بمناسبة اقتراب 23نيسان/أبريل اليوم العالمي للكتاب حديث حول" شجون الكتاب في يوم الكتاب "ج1

الثلاثاء, March 10, 2015
كاتب المقالة: 

قد لا يكون من اللائق الحديث عن أزمة الكتاب في يوم عيد الكتاب، كمن يتحزن في يوم فرح وعرس. لكن الكتاب نفسه كان يعتصر ألماً كلما استمع إلينا ننشده بيت المتنبي الذي بوأه مقام خير جليس، في الوقت الذي نسمح فيه لأيدينا بالتراخي عنه ليخر صريعاً، من دون أن تمتد إليه يد حانية لانتشاله.

يرى في ذلك نوعاً من المجاملة والنفاق، أو نوعاً من الانفصام بين القول والعمل؛ ذلك الداء الذي ينتاب الأمم إبان ارتكاسها الحضاري.

بل قد يكون من المستهجن أن نستمع في عيد الكتاب إلى أنين الكتاب يشكو من عوز في الإبداع، فلا يتلقى- ونحن ندلف إلى عصر المعرفة الذي أخذت المعلومات فيه تتضاعف خلال أقل من عقد – إلا مكروراً معاداً يعاني من غربة في الزمان، أو مسخاً مستعاراً يعاني من غربة في البيئة والمكان، فلا تكاد نسبة إبداعنا إلى الإبداع الفكري والعلمي العالمي تجاوز الصفر إلا قليلاً.

وقد يكون من المستهجن أن نستمع إلى أنينه يشكو الرقابات التي تقف فوق رؤوس المبدعين؛ تكم أفواههم أن تنطق بكلمة نشاز خارج نظام الجوقة، ثم تنتقل إلى أبواب المطابع ودور النشر لتحول دون صدور ما يقلق الراحة العامة أو يخرق الصمت ويعكر صفو السكون.. حتى إذا اطمأنت إلى إحكام قبضتها على النتاج الفكري في الداخل، قفزت إلى الحدود لتمنع نسمات الإبداع أن تتسلل إليها من الخارج..

تفعل ذلك حرصاً منها على أمن القارئ الثقافي ؛ تفترض سلفاً قصوره، وتقيم من نفسها وصية عليه، تحدد ما هو مسموح له أن يقرأه، وما لا يجوز له الاطلاع عليه مخافة الزيغ والضلال، فأي إبداع يمكن أن ينمو ؟! وأي حراك ثقافي يمكن أن يقوم؟! وأي مجتمع قارئ يمكن أن ينبني في ظل هذه الوصاية؟! ومن الحب ما قتل؟!

يقول ليف فلاديمير مدير مكتبة داج همر شولد الأسبق: "إن أي مصدر للقوة ليس بوسعه أن يولد قدراً من النور، أكبر مما يصدره كتاب صغير" ولا أدل على صدق مقولة فلاديمير من هذا الحشد الكبير الذي تحشده الرقابات لمحاصرة الكتاب، خوفاً من أن يتسرب منه شعاع يضيء، أو ريح تعصف، أو هدير يقلق.

ذلك أن الكتاب فكرة، والفكرة إبداع، والإبداع تجديد، والتجديد تجاوز للمألوف، وتجاوز المألوف مخالفة، والمخالفة تحدٍّ، والتحدي يخلق الآخر، والآخر تعدد، والتعدد يثير التصادم، ومن التصادم ينبعث الرعد؛ صوتاً يخرق الصمت، و نوراً يضيء ظلام الطريق، ويبعث على الحركة، والحركة حياة.. من هذا كله تنبع قوة الكتاب، وقديماً قيل: ((إذا أردت أن تستريح، عليك أن تغلق الباب الذي يأتيك بالريح)).

ولكن هل يملك الكتاب فعلاً كل هذا السحر؟ وهل يحمل كل كتاب الحقيقة الخالصة بين دفتيه؟ هل يمكن لكتاب من عند غير الله أن يكون صواباً كله؟ هل يخلو الكتاب من خطأ، حتى لو أسميناه خطأ مطبعياً؟! أليس في بعض الكتب تضليل يخلط الحق بالباطل، ويلبس الشر لبوس الخير، بل أليس في بعضها ما هو شر كله؟ فكيف يستطيع الإنسان أن يميز الخبيث من الطيب؟ ألا يستدعي الأمن الثقافي للمجتمع إقامة الحواجز والغرابيل لمنع الخبيث من التسلل إلى عقول أفراده؟!

أبداً.. لست أرى ذلك، بل إنني أرى في ذلك نوعاً من الأحادية يُورث العقم، ويقتل الإبداع، ولا تنبثق الحقيقة إلا من تصادم الأفكار، ولن يُعرف الحق إلا إذا اقترن بالباطل: ] كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض[ [الرعد 13/17].

إن المصفاة الحقيقية للأفكار فردية وهي العقل الذي وهبه الله لكل إنسان، وأمن المجتمع الثقافي لا يتحقق بفرض الوصاية على الإنسان، وتجريده من حقه في الاطلاع، وحرمانه من متعة تقليب وجهات النظر، وتنحية الأدران والأشواك عن وجه الحقيقة.

إنني أثق بالقارئ ووعيه.. أثق بالقراءة الحرة وقدرتها على تصحيح مسارها وتلافي أخطائها، وأشجب كل أشكال الوصاية والحجر على الأفكار.. وأرى أن الوصي مهما سمت مواهبه، لا يمكن أن يكون أوعى من القارئ، وأقدر على تنحية السم والعفن من غذائه الفكري.. وأن ترك القارئ يكوّن مناعته الفكرية ذاتياً، أولى من افتراض قصوره المزمن، وتعطيل عقله، لممارسة التفكير بالنيابة عنه.. وأن الأمن الثقافي للمجتمع لا يمكن أن يتحقق بأفراد قاصرين، تعوزهم المناعة الفكرية في وجه الاختراقات الثقافية الجارفة، في عصر العولمة وثورة المعلومات وتقنيات الاتصال.

لعل ما سيكون أكثر إسعاداً للكتاب العربي يوم عيده، بعد أن استمعنا إلى بعض شكاواه، أن نضعها على بساط البحث والتحليل، لنتعرف على مواطن الداء، ومصادر الخلل، ثم نصف العلاج على ضوئها ضمن خطة شاملة محكمة، وجدول زمني محسوب وواضح.

كلنا على يقين من أن الكتاب عنوان التحضر؛ لا تلوذ به أمة، فيلوب له أفرادها – يمسِّكون به، يقلِّبون فيه وجوههم، ويحيون به أوقات انتظارهم، ويجعلونه حديث منتدياتهم، ومادة أسمارهم، ويتفاعلون معه نقداً وتقويماً، ويتهادونه فيما بينهم كأسمى هدية- إلا أفادوا منه حراكاً ثقافياً يصعد بهم في معارج الحضارة ويكون دليلاً عليها. ولا تتراخى عنه أيدي أمة إلا كان علامة تخلفها وانحدارها.

وكلنا على يقين من أن وجود السيدة الدكتورة نجاح العطار في منصب نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية، إنما يأتي في المرحلة الراهنة- التي نواجه فيها أكبر التحديات في تاريخنا الحديث-دليلاً على وعي القيادة السورية لأهمية التنمية الثقافية في المواجهة، وإدراكها العميق للتحول الإنساني الكبير الذي تنعطف فيه الإنسانية بسرعة مذهلة من عصر اقتصاد الصناعة إلى عصر اقتصاد المعرفة. وفي عصر المعرفة القادم قريباً، ستتغير معايير قياس تقدم الأمم وتفوقها، لتعتمد على ما تملكه كل أمة من المعلومات وما تنتجه من المعارف، أكثر مما تعتمد على ما تملكه من ثروة المال، ومداخن المصانع الشاهقة، وترسانة السلاح.

ولئن كنا نعاني في الحقبة الراهنة من غطرسة القوة، نتيجة لتفردها بعد انتهاء الحرب الباردة، فإن قوانين التاريخ وسنن الله التي تحكم مسيرة التطور الإنساني نحو الأسمى والأرقى تؤكد أنها حقبة عابرة لا تلبث أن تزول:

-لأنها ناجمة عن حدة المنعطف الذي تجتازه البشرية من عصر إلى عصر. ومن شأن المنعطفات الحادة -حين يجتازها الإنسان بسرعة كما يفعل اليوم – أن تخل بتوازنه، وتربك فكره وقدرته على المحاكمة السليمة، والتصرف بحكمة وعقلانية. لكنه سرعان ما يعود إلى صوابه إذا ما أفلح باجتياز المنعطف، واستوى به الطريق.

-ولأن التفرد نظام شاذ يخالف فطرة الإنسان، حتى لو أطلق عليه اسم النظام الدولي الجديد، فإنما أقام الخالق نظام الكون على التعدد، ]ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون[ [ الذاريات51/49 ] ولأجل ذلك ]وضع الميزان ألا تطغوا في الميزان[ [ الرحمن 55/7-8 ] وجعل الصراع الدائر بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، عنوان صحة في مسيرة التقدم البشري، من دونه تفسد الأرض: ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض[ [ البقرة 2/251]، ولن يستطيع الإنسان أن يستمر في الفساد وسفك الدماء، فما هي إلا انتكاسة عابرة – قد يفقد فيها بعض مكتسباته التي حققها عبر كفاحه المرير-ما تلبث أن تزول، ويستعيد الإنسان عافيته ومكتسباته وفق الخطة التي رسمها الخالق له، والأمانة التي تصدى لحملها.

لكن قوانين التاريخ وسنن التغيير- على الرغم من ثباتها وصدقيتها- لا تعمل بعفوية وتلقائية، إنما تتحقق ضمن إرادة إنسانية واعية؛ و ]إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[ [ الرعد 13/11 ].

إن عصر المعرفة الذي نتأهب للدخول فيه، قد غير ترتيب الأولويات، وارتقى بالثقافة إلى المرتبة الأولى، وسلمها مفتاح القوة والتقدم، وبحسب هذا الترتيب الجديد سوف تتراجع العمالة اليدوية لصالح العمالة الفكرية، وسيشتد ساعد قوة الثقافة على حساب ثقافة القوة، وستتقدم مصانع الفكر- مراكز للأبحاث، ومؤسساتٌ للتعليم، ودور للنشر – على مصانع السلع الأخرى، وسيشتد الطلب على السلع الفكرية في اقتصاد المعرفة، وسيعلو شأن عمال المعرفة.

وإن الكتاب – في المرحلة القادمة – لينتظر منا الكثير؛ فلوثة العزوف القرائي لم تعد مقبولة في التحولات الإنسانية الراهنة، وعوز الإبداع والعجز عن الإنتاج المعرفي، لا يمكن أن تؤسس لنا موطئ قدم راسخ في حلبة السباق العالمي القادم. 

المصدر: 
أرشيف دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.