تدنيس المصحف الشريف: زلة أم منهجية؟!

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

لم تعد أميركا بلد الحريات؛ لقد صنعت للحرية تمثالاً؛ قدسته وطافت حوله؛ تتبرك به وتدعوه أن يحرس لها الحرية، فتحجرت أحاسيس الحرية لديها تحجُّر التمثال، وران عليها الصدأ وتراكم الغبار كما ران على التمثال.. هكذا يفعل الإلف والاعتياد وطول الأمد بالقيم، فتنطفئ شعلتها لدى الأمم التي تهمل تزويدها بالوقود، ثم تتحجر وتنقلب إلى تمثال لا روح فيه..

لقد تلقت أميركا ضربة موجعة هدمت برجيْ مركزها التجاري العالمي في نيويورك، وبدلاً من أن تواجه الضربة بردة فعلٍ عقلانية يقتضيها تفوقها العلمي والمعلوماتي؛ باحثة عن الأسباب في العمق الذي قد يضع يدها على جذور الإرهاب لديها، واجهته بردًّة فعلٍ غريزية كالتي تردُّ به الكائنات الأخرى غير العاقلة..

هكذا راحت أميركا تهدم بيديها كل ما بناه لها الأسلاف من قيم الحرية والعدالة والمساواة، فلم تُبقِ لديها منها ما تفخر به على شعوب العالم الثالث المتخلفة بنظرها، فهي اليوم تمارس على مواطنيها، فضلاً عن الآخرين، كل الإجراءات الاستثنائية التي تمارس في العالم الثالث في ظل قوانين الطارئ، وقد أثبتت التجربة أن قوانين الطوارئ متى دخلت بلداً، أفسدت منظومته القانونية، وحلت هي محل القانون الدائم لتصبح هي الأصل وهو الاستثناء.

( أما تدنيس المصحف في غوانتانامو، وفضائح الإبادة الجماعية في تورا بورا والتعذيب الهمجي في أبو غريب، فإنها تندرج – بالإضافة إلى فساد المنظومة القانونية- في إطار فساد المنظومة الأخلاقية لدى الأميركيين التي تشكل السياج الحارس للقيم الإنسانية المشتركة بين الأمم، وهذه المنظومة الأخلاقية لا تقبل الاستثناء مثل قوانين الطوارئ، ولا تحكمها الأوامر الإدارية،كما إنها لا تكون آنيَّة بنت ساعتها، بحيث تصبح خياراً للإنسان؛ يختاره مرة وينحيه أخرى، لأن مركزه الوجدان والضمير للفرد والمجتمع، وإقراره فيهما أو اقتلاعه منهما يحتاج إلى جهد كبير وتجارب مريرة خلال زمن طويل.

لقد كشفت الممارسات الأميركية؛ في غوانتانامو وأفغانستان والعراق، عن هشاشة البنيان الأخلاقي الأميركي، الذي انهار لدى أول هزة تعرض لها، ففي الوقت الذي تسنمت فيه أميركا ذروة التفوق التكنولوجي، وارتقت إلى أعلى درجة في سلَّم المعلومات، هبطت في المجال الأخلاقي إلى الحضيض، ومن المعروف أن دورات الحضارة تدور مع القيم الأخلاقية أكثر مما تعتمد على المعلومات، فالمعلومات مجرد معرفة، والثقافة هي التي تحولها إلى سلوك حضاري أو مضاد للحضارة.

إن تدنيس المصحف في غوانتانامو قد عبر بوضوح عن مدى التدني الأخلاقي لدى الأميركيين، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم " إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت" ومن قبلُ (قال الذين كفروا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون( [فصلت 41/26]، لكن لغوهم لم يضر القرآن بشيء، وظل القرآن زاحفاً يحتل بقوة بيانه العقول، وسوف يظل كذلك بوصفه الرسالة الخاتمة إلى الإنسانية جمعاء حتى يظهره الله على الدين كله.

( من المؤكد أن التظاهر، ورفع أصوات الاحتجاج ضد هذا العدوان الصارخ المستفز على أقدس حرمات المسلمين، وإدانته وشجبه.. كل ذلك من واجب كل مسلم، وعليه أن يُسمع صوته إلى كل المنظمات الإنسانية والدولية، بكل الطرق والوسائل الممكنة، على أن يظل ذلك في حدود إسماع الصوت، واستنكار الجريمة، دون أن يتعداها إلى نوع من المعاملة بالمثل.. فالكتب السماوية كلها مقدسة لدى المسلم وعليه احترامها، ولا يكتمل إيمانه إذا انتقص واحداً منها، وكذلك لا ينبغي أن يتجاوز الاحتجاج التعبير الصارخ عن الرأي إلى شيء من استخدام العنف، فتفقد ذلك قضيته مبرراتها، وتتحول إلى ردود أفعال لا تخدمها.

أما تخاذل الرسميين، واكتفاؤهم بالاستنكار الحذر، فمرده إلى أن أميركا بعد أحداث إيلول (سبتمبر) 2001 قد وضعت المسلمين جميعاً في قفص الاتهام، ووجهت إليهم تهمة الإرهاب، وجعلت من حكامهم حراساً عليهم، أوكلت إليهم أمر مراقبتهم، وصدَّق الجميع التهمة، وتعاملوا معها كمذنبين، وراحوا يحلفون الأيمان إنهم لبرآء مظلومون، وإنهم ليعتذرون عما فعل السفهاء منهم، ويتأولون لكل ما في ثقافتهم من مفردات تدعو إلى الجهاد ضد الظلم والعدوان، وحق الإنسان في الدفاع عن نفسه.. ومن شأن المتهم أن يكون موقفه في قفص الاتهام ضعيفاً، لا يقوى على تجاوزه غير أولي العزم، فكيف بحراسهم من الرسميين الموكل إليهم حفظ أمن المدعي العام، داخل المعتقل الكبير؛ أن يصدر عنهم ما يزعجه؟!

الأستاذ محمد عدنان سالم مدير عام دار الفكر

9/6/2005

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة