإيضاح أن “إسرائيل دولة معتدية”، وأن “اللاجئين الفلسطينيين سُبّة في جبين البشرية”، وأن المستعمرين اليهود يستولون على الأراضي الفلسطينية.

كما يتوجه هذا الخطاب التعبوي أيضا إلى الداخل لشحن الجماهير ضد العدو الصهيوني، ويستخدم كذلك في الترويج لسراب اسمه السلام. أما الخطاب القانوني الذي يستشهد بممارسات وأقوال يهود تحت شعار “من فمك ندينك يا إسرائيل”، فيوضح الحق العربي، ويؤدي إلى استصدار قرارات أممية تطبع وتوزع على الهيئات والمنظمات الدولية. ولا يسهم الخطاب العملي والقانوني في عملية التفسير الأكثر تركيبا من تبسيطها في قوانين وقرارات تتراكم.

أما الخطاب الأخلاقي الذي يصدر عن قيم إنسانية فيعبّر عن حالات عقلية وعاطفية لا علاقة لها ببنية الظاهرة، وعلاوة على عجزه عن تقديم تحليل فقد يوجه الباحث إلى التركيز على إصدار الحكم الأخلاقي الصحيح على الأحداث بدلا من دراسة بنية الواقع وآلياته بهدف تفسيره.

ويضرب مثلا بقضية الاعتدال، قائلا إن الكيان الصهيوني بنية عدوانية بغض النظر عن المواقف الأخلاقية الفردية؛ فالمشروع الصهيوني “يهدف إلى نقل كتلة بشرية من العالم الغربي إلى فلسطين بحيث تحل الكتلة البشرية المهجرة محل سكان البلد الأصليين، بكل ما ينتج عن ذلك وبشكل حتمي من إحلال وطرد وإبادة. وهي نتائج تتجاوز العناصر البشرية الفردية”.

ولا يؤثر في هذه النتائج وجود صهاينة معتدلين، ولكنهم رغم ما قد يتمتعون به من قيم أخلاقية “لم يستطيعوا أن يحققوا شيئا بسبب طبيعة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية. فتمسك هؤلاء بالقيم الأخلاقية النبيلة لا يصلح كثيرا لتفسير الظاهرة المركّبة”. وفي عدم جدوى مقولة الاعتدال يرصد المسيري اختلاف مفهوم الاعتدال الصهيوني من جيل إلى آخر، فالمعتدلون الصهاينة اليوم هم متطرفو الأمس، أما العرب فإذا طالبوا بالاحتكام إلى قرار التقسيم الصادر عام 1947، أو بالعودة إلى حدود 4 يونيو 1967، فإن هذه المطالب تعدّ تطرفا وتشددا، ويطالبون بإظهار شيء من التنازل لكي يوصفوا بالاعتدال.

قصور الخطاب التحليلي العربي

يأخذ المسيري على الكثير من الدراسات العربية وقوعها في “النصوصية”، بافتراض الباحثين أن ما ورد في الكتب المقدسة يكفي نموذجا تفسيريا لسلوك اليهود. وتتبنّي هذه الدراسات مسلمات ومقولات تحليلية غربية معظمها ذو أصل ديني، مثل “التاريخ اليهودي” و”الشعب اليهودي”، وقد احتفظت هذه “المقولات الإنجيلية” ببنيتها رغم علمنتها، وتفريغها من حمولاتها المقدسة وأبعادها الدينية؛ فلليهود في الوجدان الغربي تاريخ مستقل، وهم يتطلعون طوال الوقت إلى فلسطين.

 

المشروع الصهيوني "يهدف إلى نقل كتلة بشرية من العالم الغربي إلى فلسطين بحيث تحل الكتلة البشرية المهجرة محل سكان البلد الأصليين، بكل ما ينتج عن ذلك وبشكل حتمي من إحلال وطرد وإبادة"

هذا الوجدان يخلع على اليهود “التفرد باعتبارهم الشعب المختار، وينزع عنهم القداسة باعتبارهم قتلة الرب والشعب المنبوذ الذليل، ثم يحيّدهم تماما باعتبارهم مادة استعمالية ليس لها أهمية خاصة”. هذا التصور الغربي يرى اليهود ملائكة أو شياطين، هم مركز الكون ولا يتحرك التاريخ من دونهم، أو هامشيون لا أهمية لهم. وهذا النموذج التفسيري الغربي يتجاهل صهيونية غير اليهود، ويرى أن “الصهيونية حركة يهودية، وأنها تنبع من صفحات العهد القديم أو تطلعات اليهود الأزلية للعودة إلى صهيون”.

ومن ثمار هذا الاستلاب المفاهيمي ميل العقل العربي إلى نزع اليهود من سياقهم التاريخي والإنساني المتنوع. وقد أدى “الخضوع لإمبريالية المقولات الغربية” إلى تشييء اليهود، واختزال الجماعات اليهودية غير المتجانسة، نظرا لتنوع بيئاتها وتباين واقعها السياسي والاقتصادي، في بعد واحد أو اثنين. وحين ينظر الخطاب التحليلي العربي إلى الظواهر اليهودية كمعطى مادي، مجرّد شيء يخلو من التركيب التاريخي، فهو يُسقط البعد التاريخي والإنساني المركب للظواهر اليهودية، ويعتبر اليهود كتلة متماسكة، كيانا فريدا له قانونه الخاص، وهذا يجعل الخطاب تعميميا.

