بين يدي القمة الثقافية العربية

الاثنين, December 6, 2010
كاتب المقالة: 

لم يكن الكتاب قبل الاتفاقية، وقبل استحداث وزارات للثقافة في الوطن العربي، يعاني أي مشكلة انتقال؛ ما إن يصدر في عواصم المشرق حتى تتلقفه عواصم المغرب، خلال أيام، دونما حاجة إلى إذن بالخروج من بلده ولا إلى إذن بالدخول إلى بلد المقصد. وكان موظفو الجمارك يبحثون عن أي سلعة في حقيبة المسافر ما عدا الكتاب، فإذا وقعت أعينهم على كتاب رفعوا له التحية بوصفه ثقافة لا تمس.

 

بمناسبة القمة الثقافية العربية المزمع عقدها عام 2011 والتي تنم عن تقدير القادة العرب للدور الكبير الذي تلعبه الثقافة في نهوض الأمم، والتحاقها بركب الحضارة.

يشرفني أن أتقدم  في موضوع الثقافة بالأفكار الآتية:

1-وضع (اتفاقية تيسير انتقال الإنتاج الثقافي العربي) موضع التطبيق، بعد أن حظيت بموافقة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في مؤتمرها العام في دورته التاسعة المنعقدة في تونس 19-22/12/1987 وقرارها توجيه الشكر للدول التي وقعت على هذه الاتفاقية ودعوة الدول الأخرى للتوقيع عليها.

لقد نصت هذه الاتفاقية على أن تعمل الدول العربية على تيسير انتقال الإنتاج الثقافي العربي (سواء داخل الأقطار العربية أو خارجها) بمختلف الوسائل الناجعة ومنها:

آ-إعفاؤه، وإعفاء المواد التي تدخل في إنتاجه من الرسوم الجمركية.

ب-منحه أولوية النقل بين الأقطار العربية.

ج-تمتعه بتعرفات نقل مخفضة لا تزيد عن 25% من تعرفات النقل المفروضة على السلع الأخرى. 

لكن قرابة ربع قرن مضت على  هذه الاتفاقية لم تكن كافية لتطبيق بنودها، فيما عدا مادة واحدة منها هي العاشرة، التي تحفظت على حق كل دولة من الدول الأعضاء في أن تسمح أو تراقب أو تمنع وفقاً لتشريعها الوطني تداول أي مصنف في إطار سيادتها. فقد تم تطبيقها بكل شفافية وحزم؛ لمنع تسرب أي فكرة تغرد خارج السرب، أو تقلق السكون العام.

لم يكن الكتاب قبل الاتفاقية، وقبل استحداث وزارات للثقافة في الوطن العربي، يعاني أي مشكلة انتقال؛ ما إن يصدر في عواصم المشرق حتى تتلقفه عواصم المغرب، خلال أيام، دونما حاجة إلى إذن بالخروج من بلده ولا إلى إذن بالدخول إلى بلد المقصد. وكان موظفو الجمارك يبحثون عن أي سلعة في حقيبة المسافر ما عدا الكتاب، فإذا وقعت أعينهم على كتاب رفعوا له التحية بوصفه ثقافة لا تمس.

2-منح الإنتاج الثقافي والمعرفي حق حرية التعبير:

-طبقاً للمواثيق الدولية المعترف بها.

-ومجاراةً لمتطلبات عصر المعرفة وتقنيات الاتصال؛ التي فجرت المعلومات وأسالتها بين يدي الإنسان، كما يسال الماء والكهرباء.

-وتمشياً مع حرية التجارة العالمية التي فتحت الأسواق وكسرت كل الحواجز المعيقة لانتقال السلع الاقتصادية بين سائر البلدان.

آ-فلقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسـان الصادر عام 1948 في مـادته 19 على أن " لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة، ودونما اعتبار للحدود".

ثم جاء الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ليضيف إلى نص المادة  19 السابق توضيحاً لأشكال التعبير " سواء أكانت على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأي وسيلة يختارها".

وتسابقت بعد ذلك جميع الدساتير العربية للنص على حق مواطنيها في حرية الرأي والتعبير، لكنها جميعاً قيدت هذه الحرية بشروط أوكلت تحديدها إلى القانون؛ ليتولى بدوره إفراغها من محتواها.

ب-ثم إن الوسائط الرقمية والشبكة العنكبوتية أتاحت المعلومات للإنسان بشكل جعل فرض القيود على الكتاب المطبوع نوعاً من العبث وانعدام الجدوى.

ج-أما انتقال الإنسانية من عصر الصناعة بأدواته المادية إلى عصر المعرفة بأدواته الفكرية، فقد أدى إلى تسليع المعرفة، لتصبح المعلومات سلعة العصر الأولى، وليصبح تحريرها من القيود، أجدر من تحرير السلع الصناعية والزراعية الذي فرضته اتفاقية التجارة العالمية.

3-الخروج بالمناهج التعليمية من نظام التلقين والتحفيظ، إلى نظام الإدراك التفاعلي، ومن ضيق المقررات المدرسية إلى سعة المراجع والمصادر.

فلقد أدى نظام المقررات- بضيقه وأحاديته- إلى إيجاد شرخ واسع بين الطالب والكتاب، انحصر دور الكتاب بموجبه بنيل الشهادة، وانتهت علاقة الطالب به بمجرد مغادرته مقاعد الدرس، وأثمرت صحبته الإلزامية والأحادية طوال العام كراهيةً بدت في تمزيق الطلاب له ونثر أوراقه في الشوارع، أو افتراشه تحتهم، بعد ما كان مقدساً يضن جيل طلاب المعرفة بحروفه أن تقع على الأرض.. هكذا فقد الكتاب أصدقاءه الذين كان يألفهم في المنـزل الخشن، وفقدت المدرسة مكتبتها، وحصة المطالعة خارج المنهاج.. وفقدنا – ناشرين- قارئاً يبحث عن جديد، فأصبحنا ننتج جديداً يبحث عن قارئ.

4-العودة بالثقافة إلى حاضنتها الطبيعية (المجتمع)، فالثقافة في أبسط تعريفاتها: هي ما يستقر في ضمير الفرد من قيم ومبادئ وتقاليد وعادات تضبط سلوكه في المجتمع وتصرفاته، بعد أن ينسى كل ما تعلمه، ويستوي فيها كل الأفراد في المجتمع على اختلاف مستوياتهم العلمية وشرائحهم الاجتماعية وتخصصاتهم المهنية، فهي بذلك فعل مجتمعي عفوي؛ يفقد ألقه وفاعليته عندما يرتدي الزي الرسمي. وإنما ينحصر دور السلطة في توفير المناخ الملائم لتنمية ثقافة المجتمع  وإطلاق طاقاته، والقيام بالمشاريع الثقافية الكبيرة التي يعجز أفراد المجتمع عن القيام بها.

إن الحرية مع التعددية هما المناخ الذي تزكو فيه الثقافة، وتترسخ قيمها، وتبرز سلطتها. وأي تدخل رسمي سوف يعكس ثقافة السلطة، ويغيب ثقافة المجتمع، لتتحول إلى حالة كمون في ضميره، ما يلبث أن يبرز عند أي تغيير طارئ، كالذي حدث بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.  

5-التجديد، وتجاوز المألوف، وخرق السكون، واستنطاق الألسن، وكسر الصمت؛ كل ذلك يشكل سبيلاً للتقدم والارتقاء والإبداع والكشف عن الحقيقة؛ فبارقة الحقيقة لا تنقدح إلا بتعدد الآراء واحتكاكها وتصادمها، والرأي الأحادي؛ سلطوياً كان أو فردياً أو اجتماعياً فئوياً، عقيم لا ينجب.

وإذا كان واقع كل أمة؛ إنما هو نتاج أفكارها التي تحملها، فإن تغيير هذا الواقع إنما يمر عبر تغيير أفكارها السائدة، وبالتالي فربما كانت الممنوعات لمخالفتها الأفكار السائدة، هي التي تحمل في طياتها سبل الخلاص والتغيير؛ فهي بحاجة إلى ما يشبه عملية مخض اللبن لاستخراج زبدته وطرح زبده، بدلاً من تركه في حالة الركـود، أو حبسه في الأدراج ليفسـد ويتعفن )كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ( [ الرعد 13/17].

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: