بمناسبة يوم المخطوط العربي ..التراث العربي المخطوط أهميته، سبل حمايته، والتعريف به

السبت, April 15, 2017
كاتب المقالة: 

بكل فخر واعتزاز، أقدم هذا البحث العلمي مشاركة متواضعة مني في تكريم الصديق العزيز الأستاذ محمد عدنان سالم، مدير عام دار الفكر للنشر، الرئيس الفخري لاتحاد الناشرين السوريين، تقديراً لجهوده في الحفاظ على التراث، ونشر الإنتاج الفكري العربي، مشرقاً ومغرباً.

1- تمهيد:

ذكر القرآن الكريم العلم في محكم آياته زهاء سبع مئة وخمسين مرة، وحضّ على الإبداع والابتكار، زهاء أربع وخمسين مرة. وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الأهمية، فامتثلوا لأوامر رب العالمين، ونبيه الكريم، فطلبوا العلم في كل مكان، من المهد إلى اللحد، وأعطوا القراءة والبحث العلمي، جلّ عنايتهم ورعايتهم، ولكن ما إن انشغلوا عنها، وأهملوها، حتى ضعفت شوكتهم، وأصابهم ما أصابهم، من ذلّ وهوان. (صوفي، 2008: 20).

لقد أقبل العرب المسلمون على الكتابة والتدوين والتأليف، إقبالاً منقطع النظير، منذ العصور الإسلامية الأولى، وحققوا في مجال وضع الكتب بموضوعات المعرفة المختلفة، وحفظها ونشرها؛ تقدماً لم تحققه شعوب كثيرة أخرى كانت تمتلك آنذاك من مقومات الحضارة ما يؤهلها لذلك، كبيزنطة وبلاد فارس وغيرها، وكان إقبالهم على الكتب والمخطوطات "يشبه إلى حد كبير شغف الناس في عصرنا هذا باقتناء السيارات والثلاجات وأجهزة التلفزيون... وكما يقاس ثراء الناس اليوم بمدى ما يملكون من عربات فاخرة مثلاً، قدر الناس في ذلك العصر من القرن التاسع حتى القرن الثالث عشر الثراء بما يملكون من كتب أو مخطوطات... ونمت دور الكتب في كل مكان نمو العشب في الأرض الطيبة، ففي عام (891 م) يحصي مسافر عدد دور الكتب العامة في بغداد بأكثر من مئة، وبدأت كل مدينة تبني لها داراً للكتب يستطيع عمرو أو زيد من الناس استعارة ما يشاء منها، وأن يجلس في قاعات المطالعة يقرأ ما يريد، كما ويجتمع فيها المترجمون والمؤلفون في قاعات خصصت لهم، يتجادلون ويتناقشون كما يحدث اليوم في أرقى الأندية العلمية" (هونكه، 1981: 385).

لقد أعطى العرب منذ العصور الإسلامية الأولى المخطوطات، والكتب والمكتبات عناية كبيرة، وبخاصة في العصر العباسي، حيث ازدهرت حركة الترجمة والتأليف، وأقبل الناس على النسخ وشراء الكتب واقتنائها والعناية بها، وقد حفلت المؤلفات العربية بكثير من المنثور والمنظوم الذي يؤكد هذا الحب والولع.منها ما كتبه أبو بكر أحمد بن الحسين

على ظهر كتاب له:

يا مستعير كتابي إنه علق
 

بمهجتي علق المحبوب بالمهج
 

انسخه واردده في حل وفي سعة
 

وأنت في حبسه في أضيق الحرج
 

 

وما أنشده أبو حسين علي بن أحمد بن يحيى الجورْدكي لنفسه بالبصرة بقوله:

يا من يروم كتابي
 

لنسخه إن أراده
 

أو رغبة في اطلاع
 

يبغي بذاك الزيادة
 

توق فيه خصالاً
 

تسويده وفساده
 

إذا فرغت فأسرع
 

به إلى الإعاده
 

فحبسه فعل سوء
 

وسرعة الرد عادة
 

 

وكتب أبو الحسن علي بن أحمد بن علي الفالي الأديب على نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد، اضطرته الفاقة لبيعها ما يلي:

أنست بها عشرين حولاً وبعتها
 

لقد طال وجدي بعدها وحنيني
 

وما كان ظني أنني سأبيعها
 

ولو خلدتني في السجون ديوني
 

ولكن لضعف وافتقار وصبية
 

صغار عليهم تستهل شؤوني
 

فقلت ولم أملك سوابق عبره
 

مقالة مكوي الفؤاد حزين
 

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك
 

كرائم من ربّ بهن ضنين
 

 

وقال بعض الشيوخ:

قد رددنا إليك، أصلحك الله
 

مع الشكر، ما استعرناه منكا
 

ورأيناك أحسن الناس صبراً
 

واحتمالاً لما حبسناه عنكا
 

 

أما وصف الجاحظ للكتاب فهو غني عن كل قول وبيان. (حمادة، 1970: 134).

ومع الاهتمام الواسع، بحركة التأليف والترجمة، أقيمت المكتبات العامة في جميع أرجاء الدولة الإسلامية آنذاك، كذا المكتبات المدرسية والمتخصصة، والمكتبات العلمية، التي حفلت بملايين الكتب والمخطوطات، مثل مكتبة دار العلم بالقاهرة، التي حوت فوق رفوفها، إبان القرن الحادي عشر الميلادي، زهاء 2 مليون مخطوط، وهي مكتبة قال عنها البابا سلفستروس، بابا روما عام 999 م: «إنه لمن المعلوم تماماً، أنه ليس ثمة أحد في روما له من المعرفة لأن يعمل بواباً لتلك المكتبة، وأنى لنا أن نعلم الناس، ونحن في حاجة لمن يعلمنا؛ إن فاقد الشيء لا يعطيه» (هونكة، 1981: 353). ثم مكتبة بني عمار في طرابلس لبنان التي حوت عند مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، حوالي 3 مليون مخطوط، قبل أن يحرقها جيش الصليبيين (حمادة، 1970: 135). وقد عبر المؤرخ وول ديورانت عن روح ذلك العصر بقوله: «لم يبلغ الشغف باقتناء الكتب والمخطوطات في بلد آخر من بلاد العلم - اللهم إلاّ في بلاد الصين - ما بلغه في بلاد الإسلام في هذه القرون، حين وصل إلى ذروة حياته الثقافية، وأن عدد العلماء في آلاف المساجد المنتشرة في البلاد الإسلامية من قرطبة إلى سمرقند لم يكونوا يقلون عن عدد ما فيها من الأعمدة» (ديورانت، 1950: 171). كما عبر القس المتعصب ألفارو القرطبي، فيما كتبه عام 854 م عن روح ذلك العصر أيضاً بقوله: «يا للحسرة، إن الموهوبين من شبابنا الإسبان، لا يعرفون إلا لغة العرب وآدابها، ويقبلون عليها بنهم، إنهم ينفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها. واحر قلباه، لقد نسوا لغتهم، إذ لا يكاد واحد منهم في الألف يستطيع أن يكتب إلى صاحبه رسالة بلاتينية مستقيمة، أما لو طلب منهم كتابة العربية، فما أكثر من يجيد منهم كتابتها بأسلوب منمق، بل هم ينظمون فيها الشعر، بما يفوق شعر العرب أنفسهم، فناً وجمالاً» (بالنثيا، 1955: 485).

لقد اجتمعت كتب المسلمين والمسيحيين واليهود على رفوف مكتبات العرب، متحابة، منتظمة، مفتوحة للقراءة أمام الناس، «تخدم الجميع على اختلاف معارفهم وعقائدهم في بناء النهضة العلمية، وبروح التسامح العربي نفسه، لم يخجل العرب أن يدخلوا مدارس غير المسلمين، وأن ينهلوا من منابع المعارف الهندية أو الإغريقية الشيء الكثير» (هونكة 1981: 401).

ومما يؤسف له أن شطراً كبيراً من هذه المخطوطات التي ازدانت بها المكتبات العربية الإسلامية ضاع بسبب ما تعرضت له الدول العربية الإسلامية من حروب وفتن وغزوات، وكان ما أصاب الثقافة العربية مروعاً عندما اقتحم هولاكو بجيوشه بغداد عام 1258م، حيث ألقيت مئات الألوف من المخطوطات في نهر دجلة، كما أثبت ابن بطوطة أن التتار قتلوا في العراق أربعة وعشرين ألفاً من العلماء. كذا عندما أحرق الصليبيون الغزاة مكتبة بني عمار في طرابلس لبنان (قزانجي، 1972: 15).

ولم يكن نصيب المخطوطات العربية من الدمار خلال زحف تيمورلنك بأقل منه على يد هولاكو. وفي الغرب الإسلامي تعرض التراث العربي الإسلامي للمحنة نفسها، فحين سقطت غرناطة بيد الإسبان المهاجمين عام 1492م، وانتهت دولة المسلمين في الأندلس أحرقت عشرات الآلاف من المخطوطات، وأكثر الباحثين حذراً أو عطفاً على الإسبان يقدرها بثمانين ألفاً. (قزانجي، 1972: 26).

أما الجانب الذي سلم من هذه الكوارث والنكبات فقد نقل معظمه إلى دور المخطوطات والأديرة والمتاحف الأجنبية في ديار الغرب خلال الحروب الصليبية، ثم خلال الاستعمار الحديث للبلاد العربية. ويقدر معهد المخطوطات العربية عددها بثلاثة ملايين مخطوط. (صوفي، 1987: 185). وقد شاهدت بنفسي آلاف المخطوطات العربية محفوظة في مكتبات وأديرة الغرب، بعضها لا يعرف أحد حتى اليوم عن مضمونها شيئاً. ومن إنصاف القول، أن الأوربيين أعطوا هذه المخطوطات العناية التي تستحق، من ترميم وتعفير، حتى إن القديم منها محفوظ لديهم تحت درجة تبريد منخفضة تصل إلى 30 درجة تحت الصفر، لا تعرض على الناس، بل صور عنها. وقد حصل لي شرف الاطلاع على واحد منها، هو كتاب غريب الحديث لابن سلام، من مخطوطات القرن الثاني للهجرة، وذلك عندما كنت أحضر مؤتمر الاتحاد الأوربي لمكتبات الشرق الأوسط في مدينة لايدن الهولندية، نتيجة جدل حاد جرى بيني وبين بعض المشاركين في المؤتمر، حول سبل وصول مخطوطاتنا العربية إلى أوربة. وقد منحوني مدة عشر دقائق فقط للاطلاع عليه، تحت مراقبة شديدة.

لقد حظيت البلاد العربية الإسلامية بتراث علمي وثقافي مخطوط قلّ أن حظيت بمثله أمة من الأمم عبر التاريخ، ولا يتمثل ذلك في كثرته وحجمه فحسب، بل في محتوياته العلمية والأدبية والثقافية والتاريخية، واتساع آفاقه، ليشمل العالم القديم والوسيط كله تقريباً، جغرافياً وتاريخياً.

2- العولمة والتراث:

ترخي العولمة الثقافية بظلالها السلبية على الهوية والموروث الثقافي للأمم والشعوب، ومخاطرها الفائقة التي تمس قضاياها التراثية الجوهرية، بما يهدد الهوية الوطنية بالتشويه والاضمحلال.

والعولمة بمفهومها المعاصر تعني إحلال الاختراق الثقافي محل الصراع الإيديولوجي، وهو اختراق يستهدف العقل والنفس والتراث. إنه مفهوم يترتب عليه ضياع تراثنا وهويتنا. فثقافة العولمة هي ثقافة أحادية أمريكية تفرض على الآخرين، وهي مهددة للخصوصيات الوطنية، وبخاصة منها العربية الإسلامية، فهي مقاربة اقتصادية على حساب الثقافة والهوية الوطنية، لتقوم مقامها هوية السوق. ويصف المفكر الفرنسي سيرج لافورش ( Serge Lafourche ) العولمة بقوله: «إنها عملية اقتلاع جذور الأمم والشعوب، من أعماق الكرة الأرضية» (صوفي، 2003: 158).

ولم تعد العولمة الشرسة بمفهومها السلبي هذا تراعي أي شيء فهي تدعي أنها منتصرة لا محالة، ولا مجال لردها أو عدم الدخول فيها، بل إنه لا يحل في هذا العالم سواها. ونحن نقول: إن العولمة ما هي إلا ظاهرة تاريخية، أي مرحلة من مراحل النظام الرأسمالي، قابلة للانتعاش والتراجع، ويجب مقاومتها، وتكوين جيوب مقاومة ضدها، وهذه الجيوب موجودة اليوم في أمريكا اللاتينية، بل وحتى في أوربة الغربية التي تخشى الهيمنة الأمريكية.

أما العولمة الثقافية فهي مجموعة من الرؤى والقيم والسلوكات والمعلومات والمعطيات المرتبطة ارتباطاً قوياً بالنظام الليبرالي الرأسمالي الذي يملك قوة انتشارها وتوزيعها عبر العالم من خلال وسائل القوة التي يمتلكها، وتكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة، ومن خلال قوته الاقتصادية والعسكرية. ثم إن الدخول في العولمة لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يعني إلغاء السيادة الوطنية، وهي مفهوم مشترك ومقبول من جميع أفراد الوطن الواحد، وتحركه قيم الناس ومشاعرهم المشتركة، وتاريخهم الواحد، وتراثهم وحضارتهم ولغتهم الواحدة، أو أن يعني إهمال تدريس اللغة الإنكليزية على كافة المستويات في بلادنا، لأنها لغة العلم والثقافة الأولى في العالم، ولأن 80% من المعلومات الموجودة في الإنترنت، هي بهذه اللغة.

إن الديمقراطية، وحقوق الشعوب، وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني مقولات كبرى، ومطالب أساسية ظهرت حديثاً في مجتمعنا، وكأنها مفاهيم قادمة من بعيد، من الغرب، وليست منطلقة من مجتمعنا ذاته ومن عمق تاريخنا، وهي موجودة فيه، فالحضارة العربية التي سادت بلادنا والعالم قروناً طويلة اتسمت بالإنسانية، والعدالة، والمساواة، وحقوق الإنسان، والشورى بين الناس، وكلها مبادئ نادت بها مختلف الرسالات السماوية، وتشبعت بها حضارتنا، وهي في حد ذاتها حضارة إسلامية إنسانية.

واليوم ما مدى قدرتنا على مواجهة العولمة والصمود في وجهها، وهل المغرب العربي أكثر صموداً من المشرق العربي، أو العكس هو الصحيح؟ لأن قرب المغرب العربي من أوربة قوى مفهوم الشراكة، وهذا يسهل عملية الدخول في العولمة. ولكن هل العولمة فعلاً خيار لا مفرّ منه؟

إن من واجبنا نحن العرب، مشرقاً ومغرباً، أن نقوي صلتنا بتراثنا وأمجادنا الغابرة، ومن هنا تأتي ضرورة نفض الغبار عن تراثنا المخطوط، وحفظه، وتنظيمه، وفهرسته، والتعريف به، وتوجيه الأجيال للتمسك به، ونحن نتجه للدخول في العولمة، حتى نفيد من إيجابياتها، ونتفادى سلبياتها التي تلقي بظلالها الخطيرة على هويتنا الوطنية. ولا خوف على ثقافتنا العربية في جميع الأحوال عندئذ، لأنها ثقافة كبرى في تاريخ البشرية، تؤهلنا للعب دور جديد في هذا التاريخ، وصنع فكر إنساني جديد.

إننا اليوم أكثر من أي يوم مضى بحاجة إلى الاعتزاز بتراثنا، «وتجديد ثقافتنا الوطنية، وتعزيز الانتماء إلى الذات، مع الانفتاح على العصر، وذلك عبر إعادة بناء الثقافة من داخلها، وربطها بمفهوم الشعب والأمة، واعتمادها سلاحاً في مواجهة ظاهرة عولمة الثقافة» (نعمان، 1992: 112).

إن العولمة لا تشكل خطراً إذا هي اعترفت بتنوع الثقافات الإنسانية، واحترمت الهويات القومية الوطنية، وخصوصيات الشعوب، وابتعدت عن التنميط القسري، واعترفت بالسلم والعدل الدوليين. ولكنها للأسف تبدو كظاهرة شريرة تريد فرض سيطرة عالمية للنظام الرأسمالي، وإن الاندماج المطلق فيها، أو الانعزال المطلق، كلاهما انتحار حضاري. وإذا كان لابد لنا أن ندخل هذه العولمة، ولا خيار لنا في ذلك، فإن من واجبنا، أن ندعم هويتنا الثقافية وهويتنا الذاتية، من خلال امتلاك قوانين المكتشفات العلمية، وتطوير رؤيتنا الثقافية - التراثية، وأن نحول نظرتنا إلى تراثنا من مجرد شيء نمجده إلى نقده نقداً عقلانياً، وأن نستفيد منه في تأكيد ذاتيتنا وهويتنا، لأنه المفتاح نحو المستقبل» (مقداد، 1998: 104).

انطلاقاً من ذلك نقول: إن الاهتمام بالتراث الوطني هو حفاظ على الهوية الوطنية من الضياع والذوبان في هوية الآخرين أو هوية السوق. وإن التراث المخطوط الذي يحوي مؤلفات علمائنا السابقين وإبداعاتهم، وعطاءاتهم الفكرية والأخلاقية، في جميع مجالات العلوم والآداب والفنون، لهو خير حافظ لنا من الذوبان في حضارة الآخرين، وعلينا أن ننفض عنه غبار الزمن، وأن نعطيه من العناية والرعاية ما يستحق.

3- فهارس المخطوطات:

تزخر الأراشيف ودور الوثائق والمتاحف في دول العالم بنفائس المخطوطات العربية الإسلامية، وقد بذلت جهود كبيرة في العصر الحديث لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المخطوطات التي سلمت من الكوارث والنكبات، وعرف العالم أهمية إنقاذها وحمايتها، وترميمها، والحرص عليها، نظراً لما تحويه من فكر خلاق في العلوم الطبيعية والصيدلانية والرياضية والفلكية والكيميائية والأدبية واللغوية والإنسانية وغيرها، لعبت دوراً بالغ الأهمية في قيام النهضة الأوربية، بعد أن اطلع الأوربيون عليها، ونقلوا جزءاً كبيراً منها إلى لغاتهم الوطنية، مما جعلهم يتقدمون خطوات كبيرة إلى الأمام في مضمار الرقي والازدهار.

وتبرز فهارس المخطوطات العربية التي تزخر بها مكتبات العالم، الحجم الكبير لهذه المخطوطات التي بقيت على قيد الحياة، وما زالت قبلة للدارسين والباحثين، ينهلون منها، ويرتوون من ينابيعها الثرية السمحة، وهذه الفهارس تفتح أمام العلماء الباحثين مغالق تلك الكنوز الخطية الموجودة فوق رفوف مكتبات وأراشيف العالم، وقد بلغت أعداد هذه الفهارس من الكثرة بحيث أصبحت الإحاطة بها تكاد تكون ضرباً من المستحيل، لذلك نهض عدد من الباحثين المهتمين بوضع ببليوغرافيات عامة ومتخصصة لرصد هذه الفهارس والتعريف بها، في مقدمتهم هويسمان، وفاجدا، وبيرسن، وبروكلمان من علماء الغرب، ويوسف أسعد داغر، وفؤاد سزكين من أبناء العرب والمسلمين.

ونظراً لكون الكثير من هذه الفهارس قد تقادم به العهد، ولأن البعض منها كتب متعددة شرقية وأوروبية، ولكون جملة منها قد نشرت في مجلات استشراقية ليس من اليسير الاطّلاع عليها، وأصبح من الضروري إصدار فهرس عام، ومسح حديث لها، بأسلوب عصري، قام عدد من الباحثين العرب، والمؤسسات العربية بالتصدي لهذا العمل. ومن بين الباحثين العرب الذين بذلوا مجهودات هامة في هذا المجال نذكر الباحث كوركيس عواد الذي وضع فهرساً مبوّباً للمخطوطات العربية في الخافقين بعد جهود طويلة، وزيارات علمية للمكتبات الشرقية والغربية. وقد جاء هذا الفهرس مبوباً تبعاً للأقطار التي تمتلك تلك المخطوطات، يليها أسماء المدن في كل قطر، ثم أسماء المكتبات التي تقتنيها، مع مراعاة الترتيب الزمني للفهارس الموجودة في كل مكتبة أو معهد، وهو فهرس عظيم الأهمية، ولكنه بحاجة إلى تكملة وذيول لأن الإحاطة الشاملة بجميع الفهارس على باحث واحد ضرب من المستحيل. وقد أصدر معهد المخطوطات التابع للجامعة العربية هذا العمل ضمن مجلدين تحت عنوان: (فهارس المخطوطات العربية في العالم).

كما تتصدى اليوم مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، وهي مؤسسة عربية إسلامية، مركزها مدينة لندن، للتعريف بالمخطوطات العربية الإسلامية وأماكن تواجدها عبر العالم بأسلوب علمي حديث، وأصدرت فهارس ضخمة في أربعة مجلدات تحتوي على أكثر من ألفي صفحة، غطت (107) دولة في العالم، وأسدت بعملها هذا خيراً كبيراً للمكتبة العربية الإسلامية في هذا الجانب.

وهناك مراكز عربية أخرى في مقدمتها معهد المخطوطات العربية التابع للجامعة العربية الذي يبذل جلّ اهتمامه لتقصي المخطوطات العربية عبر العالم، والاهتمام بتصويرها والتعريف بها، وتسهيل وضعها تحت تصرف الباحثين؛ وهذا ما سنتحدث عنه في ما يلي من صفحات. ولا بد هنا من الإشارة إلى المجهودات التي يبذلها مركز جمعة الماجد في دبي للتعريف بالمخطوطات العربية، وتصوير الموجود فيها داخل الوطن العربي والتعريف به وتيسير الاطلاع عليه.

كما تقوم الدول العربية بإعطاء مزيد من الاهتمام للمخطوطات المحفوظة لديها، ووضع فهارس لها وكشافات تساعد الباحثين في الوصول إليها بسهولة ويسر، علماً بأن معظم هذه المخطوطات ما زالت موزعة بين المكتبات العامة والخزائن الخاصة، وأن جميع المجهودات التي تبذل في سبيل تجميعها وصيانتها ما زالت قاصرة عن تحقيق أهدافها المنشودة، كما إن الإدارات المسؤولة عنها ما زالت تعاني من نقص الكفاءات الفنية المؤهلة لهذا العمل، هذا فضلاً عن قصور القوانين العربية التي تحمي المخطوطات من الاستلاب الثقافي والعلمي، وبخاصة منها المخطوطات الموجودة في فلسطين، التي تتعرض للنهب الحضاري بصورة خطيرة.

4- حماية المخطوطات العربية:

بدأت المخطوطات العربية تخرج من الاهتمام الفردي إلى الاهتمام المؤسساتي، وهي مؤسسات قامت بجهود عدد من الرجال الأثرياء العرب الذين اختاروا إنفاق جانب من أموالهم في هذا المجال الهام، بعد أن تحمل هذه الأعباء في الماضي جيل من الأساتذة الرواد الذين بدؤوا السير في هذا الطريق الصعب الشائك، بغية اكتشاف كنوزه المجهولة، إلا أن عوادي الزمن أقعدتهم عن مواصلة الطريق، بعد أن انحسرت موجة الاستشراق والمستشرقين الذين أسهموا إسهاماً فاعلاً في حماية هذه المخطوطات وصيانتها والتعريف بها، مهما كانت الدوافع التي حركتهم للسير في هذا الاتجاه، أو المآخذ التي أخذت عليهم، فقد كانت لهم برغم ذلك أيادٍ بيضاء في البحث عن المخطوطات النادرة، وحفظها، وطبعها، ونشرها، والتعريف بها، برغم كونها انتزعت من بلادنا دون حق، وجدير بنا، ونحن نفكر في حماية مخطوطاتنا، أن نفكر أيضاً في سبل استرجاعها إلى أوطانها الأصلية التي نهبت منها، وهو الأمر الذي يتطلب بذل جهود أكبر، وعناية أكثر، لرعايتها على الصعيد العربي، ثم على الصعيد الدولي. ومما يثير الدهشة والألم، أن نجد مخطوطاتنا تلقى عناية الغربيين وهي في ديارهم، أكثر مما تلقاه من أهلها، في بلادنا. لذلك فنحن بحاجة إلى بذل مزيد من الجهود على الصعيد العربي، وتوحيد الجهود، ووضع خطط عمل مشتركة، وللضغط على الدول الأجنبية التي لا تسمح بتصوير مخطوطاتنا المحفوظة لديها، أو تضع العراقيل أمام تحقيق ذلك.

ولو نظرنا إلى المخطوطات العربية في بلادنا، لوجدناها مشتتة مبعثرة بين مختلف الهيئات الحكومية والأهلية والأفراد والمكتبات. وليس تشتت المخطوطات بين مختلف أنواع المكتبات في الدولة الواحدة هو المظهر الوحيد لسوء حالها، فالذي يدخل مخازن بعض هذه المكتبات، يشعر بأسى عميق، لما تلقاه المخطوطات من إهمال بعد أن تحولت في نظر الكثير من المسؤولين عنها إلى مواد متحفية تعرض منها النسخ التي تتحلى بألوان من الفن في كتابتها أو زخرفتها أو تجليدها، ويكرس الباقي في المستودعات ليكون طعماً للآفات والحشرات دون أن يحظى بأي نوع من الصيانة، بل حتى دون أن يراعى في وضعه أبسط الأسس العلمية لتنظيم الكتب على الرفوف؛ فبعضها يزدحم ازدحاماً شديداً حتى لتحشر عليه المخطوطات حشراً يفسد أوراقها وتجليدها، وبعضها الآخر تلقى عليه المخطوطات مضطجعة أو قائمة في وضع مائل يتلفها، وبلادنا بطبيعتها يغلب عليها الحرارة والجفاف، أو الرطوبة، وهذه تساعد على إتلاف الأوراق والجلود، ومخازن المخطوطات عندنا لا تعرف أجهزة سحب الغبار والأتربة، بل قلما تسلم من الشمس أو الرطوبة، فضلاً عن سوء التهوية أو معظم هذه الأخطار مجتمعة... أما تعقيم المخطوطات وترميمها فما زالت أساليبه عندنا قاصرة عاجزة عن أن تصون لنا ما سلم من تلك الآفات، برغم ما أحرزه العلم من تقدم في هذا المجال (الحلوجي، 1976: 133) ، ناهيك عن النقص الفادح في الفهارس اللازمة للتعريف بها ، ونقص الدراسات الأكاديمية عن

المخطوطات العربية، نع غياب هذا الموضوع كمادة تدريسية على مستوى معاهد المكتبات في معظم الجامعات العربية. وجدير بالذكر، أن الوضع تغير كثيراً، بعد إنشاء العديد من المكتبات الوطنية الحديثة في الوطن العربي، وتخصيص أجنحة لحفظ المخطوطات فيها، واعتماد أفضل الطرق لحفظها، ورعايتها، وهو أمر يدعو إلى الارتياح.

إن أمتنا بحاجة إلى مزيد من العناية بتراثها المخطوط، وحمايته وتصويره من أرشيف ومكتبات العالم، وبخاصة الموجود منه في تركيا وفي أديرة الغرب، وأراشيفه، لأنه يحفل بآلاف مؤلفة من المخطوطات التي ما زالت مجهولة، وهي بحاجة قبل كل شيء إلى خطة واضحة المعالم، وتعاون قوي بين دولها، ودعم لمعهد المخطوطات العربية، وتعاون أفضل مع المؤسسات التي تعمل في هذا الاتجاه، عامة كانت أم خاصة، وتوحيد الجهود، في سبيل إنقاذ مخطوطاتنا، ورعايتها وتجميعها، وتصويرها، وتحقيقها، والتعريف بها وفق أحدث السبل، وأفضل الوسائل.

5- معهد إحياء المخطوطات العربية:

لم يدرك العرب في عصرهم الحديث أهمية تراثهم المخطوط، إلا بعد إدراكهم لحقيقة كون الحضارة الغربية والنهضة الأوربية إنما قامت على أساس هذا التراث، لذلك قامت الجامعة العربية بإنشاء معهد إحياء المخطوطات العربية وذلك في شهر أفريل من عام 1948، ولما يمضِ على قيامها أكثر من سنة واحدة، وكانت الأهداف المرسومة لهذا المعهد بطبيعة الحال الاهتمام بالمخطوطات العربية أينما كانت، ورصدها، وجمعها، وتصويرها، والتشجيع على تحقيقها، وفهرستها، وصيانتها، ونشر هذه الفهارس على أوسع نطاق ممكن، مع إصدار نشرة دورية تعنى بالمخطوطات وما يتصل بها من أمور.

بدأ المعهد بعد عام من تأسيسه بإرسال البعثات إلى الدول العربية والأجنبية لتصوير المخطوطات، ثم توقف عن ذلك في عام 1960 لأسباب مادية، غير أنه قام بالحصول على صور المخطوطات عن طريق اليونسكو، خلال المدة التي توقف فيها، فقد أخذ هذا الأخير على عاتقه أمر تصوير المخطوطات في البلاد العربية التي تطلب منه ذلك. ثم عاد المعهد للتصوير، بعد أن توفرت الاعتمادات المادية لذلك.

وقد بدأ المعهد عام 1955 بإصدار مجلة نصف سنوية تعنى بالمخطوطات العربية وتقدم أخبارها، وأخبار المعهد ونشاطاته، وكما بدأ بإصدار فهارس للمخطوطات العربية عبر العالم، فضلاً عن نشرة نصف شهرية، ثم أصبحت شهرية لأخبار التراث العربي. ويستقبل المعهد أعداداً كبيرة من الباحثين والعلماء والدارسين والمحققين لمراجعة المخطوطات المصورة على ميكرو فيلم، ويعمل على تزويد الراغبين بنسخ عنها. ويعتبر المعهد اليوم مركزاً للتوثيق الببليوغرافي حول المخطوطات العربية، وتدريب المشتغلين فيها.

إن معهد المخطوطات العربية هو الملاذ الأمين الذي تعتمد عليه المخطوطات العربية لحمايتها من الإهمال والضياع والاندثار، «وجهوده المعروفة غنية عن التعريف، وإنما نريد منه الخروج من إطار النظرة الأكاديمية التقليدية إلى أفق أكثر رحابة بما يحقق من التفاعل والتلاحم، مع الجماهير العريضة من المثقفين، لكي تحقق المخطوطات مزيداً من نبض الإشعاع والإخصاب في خضم الثقافة العربية، ولا يتوقف فقط عند مهمة التحقيق والنشر والتصحيح والتعريف... ولا ينبغي أن نحمل المعهد وحده ثقل هذه المسؤولية، بل هو في حاجة إلى روح جديدة، وحضور متواصل، والخروج من نطاق التخصص المحدود إلى مجالات أرحب وأوسع مدى؛ يتلاحم فيها مع مصاب الثقافة العربية العامة، ويتماوج بأكبر وأعمق من إطاره الأكاديمي المعروف» (الهاشمي، 1976: 131) وبرغم مرور وقت طويل على هذه الدعوة، فإنها ما زالت قائمة إلى اليوم، بل هي اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، حيث العولمة تريد أن تفرض أخطبوطها على العالم، وبخاصة منه العالم النامي، لتبعده عن تراثه وأصالته، وهويته، لتضع مكانها هوية السوق، وفي ذلك خطر مبين.

6- حفظ المخطوطات وصيانتها:

تحتاج عملية حفظ المخطوطات إلى مخازن معينة بمواصفات خاصة للبناء والتجهيزات وما إليها، فالبناء يجب أن يكون في منطقة صحية بعيدة عن التلوث الجوي، تحفظه جدران نارية من الحرائق، وتدخل في بنائه مواد تمنع تواجد الحشرات فيه ما أمكن ذلك. ويجب استخدام الخزائن الحديدية المثقوبة لحفظ المخطوطات، مع استخدام المساند الحديدية أيضاً والرفوف المتحركة. وأما الإضاءة فتكون كهربائية غير مباشرة، مع عدم استخدام الإضاءة الزئبقية أو من نوع الفلورنس؛ لأنها تحوي أشعة فوق البنفسجية تضر الورق وتغير لونه، ولا بد من توفر درجة حرارة ورطوبة مناسبة، كأن تكون درجة الحرارة بين 20 - 25 درجة مئوية، أما الرطوبة بين 50% إلى 60 %. وتشير بعض الدراسات الحديثة، إلى أن حفظ المخطوطات النادرة يجب أن يتم في درجة حرارة تصل إلى 30 درجة تحت الصفر، أي درجة التجمد الشديد؛ لأن مثل هذه المخطوطات قديمة جداً، ونادرة الاستخدام، وحفظها في درجة التجميد الشديد يطيل من عمرها.

ولا بد بطبيعة الحال من تزويد المخازن بأجهزة إطفاء جيدة، ووسائل تنبيه سريعة عن الحرائق، كذا تزويدها بصناديق تعفير وتبخير لمعالجة المخطوطات ومكافحة آفاتها. كما أن توفر المكتبة أو الأرشيف على قسم خاص بالصيانة والتجليد والترميم هو من الأمور الهامة التي لا غنى عنها. ومن مهام هذا القسم تصفح المخطوطات ومعرفة أوضاعها الصحية، وترقيمها بإكمال الصفحات الممزقة والناقصة بالوسائل والمواد الحديثة الملائمة، مع طلاء الأوراق الجافة بمواد مطرية خاصة، إلى جانب التحذير من استخدام القماش العادي والأصماغ والنشا وما إليها في هذه الأعمال، نظراً لانعكاساتها السلبية على المخطوطات، وتأثيرها على نمو الحشرات الضارة والبكتريا والفطريات، أهمها النمل الأبيض (الأرضة) والسمكة الفضية، والحشرة القارضة، ودودة الورق، والخنفساء السوداء، والإصابات الجرثومية، والفطريات؛ وهذه الأخيرة تترك بقعاً ذات ألوان مختلفة صفراء أو برتقالية أو سوداء تترك أثراً حامضياً، يؤدي إلى فسخ الزخارف وضياع ألوانها. وجدير بالذكر أن هذه الفطريات لا تمتص الرطوبة من الجو، بل من المواد المخزونة نفسها، وبخاصة عندما تكون درجة الرطوبة في المخازن مرتفعة. وهناك مواد متعددة تستخدم لمكافحة الحشرات بينها مادة الـ ( D.D.T ).

ويهتم هذا القسم أيضاً بعملية تعفير المخطوطات وتعقيمها، وتقتني كل مكتبة صناديق للتعفير بمعدل صندوق لكل خزانة، وتوضع فيه مجموعة كتبها، وتبخر بمواد قاتلة للحشرات، وتتم هذه العملية مرة واحدة كل عام، وعند الشعور بوقوع إصابات بين المخطوطات. ونشير هنا إلى أنه لابد من تعفير المخطوطات القادمة حديثاً إلى المخزن قبل وضعها فوق الرفوف، لاحتمال كونها مصابة إصابات مسبقة، وحتى لا تنقل العدوى إلى المخطوطات الأخرى المحفوظة في المخزن. ويكون صندوق التبخير عادة مصنوعاً من مادة خشبية جيدة، مصفحة من الداخل بمادة معدنية لا تسمح بتسرب الأبخرة خارجه. ويكون حجم الصندوق حوالي متر مربع واحد، توجد في أسفله شبكة معدنية ترتفع حوالي 20 سم من أسفله توضع فيها المواد الكيميائية الخاصة بمكافحة الأوبئة. وهناك أضرار متنوعة؛ قد تصيب المخطوطات نتيجة الاستخدام والملامسة من قبل الموظفين والمستفيدين، أو نتيجة عرضها في المتاحف والمعارض. لذلك ينصح بعدم استخدام وسائل التدفئة الغازية أو النفطية في المخازن، وعدم السماح للمستفيدين من استخدام أقلام الحبر وما شابهها عند استعمال المخطوط، مع منعهم بشدة من الكتابة فوقه. ويفضل تقديم صور عن المخطوط للمطالعين، أو ميكروفيش وميكرو فيلم عنها لقراءتها عبر الأجهزة القارئة، (النقشبندي، 1976: 158) أو عبر الكمبيوتر.

 7- فهرسة المخطوطات وتكشيفها:

لقد بذلت حتى الآن جهود كبيرة على المستويين العربي والدولي لرصد المخطوطات، وفهرستها، وصدرت أعداد هامة من الفهارس بجهود علماء أجلاء، دفعهم لذلك حبهم للتراث وانشغالهم فيه، أو بجهود منظمات عامة أو مؤسسات خاصة سبق الإشارة إليها.

ولم تسلك هذه الفهارس مسلكاً موحداً من الناحية الفنية وهو مسلك بدأ في السنوات الأخيرة، يأخذ اتجاهاً موحداً على جميع المستويات العربية، وذلك بصدور بطاقة الفهرسة الموحدة للمخطوطات العربية عام 1989، وهي بطاقة يجري اعتمادها اليوم في جميع الدول العربية من قبل الباحثين العرب المهتمين بإصدار الفهارس. وتتضمن هذه البطاقة ستة حقول أساسية هي على التوالي:

1- حقل المضمون : يحوي هذا الحقل عنوان المخطوط والعناوين الفرعية، والمؤلف مع تاريخ وفاته، ثم الموضوع واللغة التي كتب فيها، ثم عبارات البداية والنهاية.

ويجري التحديد اعتماداً على المخطوط نفسه، أو على مصادر أخرى ذات صلة، بسبب غياب العنوان أصلاً لضياع بعض الأوراق الأولى أو الأخيرة منه، أو لكون بعض الناسخين ينسون كتابة العنوان، كذا بسبب تعدد أسماء القدماء من المؤلفين، وتنوعها، وهذه كلها لها قواعد محددة يجب اعتمادها.

2- بيانات النسخ : وتتضمن اسم الناسخ مع نسبه ومذهبه ومسكنه إلخ... ثم مكان وتاريخ النسخ باليوم والشهر والسنة إلى غير ذلك من أمور.

3- الوصف المادي للمخطوط : مثل رقم المجلد، رقم الجزء، نوع المادة التي كتب عليها، وصف الحالة العامة له، وحالته الصحية، وعدد أوراقه، ومقاييسه، كذا نوع خطه، ورسومه وزخارفه، مع لون مداده وتجليده.

4- الإضافات الخاصة بالمضمون : وتشمل إضافات تتصل بمضمونه أو لا تتصل ، كالإجازات ، والسماع،

والتوقيعات، والملكية، والأوراق المنفصلة عنه، إلى غير ذلك من أمور.

5- البيانات الإضافية : وهي البيانات الخاصة بالنسخة، وبيانات النشر والترجمة، ورقم تواجد المخطوط في المكتبة ومجموعته، ومكان الطبع إن وجد، وتاريخه، ودار النشر، مع بيانات التحقيق وما إليها.

6- حقل الملاحظات : أي البيانات المتصلة بالمخطوط التي لم يكن بالإمكان إدخالها ضمن البيانات السابقة لسبب أو لآخر، تم الحصول عليها من مصادر أخرى خارجية.

أما الكشافات فهي ضرورية أيضاً، وتقع في عدة أنواع مثل: كشاف العناوين، وكشاف المؤلفين، وكشاف النساخ، والكشاف الزمني وغيره، ثم إن وجود فهرس عام موحد للمخطوطات العربية في العالم هو أمر في غاية الأهمية، وهو عمل ضخم يستدعي تضافر الجهود وتوفير الأموال والوسائل اللازمة لذلك. ويوجد في كتاب تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، وكتاب تاريخ التراث العربي لفؤاد سيزكين، حصر لعدد كبير من المخطوطات العربية وكتب التراث، إلا أنهما مع غيرهما من الفهارس الموجودة اليوم، لا تغنيان عن الفهرس الموحد المنشود. ويمكن أن يتحقق ذلك اليوم بصورة أسهل من أي وقت مضى، نظراً لتواجد الكثير من الفهارس الراصدة للمخطوطات، ويبقى على معهد المخطوطات بذل الجهود لإصدار الفهرس الموحد الذي يشملها جميعاً؛ لأنه الجهة الأقدر على ذلك. ويبقى اليوم ضرورة تعميم استخدام الآلية في صنع هذه الفهارس والكشافات؛ نظراً لإمكانات استيعابها الواسعة، ومقدرتها الفائقة على التنظيم، مع دقتها وكفاءتها المتناهية. لذلك لابد من الاهتمام بإصدار الفهارس المحسبة للمخطوطات العربية.

8- تحقيق المخطوطات:

التحقيق هو جهد علمي هام لا يقل أهمية عن التأليف، بل هو جهد وطني يعمل على إحياء تراث الأمة، والتعريف به، وإبرازه لينير السبيل أمام الأجيال الصاعدة. ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى تحقيق تراثنا ونشره، وبخاصة منه التراث العلمي، لنبين مدى إسهام أجدادنا في صنع النهضة العالمية، وحفاظهم على تراث الأمم الأخرى. ومن واجبنا اليوم أن نفخر بعلمائنا الأجلاء الذين يصرفون الوقت والجهد، قصد التعريف بتراث أمتهم وإسهاماتها عبر التاريخ في الحضارة الإنسانية. قالت المستشرقة المنصفة زيغريد هونكة في مقدمة كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب): «لقد صممت على تأليف هذا الكتاب، وأردت أن أكرم العبقرية العربية، كما أردت أن أقدم للعرب الشكر على فضلهم، الذي حرمهم من سماعه طويلاً، تعصب ديني أعمى، أو جهل أحمق... لقد حان الوقت للتحدث عن شعب أثر بقوة على مجرى الأحداث العالمية، ويدين له الغرب، كما تدين له الإنسانية كافة بالشيء الكثير، بالرغم من ذلك، فإن من يتصفح مئة كتاب تاريخي، لا يجد اسماً لذلك الشعب في ثمانية وتسعين منها» (هونكة، 1981: 09).

وينبغي على المحقق أن يروض نفسه على الصبر والجلد، لأن تحقيق الكتب والنصوص يحتاج إلى نفس طويل وإرادة قوية، وميل لمثل هذا العمل.

ومن الصفات الأخرى المطلوبة في هذا المجال، الدقة والأمانة العلمية في النقل، كذا الدقة في التفكير والتعبير، مع الشعور بالمسؤولية والتواضع، ثم الارتفاع عن مجرد الرواية وترديد الأخبار، بل السعي لاستجلاء معانيها، وبيان آثارها في الحياة. وهناك ثلاثة أنواع من العلماء المحققين، نوع مثقف بثقافة علمية معاصرة تستند على تجربة واختبار، يضعون معارفهم في خدمة الحقيقة، ونوع مثقف بثقافة إسلامية تقليدية؛ يفهمون ويفسرون في ضوء آراء السابقين وأفكارهم دون خروج عنها، وهؤلاء لا يضعون المعرفة السابقة في ضوء العلوم الحديثة والشروط المتغيرة، بل يبقى تحقيقهم تقليدياً ملتزماً دون خروج عن القواعد السابقة المألوفة.

أما النوع الثالث فهو الذي اطلع على الثقافة الحديثة المعاصرة، وعرف مداخلها ومناهجها ومضامينها، وتشرب بروحها، مع إحاطته إحاطة واعية بالثقافة الإسلامية السمحة، وبالتالي يكون قد جمع بين الثقافتين الحديثة والتقليدية، وهو النوع الذي نتمنى أن يسود بين المحققين، لأننا بحاجة إلى أمثال هؤلاء العلماء الذين لا يفرطون بالقديم ولا يستهينون به، بل يقدمونه بحلة عصرية حديثة. إننا بحاجة إلى علماء يحترمون حرية التفكير والرأي الآخر، ويوسعون زاوية الفهم، ويمتلكون المعايير والموازين لتقويم الثقافتين الإسلامية والمعاصرة، والتمييز بين ما هو صحيح فيها، وما هو خاطئ دون تحيز، ومن دون معرفة تامة بالثقافة الإسلامية، ومن دون إحاطة بالثقافة المعاصرة، ومن دون التمييز بين الصالح والطالح، وبين الحسن والسيئ؛ لا يكون هناك ازدواج بين الأفكار، ولا مولود سليم البنية والروح معاً. (أتاي، 1992: 34). إن على الباحثين أن يختبروا الأدلة قبل أن يختبروا الأقوال المستندة إليها، إذا كانت صحيحة يتأكدون من صحتها، وإذا لم تكن صحيحة صححوها، هذا هو المنهج الصحيح للبحث عن الحق والصواب، بعيداً عن الأحكام المسبقة.

ويحتاج المحقق إلى ثقافة أوسع من ثقافة المؤلف، حتى يتمكن من تقديم النص الذي يحققه حياً إلى القراء، لذلك نجده بحاجة إلى اطلاع واسع على مختلف أنواع الثقافة، ومعرفة بالمكتبات والخزائن، وكيفية استخدام فهارسها، كما هو بحاجة إلى اطلاع جيد على فقه اللغة العربية، وعلم الصرف ليتمكن من استجلاء غوامض النصوص، أو ما ذهبت به الأيام، كما هو بحاجة إلى اطلاع على علم العروض والقافية، ويكون بحاجة في عمله إلى اطلاع على المصادر والمراجع ذات الصلة بموضوع المخطوط، مثل: مؤلفات صاحب المخطوط، ومخطوطاته الأخرى، والكتب ذات الصلة به، وبخاصة المؤلفات التي اعتمدها المؤلف في كتابه، مع كتب الأعلام والأنساب والمعجمات اللغوية، فضلاً عن كتب أخرى يهتدي إليها المحقق، وهو يجمع مصادره.

ثم إن معرفة المحقق بأنواع الخطوط العربية يعد من الأمور الهامة، وبخاصة عندما يتصل الأمر بمخطوط قديم، ومعروف أن العرب كانوا يكتبون بالخط الكوفي حتى القرن الثالث الهجري، وهو خط لم يكن منقوطاً أو مشكولاً، تصعب قراءته، ثم الخط الثلثي والنسخي والريحاني في العصر العباسي، بينما لم يشتهر الخط الفارسي بأنواعه إلا بدءاً من القرنين السادس والسابع، وبلغ مرحلة الكمال في القرنين العاشر والحادي عشر. أما الخط الأندلسي فقد ازدهر في الأندلس بصفاته الخاصة، والخط الإفريقي في المغرب. وكان لكل قطر خصائص الخط لديه، ولكل مؤلف خطه وشخصيته.

ولا يجوز للمحقق أن يتدخل في نص المخطوط مهما كان السبب، بل عليه أن يخرجه بالشكل الذي يرضي مؤلفه الأصلي، ويخرجه كما لو كان حياً، بتقديم النص مقروءاً ومشكولاً، وموثقاً، وإثبات صحته وعنوانه لمؤلفه بدليل علمي قاطع، والسهر عليه سهراً كلياً، لتثبيت كل ما فيه من كلام، وشواهد وأعلام، مع العناية الدقيقة بضبط الكلمات التي تحتمل أكثر من قراءة، فهو إذن عملية إحياء نص قديم، وعرضه عرضاً علمياً دقيقاً، وهذا الأصل، لأن النص أمانة مقدسة في رقبة من يتعهد إخراج النص من مكامنه. (ألتونجي، 1986: 180).

وتعد الحواشي، الميدان الحر لقلم المحقق الشخصي، وشروحه، وآرائه الشخصية، وتعليقاته، يذكر فيها ما يشاء، وإذا كان من واجبه الإبقاء على متن النص كما هو دون أي تبديل أو تغيير، فإن الهوامش هي له، يدوّن فيها ما يريد، ولكن دون إطالة أو إكثار من الشروح، حتى لا يرهق القارئ، ويعيب الكتاب، ويفضل أن تكون تعليقاته عبارة عن إشارات توضيحية، أو شروح موجزة، أو تصحيح خطأ ورد في النص الأصلي، أو شرح نقطة غامضة.

ويجب على المحقق أن يضع فهارس للمخطوط، مثل فهارس الأعلام المذكورة في النص، وفهارس الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وفهارس الأشعار، وفهارس أخرى يراها ضرورية ويتطلبها المخطوط مثل فهارس الألفاظ، وفهرس المباحث الكلامية، وفهرس الاستعارات والمجازات لمخطوطات علوم البلاغة وغيرها.

ويجب على المحقق أن يضع مقدمة وافية للمخطوط تعرف بهوية صاحبه وعصره، وعلومه وشيوخه، وتلامذتهم، ويتحدث فيها عن موضوع الكتاب ومن سبقه إليه، ومن تبعه بعده فيه أو علق عليه. كما يصف فيها المخطوطة مثل: الحديث عن مكان وجودها، وعدد أوراقها، وقياس كل ورقة، وعدد السطور فيها، ونسبة كمالها أو نقصها وعيوبها، ونوع النقش وألوانه، وصحة نسبة العنوان وما ذكر مع العنوان، ونوع القلم الذي نسخت به، وهل هو منقوط ومشكول، ومدى صحة ذلك، وهل النسخة مزينة، وتاريخها، ومدى علاقتها بنسخة المؤلف، وكم قلماً نسخها، واسم ناسخها، ومرتبته العلمية، وأمانته. ثم يعرف بالتعليقات والهوامش والإجازات والأختام والتملكات المضافة على النسخة... ثم تعريف بالنسخ الفرعية، ووصفها وصفاً دقيقاً، ومدى الاستفادة منها، وأهميتها، وهل هي مطبوعة سابقاً، وأهمية النسخة المطبوعة وعيوبها، فقد يعتمد المحقق على نسخة واحدة فيطبعها، وقد يفقد أصل الكتاب بعد طبعه، وهذا يزيد من أهمية النسخة المطبوعة... ثم يبين (المحقق) خطته في مراحل عمله التحقيقي، والشرحي، والفهرسي، ونوع الصعوبات، وأسماء من مدّوا له يد العون والمساعدة، والرموز التي اتبعها في إخراج نسخته. ثم التعليق على أسلوب المؤلف وأفكاره، وإذا كانت النسخة دون تاريخ، كيف ذلل ذلك، وإذا كانت غفلاً من اسم المؤلف، كيف تمكن من اكتشافه؟ ثم يختم ذلك كله ببعض الورقات المصوّرة من المخطوطات بوصفها نماذج، ولا سيما الأولى والأخيرة. وترقم هذه المقدمة بالأبجدية، وتلحق بأول الكتاب (ألتونجي، 1986: 195)، وفي جميع الأحوال تبقى الممارسة الميدانية، والتجربة خير مجال للمحقق، وأفضل سبيل.

9- الذاكرة العربية الرقمية:

      لم يعد يليق بنا نحن العرب، أن نواصل الوقوف مكتوفي الأيدي، أمام ثورة علمية عارمة، في الوقت الذي بدأت

فيه دول عديدة أخرى، في شرقي آسيا وأمريكا اللاتينية، أقل منا إمكانات وقدرات، بالنهوض للإسهام في صنع الحضارة العالمية، والانخراط بها، أخذاً وعطاء، سعياً منها لمواكبة العصر، وآفاقه المتجددة. صحيح أن دخول هذا العصر ليس أمراً سهلاً، بل يحتاج إلى جهد وعمل، وإلى مواجهة تحدياته بإرادة قوية، وخطوات مدروسة واعية، وهي تحتاج بدورها إلى استنفار مختلف قوى المجتمع، وإمكاناته المادية والبشرية، قصد خلق ثقافة الابتكار، «وهي بنيان مرصوص لمجموعة من العوامل التي يجب الاهتمام بها، تبدأ من المنزل، ثم تنتقل إلى مدارس التعليم العام والمهني، وتروى من خلال وسائل الإعلام، وتبرز في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي، لكنها لا تثمر ولا تزدهر إلا في مناخ من التخطيط والتعاون والعمل المشترك بين جميع هذه الأطراف». (الحاج بكري، 2006: 29).

ومعروف أن التقدم لا يمكن أن يتحقق، إلا من خلال تعزيز ثقة الإنسان بوطنه، وأمته، وتراثه، واقتناعه بخطر سيطرة الثقافات الأخرى على مقدرات حياته. أما مجتمع المعرفة الذي نريده، فهو مجتمع تسوده العدالة والحوار، والمصالح المتبادلة بين الشعوب، واحترام الآخر، «وليس لنا من سبيل إلى ذلك، سوى حفز الهمم، وخلق المناخ الملائم للإبداع والابتكار، والتعريف بمنجزاتنا الحضارية عبر العصور، ولدينا الإمكانات المادية والبشرية لذلك، بعيداً عن الإملاءات الغربية، التي تبذل قصارى جهدها، للهيمنة والسيطرة». (العوضي، 1999: 10). وليس أمامنا، من سبيل، سوى بذل كل الجهود، لدخول عصر المعرفة، كمشاركين في فعالياته، والسعي الحثيث، لتجديد ثقافتنا الوطنية، والتعريف بحضارتنا الإنسانية، حتى نتمكن من ركوب قطار العولمة، كأنداد، لا كعبيد، لأن لكل حضارة عناصر تفوقها الذاتية، مع استفادتها من حضارات الأمم الأخرى.