وهناك بعد آخر يطلق عليه المسيري “التطبيع المعرفي والتحليلي للظواهر الصهيونية”، ومن آثاره إهمال خصوصية الظاهرة الصهيونية الإسرائيلية التي يصفها بأنها “ظاهرة استيطانية إحلالية ذات ديباجات يهودية”، أما التطبيع الذي يقصده فهو النظرة العربية التي تتجاهل خصوصية هذا الكيان وتراه كيانا سياسيا طبيعيا، بما في ذلك نظامه الحزبي.

تجسد الموسوعة، ربما للمرة الأولى في مصر، قيمة العمل الجماعي، فلها مدير عام هو الدكتور محمد هشام، ومشاركون ومراجعون شغلت أسماؤهم بضع صفحات، بداية من زوجته الدكتورة هدى حجازي، حتى فتحي أبورفيعة الكاتب والمترجم المصري بهيئة الأمم المتحدة في نيويورك.

ابتدع المسيري مصطلحات نحتها على غير مثال، منها “الحوسلة” بمعنى تحويل الإنسان إلى وسيلة وليس غاية. والدولة الوظيفية وهي دولة جيتو/ قلعة منعزلة عن محيطها الحضاري، ولديها إحساس عميق بتفوقها، ورسالتها المقدّسة، وتتبنى أخلاقيات مزدوجة في علاقتها مع الذات ومع الآخر. والعلمانية الشاملة في مقابل العلمانية الجزئية ويقصد بالأخيرة “فصل الدين عن الدولة، أي فصل العمليات السياسية والاقتصادية عن الاعتبارات الدينية”، والنموذج الأكثر تفسيرية والنموذج الأقل تفسيرية، وحين انضم إلى الحزب الشيوعي كان يقول إنه “ماركسي على سنة الله ورسوله”.

نفدت الطبعة الأولى الوحيدة من موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية”، ووعدني ناشرها إبراهيم المعلم بإعادة طباعتها منذ أشهر حين فشلت محاولاتي في العثور على نسخة يريدها صديق، ولا يمكن التضحية بالنسخة المهداة إليّ من المؤلف الذي حذف كثيرا من “الإشكاليات النظرية” التمهيدية في الموسوعة الموجزة، وقد صدرت عام 2003 في مجلدين كبيرين، عن ناشر الموسوعة الكبرى (دار الشروق بالقاهرة) ومركز زايد للتنسيق والمتابعة في أبوظبي، وأهداها المسيري إلى “المفكر والأديب والصحافي الأستاذ محمد حسنين هيكل، الصديق والعلم”، كما اكتفى بمقدمة من صفحة واحدة أوضح فيها أن هذه النسخة تخاطب قرّاء ربما وجدوا ما يمنع تواصلهم مع “النص الكامل”.

سيجد قارئ الموسوعة الموجزة شيئا من التيسير، والتخفف من الصرامة، وقد كان الرجل بحكم تكوينه الأدبي الرفيع يتمتع بفضيلة القلق المثمر، فيغير في جمل وكلمات شملت حتى سيرته التي صدرت طبعتها الأولى عام 2000 بعنوان “رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر.. سيرة غير ذاتية غير موضوعية”، وفي الطبعة الثانية، عام 2005، حذف من العنوان كلمة “الثمر”، واستبدل بها “الثمار”، وحذف العنوان الفرعي الدال “سيرة غير ذاتية غير موضوعية”. وقد صارحته بأن هذه السيرة أفضل ما كتب على الإطلاق، وضحك وقال إنني لست أول من يرى هذا الرأي.

وبعد الموسوعة وسّع بعض المداخل، وصدرت في كتب مستقلة، ومنها “البروتوكولات واليهودية والصهيونية” و”الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان” و”الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ” الذي يناقش التواطؤ بين الطرفين، وربما لم يطبع مرة ثانية، وقد استعار نسختي صديقي رفعت السيد علي، وكنا نخطط لدراسة بعنوان مقترح هو “رب الدم” عن صورة الرب المنتقم في العهد القديم والتلمود، فلم ننجزها ولم ترجع نسختي.

وذات ليلة رمضانية، في خريف 2006، دعاني إلى بيته. وقال إنه شرع في موسوعة “اليهود والصهيونية وإسرائيل”، بالتعاون مع باحثين مصريين وفلسطينيين في الداخل. وفي 3 يونيو 2008، أبلغته من تونس العاصمة بحصوله على جائزة القدس، عقب انتهاء اجتماع الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب مانح الجائزة، وإنه سيتسلم الدرع في احتفال بدمشق في نوفمبر 2008. ففرح وقال يكفي أنها تحمل القدس، وسألني: فيها فلوس؟ وقلت ضاحكا: لا يجمعان. ولم يمهله القدر، إذ توفي في 3 يوليو 2008

المصدر: 
العرب
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.