إن من أولى واجباتنا اليوم، ونحن نسعى لتجديد شباب أمتنا، أن نجتهد لتعريف أبناء هذه الأمة وبناتها، بمنجزاتنا الحضارية على مرّ العصور، وإسهاماتنا العلمية والثقافية، في بناء الحضارة الإنسانية، وإن الوسيلة الأولى والأكثر أهمية، للوصول إلى هذه الغاية النبيلة، هي إنشاء المكتبة العربية الرقمية، التي تجمع هذا التراث من المكتبات والأراشيف والمتاحف العربية، وتحفظه، وتصونه، وتعرف به رقمياً، وفق الطرق العلمية الحديثة وتتيحه للناس، داخل الوطن العربي وخارجه، حتى يطلعوا عليه، ويفيدوا منه في رفع معنوياتهم، ودعم مواقفهم، ويجددوا من خلاله العزم، للمضي قدماً في طريق الإبداع والعطاء الخلاق. إن المكتبة العربية الرقمية هي ذاكرة الأمة، وحامية أمنها الثقافي، والاجتماعي، وهما سبيل هام لحماية أمنها القومي. وغني عن القول، إنه «كلما كان الاتصال الجماهيري أكثر ارتباطاً بثقافة الشعب، وأكثر قدرة في المحافظة على تراثه، كلما زادت درجات الإبداع، وانتشرت الثقافة الواقعية، والقيم الإيجابية، لذا يحذر الباحثون والمثقفون، من خطر سقوط الثقافة، وتدني مستواها، لأن ذلك يقود لانهيار الأمة، واضمحلالها على جميع المستويات». (حجازي، 2009: 1066). لذلك لا يجوز أن تبقى ثقافتنا العربية، حبيسة المخازن، نستخدم الطرق التقليدية في غالب الأحيان، لمعالجتها، والتعريف بها، في عصر الانفجار العلمي والمعلوماتي. من هنا، وفي ضوء ما سبق ذكره، كانت أهمية المكتبة العربية الرقمية، التي تجمع التراث العربي من المحيط إلى الخليج، وتصونه، وتعالجه، وتعرف به إلكترونياً بوسائل العصر، وبذلك، تحافظ على الأمن الثقافي العربي، وتكبح جماح الاختراق الثقافي، وتحد من آثاره السلبية.

10- مقترحات عامة:

لقد عرفت المخطوطات العربية اهتماماً ملحوظاً في السنوات الماضية من قبل حكومات الدول العربية والمؤسسات الرسمية والخاصة، ومن قبل الباحثين، إلا أن ذلك ما زال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والرعاية والدعم، سيما ونحن نعيش عصر العولمة الذي يسعى إلى القضاء على الشخصية الوطنية للدول النامية، وبخاصة منها شخصيتنا العربية الإسلامية. لذلك يجب أن تأخذ هذه القضية قدراً أكبر من رعايتنا واهتمامنا حفاظاً على هويتنا ووجودنا. ونقدم فيما يلي بعض المقترحات التي يمكن أن تفيدنا في تدعيم نشاطنا، وتقوية مجهوداتنا في هذا الاتجاه:

1- إنشاء صندوق عربي خاص لتمويل حماية التراث المخطوط ونشره، وتعضيداً للجهود التي تبذلها الحكومات والمؤسسات العلمية في هذا المجال، مع تبادل الخبرات الفنية والبعثات التدريبية المتصلة بالمخطوطات، وتصويرها، وصيانتها، وترميمها، وتبادل الفهارس للتعريف بما تقتنيه كل دولة من مخطوطات، إلى جانب السعي لإنجاز الفهرس الموحد بإشراف معهد المخطوطات العربية.

2- تقديم مزيد من الدعم لجهود معهد المخطوطات العربية والمؤسسات العلمية لتصوير المخطوطات العربية الموجودة في العالم، وبخاصة في تركيا، التي تقتني مجموعات كبيرة من تراثنا المخطوط الذي تواجد فيها خلال الحكم العثماني للبلاد العربية. ويجب إقامة مزيد من التعاون مع اليونسكو ودول العالم في هذا السبيل، مع ضرورة الاستعانة بمؤسسات تصوير ذات خبرة عالية في هذا العمل، وتوقيع الاتفاقيات الثنائية مع الدول لتحقيق هذه الغاية.

3- وضع قانون عربي موحد لحماية المخطوطات كتتويج للقوانين الوطنية لكل دولة، ويشمل كل ما يتصل بأمن المخطوطات، وصيانتها، وإدارتها وملكيتها وسبل التعريف بها، وجمعها، وحفظها، وترقيمها، وتصويرها، وتقييم الانتفاع بها إلى غير ذلك من أمور بمشاركة المتخصصين في الأرشيف والمخطوطات ورجال القانون، ووضع العقوبات الرادعة لكل عمل من شأنه الإساءة إلى المخطوطات أو تهريبها للمتاجرة بها، مع وضع المكافآت اللازمة لكل من يسهل جمع المخطوطات ووضعها تحت تصرف الجهات المسؤولة عن حمايتها ورعايتها.

4- الاستمرار في بذل الجهود على المستويات الوطنية للتعريف بأهمية المخطوطات في حياة كل أمة، ومتابعة السعي لاقتنائها، ورعايتها، وحفظها، وترقيمها، والتعريف بها وفق أفضل السبل والوسائل، مع ضرورة إنشاء المكتبة العربية الرقمية للمخطوطات، وكتب التراث العربي، وهي ذاكرة الأمة.

5- إجراء مسح شامل على مستوى كل دولة عربية للمخطوطات المحفوظة في المكتبات العامة والخاصة الموجودة فيها، ونشر قوائم بها، تمهيداً لإصدار فهرس المخطوطات الموحد على المستوى العربي، ووضع هذه الصور تحت تصرف الباحثين في كل دولة عربية. كذا نشر قائمة موحدة للرسائل الجامعية على مستوى الماجستير والدكتوراه التي تناولت تحقيق المخطوطات على مستوى الجامعات العربية أو الجامعات الأجنبية التي اهتمت بتحقيق مخطوطات عربية.

6- توجيه مزيد من الاهتمام لتحقيق المخطوطات ذات المحتويات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والفنون العسكرية نظراً لأهمية هذه المواضيع، وقلة اهتمام الباحثين بها.

7- وجوب تعميم الطرق والوسائل العلمية الحديثة في حفظ المخطوطات وصيانتها، على مختلف المكتبات ودور الوثائق التي تقتني مخطوطات ما أمكن ذلك، ونشر المعلومات اللازمة حول هذا الموضوع. وننوه هنا بالجهود التي تبذلها مكتبة الأسد الوطنية بدمشق، والمكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة في هذا المجال.

8- إقامة مزيد من الدورات الفنية الخاصة بترقيم المخطوطات وصيانتها وتعقيرها والحفاظ عليها، إلى جانب موضوعات أخرى تتصل بأنواع الخطوط والورق والحبر والكتابة والخطاطين والوقاية من الآفات التي تصيبها. وحبذا لو أدخلت هذه الموضوعات كمادة مقررة في أقسام المكتبات والتاريخ في الجامعات العربية ضمن «المخطوطات العربية».

11- الخاتمة:

إذا كانت الأمم والشعوب تعنى بتراثها المخطوط، فإن من واجبنا نحن العرب والمسلمين أن نكون أكثر منها عناية ورعاية واهتماماً، نظراً لحجم تراثنا المخطوط الهائل المتواجد عبر العالم ونوعيته، والذي يقدره معهد المخطوطات العربية بثلاثة ملايين مخطوطـ، وهي ثروة لا تعادلها ثروة نادرة، كان لها دور كبير، مؤثر وفاعل في صنع الحضارة الإنسانية، نهل منها الغرب قروناً عديدة، وأفاد منها في صنع نهضته، وإقامة حضارته، التي تظلل العالم اليوم.

إن التعلّق بالتراث، وبذل الجهود الفردية والجماعية لحمايته وتحليله ودراسته والتعريف به بروح علمية واعية، هو أحد مظاهر الإيمان بالأمة وتاريخها وأمجادها، والعمل على ترسيخ أقدامها بين الأمم. وإذا كانت البشرية ما زالت بحاجة إلى ثرواتنا المادية، فإنها أكثر حاجة إلى ثروتنا الثقافية والفكرية في هذا العالم المضطرب الذي انحدرت فيه القيم، وتعثرت أمامه السبل نحو إقامة مجتمعات تسود فيها المحبة والإخاء والمساواة والعدالة الاجتماعية، لذلك كله نجد أنفسنا اليوم؛ بحاجة أكثر من أي وقت مضى لنشر هذه القيم والمثل العليا في تراثنا عبر أحدث الوسائل، وأفضل السبل.

 

 

مراجع البحث

-  أتاي، حسين، (1992) منهج البحث العلمي في القرآن الكريم مجلة العلوم الإسلامية، قسنطينة: جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، ع3 (جانفي 1992).

-  ألتونجي، محمد، (1986) المناهج في تأليف البحوث وتحقيق المخطوطات، حلب: دار الملاح للطباعة والنشر، 1986.

-  الحاج بكري، سعد، (2006) التحول إلى مجتمع المعرفة، الرياض: مكتبة الملك عبد العزيز العامة، (1426 هـ / 2006 م).

-  حجازي، أحمد مجدي، (2009) العولمة والتدفق المعلوماتي، الأبعاد الاجتماعية، والآثار السلبية، أعمال المؤتمر العشرين للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات (الدار البيضاء 9 - 11 ديسمبر 2009) مج. 2. ص 1063 - 1075.

-  الحلوجي، عبد الستار، (1976) نحو خطة عربية لتجميع تراثنا المخطوط. المورد (مجلة تراثية فصلية) بغداد: وزارة الإعلام، مج 5، ع1، 1986.

-  حمادة، محمد ماهر، (1970) المكتبات في الإسلام، نشأتها، تطورها، ومصائرها، بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، 1970.

-  ديورانت، وول، (1950) قصة الحضارة، تعريب أحمد بدران، القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1950.

-  صوفي، عبد اللطيف، (1987) لمحات من تاريخ الكتاب والمكتبات، دمشق: دار الفكر، 1987.

-  العوضي، رفعت، (1999) باحثون ومفكرون عرب يحذرون من فخ العولمة، دمشق: صحيفة تشرين، (24 تموز 1999ع4763، ص 10.

-  قزانجي، فؤاد، (1972) المكتبات والصناعة المكتبية في العراق، بغداد: مطبعة الجمهورية، 1972.

-  مقداد، عمر، (1998) الصراع بين العولمة والهوية، مجلة معلومات دولية. دمشق: مركز المعلومات القومي، 1998، ع 58.

-  نعمان، عصام، (1992) العرب والعالم، تحديات العولمة وفرصها، مجلة معلومات دولية، دمشق: مركز المعلومات القومي، ع 58 (خريف 1992).

-  النقشبندي، أسامة ناصر، (1976) صيانة، وخزن، وتعفير المخطوطات، مجلة المورد (مجلة تراثية فصلية) بغداد: وزارة الإعلام، مج 5، ع1، 1976.

-  الهاشمي، بشير، وجهة نظر في حماية المخطوطات العربية. المورد (مجلة تراثية فصلية) بغداد: وزارة الإعلام، مج 5، ع1، 1976.

-  هونكة، زيغريد، شمس العرب تسطع على الغرب، أثر الحضارة العربية في أوروبة. ط 5، تأليف: زيغريد هونكه، ترجمة فاروق بيضون، وكمال الدسوقي. بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1981.

 

 

ملحق البحث

 

الاعتبارات المادية والبشرية

في دراسة المخطوطات

1- فنون تركيب وإعداد المخطوط:

- المخطوط عالم وفن معقد الجوانب فيه ما هو مادي وما هو بشري.

- هناك أربعة أركان لصناعة المخطوطات (الورق، الحبر، الخط، التجليد).

- استخدم المسلمون الرق البريدي والورق في مؤلفاتهم.

- المداد له أمزجة كثيرة وألوان متعددة وأقلام متعددة أيضاً.

- هناك خطاطون مشاهير من العصر العباسي مثل بني مقلة، وابن البواب وغيرهم.

- المعايير الجمالية والشخصية تتحكم في الخط وأنماطه وهي تتحرك في مراتب الإبداع وعالم الجمال.

- هناك أصناف كثيرة من الكاغد (الورق) الذي كتبت عليه المخطوطات القديمة، مع تنوع أساليب الصناعة والمكونات، وطرق السقي والصقل والتكوين، وقلة الأحماض.

(هناك كاغد صنع من القنب الجيد الأبيض وآخر من التبن القديم).

- هناك أنواع متعددة للتجليد تستخدم الجلد والحرير والخشب والورق الملبد مع الخيط واللصق.

- لقد أبدع الخطاطون والمزوقون والمذهبون في ذلك، والحبارون في مزج الأوان.

- أهم أنواع الحبر (الأسود، اليابس، متعدد الألوان، والمائع المركب، اليابس المعتاد، مركب الذهب والفضة).

- صناعة الحبر من (ماء قشور الجوز الرطب، ماء قشور الرمان الرطب، ماء الخرنوب الرطب، ماء الأثل) ويمكن ضم الواحد منها إلى الآخر وهو أفضل وأشمل. وأفضل الحبر ما صنع من سخام النفط.

- مكونات الحبر الأسود (العفص، الزاج، المغ، الماء، وقد يضاف إليه الزعفران، والمسك والصبر السقطري، ماء الورد).

- مكونات الحبر الأبيض (الإسفيداج ( Cإrus )، ماء العفص الأبيض، الصمغ، مواد المداد الوردي (مشكلة من المرتك، الزعفران، الصمغ والماء، ماء الجلنار).

- كل نوع من أنواع من الحبر يصلح لنوع من مواد الكتابة:

العفص المطبوخ يصلح للكاغد وحده، المعصور يصلح للكاغد والرق، المنقوع يصلح للرق خصوصاً، الغبار يكتب به في حينه.

 

 

2- أنواع الورق في المخطوطات الإسلامية:

-صناع الورق منذ العصر العباسي عرفوا باسم (كاغدي) لاشتغالهم بالكاغد، آخرهم الحاج صالح كاغدي (ق. 12) ذكر اسمه في الكتابات الفارسية القديمة.

- استخدمت لفظة كاغدي أيضاً في بلاد فارس لوصف الثمار ذات القشور الرقيقة.

- خاطب الشاعر الفارسي سراج المحققين محبوبته خلال القرن الثاني عشر الميلادي بقوله: أيتها المحبوبة لماذا تعقدين حاجبيك عند رؤية هذه الرسالة، إنها رسالة حبيب، وليس ليموي كاغدي (ليمونة)..

- استخدمت كاغدي في معان أخرى (الجوز، اللوز، الخوخ، أسماء، مدى، رسالة، الأدوات، الحياة اليومية)، أي حوالي أربعين نوع.

- صانع الورق سمي: كاغدكر، كاغد ساز.

- مصنع الورق: كاغدي كري، أو بكار كاه كاغدكري.

الورق السمرقندي كانت له شهرة واسعة بين القرن الرابع حتى القرن الثالث عشر الهجري.

- نشطت صناعة الورق في أصفهان وهو جيد وممتاز، وقزوين، وكاغد كنادر الواقعة بالقرب من زنجان، كذلك في كرمان (بالقرب من مدينة خند حد)، ومدينة يزد.

- ذكر ابن النديم في الفهرست ستة أنواع من الورق الجيد في القرن الرابع الهجري هي: السليماني، الجعفري، الطلحي، النوجي، الكاغد الفرعوني (المصري) وهي أنواع منسوبة إلى كبار رجال الدولة المصنوعة في خراسان، وهي مفضلة على غيرها.

- خرق نسيج الكتان كانت تحول إلى عجينة بواسطة ملح النادر، ثم تصقل وتسوى الألوان التي استخدمت في صناعة الورق، وكانت إما بسيطة أو مركبة، وكان أكثرها شعبية ال (أصفر محمر) وحنائي (برتقالي حمر) وليمون (أخضر مصفر) ومستقي، نخودي (أصفر برتقالي) وكان الاعتقاد السائد أن الأبيض الناصع صالح للعيش في الضوء القوي وأن الورق الملون أكثر ملاءمة.

يقول الشاعر عن ورق آل الملون:

«كان بغرفتي ورق آل وردي، مذكراً ليلي بالورود، بوجه حبيبتي». وقال آخر يقارن لون الورق الحناني بلون يد محبوبته:

«لونك في نضارته، كالحرير الصيني، ويدك في رقتها، كالكاغد الحنائي».

- الكاغد الأبري نوع من الورق السميك المصقول. كتب الشاعر لمحبوبته:

«فلتعلمي أني بدونك أبكي دموعاً بمئة لون، رقشت بها لون الكاغد الأبري».

- في القرن 3 / م كان الورق يصقل بكلاء من النشا. والورق المصقول نوع جيد، فضله الخطاطون لأن القلم يجري عليه بسهولة.

- الركائز التي يمكن الاعتماد عليها في معرفة نوع الورق هي: العنوان، المعالم الظاهرة للمخطوط، نوع الورق

بشكل عام، مقرونة بتاريخ الخط.

- هناك أنواع للورق، السمرقندي، الأصفهاني في، البغدادي، دولة أبادي، الشامي، والهندي، والأول أفضلها جميعاً، وأقدمها، ودامت تجارته قروناً عديدة، كما صنع أهل طرابلس الشام ورقاً يضاهيه جودة.

بحث منشور في كتاب ( عاشق الفكر والثقافة ) ذكرى مرور زهاء ستين عاما على تاسيس دار الفكر

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.