تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة ...التكنولوجيا والدعامات الرقمية تحدثان تحولات عميقة في الثقافة والمجتمع

الخميس, January 5, 2017
كاتب المقالة: 

يعد تطور التكنولوجيات والدعامات الرقمية خلال السنوات الأخيرة (التواصل عبر الشبكة، الحواسيب، الهواتف المحمولة، الهواتف الذكية، الأقراص، أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية، المواقع...) إنجازا مبهرا؛ إذ غزت تدريجيا كل مجالات النشاط البشري. لقد أصبح الجميع معنيا بالرقمية؛ فهي قضية تشغل بال عالم الاجتماع، والفيلسوف، واللساني، والناشر وغيرهم. فالمطابع ودور النشر، مدعوة إلى إعادة النظر في أدوارها ونماذجها الاقتصادية. والكاتب معني بالتواصل مع المتخصصين في مجال الرقمية.هل سنلج فضاء جديدا مع الرقمية؟ هل نعيش تحولا عميقا على المستويين الثقافي والاجتماعي؟ هل نعيش زمن القطيعة؟ أيجب تحديد هذه القطيعة بمصطلحات أنثربولوجية؟ أم أننا نعيش تحولا جذريا للإنسانية يرتكز على أشكال سوسيوتقنية جديدة؟ ما الذي غيرته الرقمية في علاقتنا بالهوية الشخصية وبالغير؟ وما الذي غيرته على مستوى الولوج إلى المعارف والمعلومات؟ هل تشجع صيغا جديدة للإبداع والقراءة؟ هل هي مصدر لتجديد ثقافي؟ ما الحل إذن، أمام وجهات النظر المتباينة، والتعارض بين خطاب الغنائية وخطاب الوعيد؟وإذا كان من الصعب طبعا الإحاطة بكل الجوانب والقطاعات المعنية بهذا التسونامي الرقمي. فإننا سنحاول إضاءة الرقمية، مركزين على بعض مظاهر التحول المتعلقة بها على مستوى الكتابة والقراءة.* محاولة للتحديد* ترتبط الرقمية في أصلها الإيتيمولوجي (علم تأصيل الكلام) بالرقم. وقد شاع مفهوم الرقمي le numérique، بفضل تطور الإعلاميات والتواصل السمعي البصري. ويشار إلى هذه التحولات بصيغ تعبيرية مختلفة: التكنولوجيات الرقمية، المجتمع الرقمي، الزمن الرقمي.. وتتصل الرقمية بتحولات أساسية، يمكن إجمالها في الإشارات التالية:- طريقة معالجة المعلومات بشكل متجانس.- التطورات المرتبطة بصناعة الدارات الإلكترونية والبرانم.- تطور علوم جديدة كالإعلاميات والسيميائيات.- غنى التطبيقات التكنولوجية والصناعية.لقد ترتب عن الوضعية الجديدة، تحليلات وتعليقات عدة، ومواقف متباينة ومتناقضة أحيانا، حول هذه الحالة الرقمية «الجديدة». فثمة آراء جد متحمسة تصفق لهذا الواقع الجديد، مبررة اختيارها بما تقدمه الشبكة من محاسن، على مستويات توفير البيانات، وتسهيل التبادلات، وتعزيز العلاقات وغير ذلك. ومن أنصار هذا الاتجاه، المفكر ميشال سار Michel Serres، الذي يبدي انبهاره بقدرة الأجيال الشابة (الإصبع الصغيرة) على الإبداع والاختراع.لكن ما يثير القلق في المقابل، هو إحكام الرقمية القبضة على حياتنا؛ إذ تشيع ارتباطات وعلاقات قوية بالشاشة، عبر ظاهرة الإدمان بواسطة الإصبع، مع ما يرافقها من مخاطر. هذه، مثلا، وجهة نظر سيديريك بياجيني Cediric Biagini، التي تدعو إلى التصدي للأنساق التكنولوجية ومنطقها الفرداني، والخروج من الشرنقة الرقمية التي ارتمينا فيها.* الرقمية وتحولات الكتابة والقراءة* أولا: الكتابةتؤثر الرقمية على الممارسة الثقافية، وتكرس الهوة بين النخبة التي تملك إمكانات جديدة للوصول إلى المعرفة، وبين الفئات الاجتماعية الهشة التي تمعن الرقمية في إقصائها، لتغدو الفجوة الرقمية فجوة اجتماعية. ويعيش الكتاب، ضمن هذا المنظور، خطر التهميش، الذي يهدد الإبداع الفردي وحقوق المؤلف. كيف نحمي حقوق التجديد والإبداع في ظل مقولات التعاون والتقاسم؟ينظر إلى الرقمية في فرنسا مثلا، باعتبارها تهديدا لعالم الثقافة؛ لأنها تفتح المجال للتحميل غير المشروع والمجانية الكلية للولوج للمؤلفات. إنه خوف من رقمنة المؤلفات، ومن خطر غياب مراقبة على المعارف، وبالتالي، فقدان نهائي لمحدداتها المعتادة. إن الرقمية تحاور هذه التمثلات وردود الفعل الإيجابية والسلبية. وهي متصلة كذلك، بالأصول الجديدة للممارسات الاجتماعية، التي تسائل قانونية عدد من المعايير الثقافية المؤسسة. إنها تعيد تحديد المعارف وتحول صيغ الولوج إليها، كما تفجر التصورات التقليدية للمعلومة.لنأخذ حالة الكتاب الذين يجابهون رقمنة المضامين، في الصيغ الجديدة للكتابة على الشاشات. فهناك أبحاث كثيرة حول تطوير سوق الكتاب والنشر، وحول متخيل الكُتّاب، وحول القراءة وسلوكات القراء. لكنَّ الأبحاث حول مواقع الكتّاب وسلوكياتهم في مواجهة السياق التكنولوجي الجديد قليلة.وعلى الرغم من العودة إلى تهجين النصوص، والصورة، والصوت، والحوار التفاعلي مع القراء، الذي لا يهم، إلى الآن، سوى عدد محدود من الكُتّاب، نلاحظ، على الأقل، تنوعًا متناميا للممارسات. إذ بدأ الكُتّاب ينفتحون على الأدوات الرقمية التي تمنحهم قدرات هائلة للتخزين، وإمكانات لتشكيل نصوص، ومداخلَ لمواردَ على الخط، وإمكانات للتصحيح الآلي. هذا فضلا عن إمكانات هائلة للنشر والتوزيع والتفاعل مع الناشرين والقراء.لقد مست الرقمية ثقافة الكتابة التي عرفناها منذ عقود. فهي تعيد النظر في طرقنا في التعلم والتفكير. ويشير المتخصصون في تاريخ الكتابة والقراءة، إلى أن فهم التحولات الحالية على مستوى القراءة والكتابة، بفعل الرقمية، يجب أن يندرج في رؤية طويلة المدى، من أجل تبصر الاستمرار أو القطيعة التي تحصل، مع ضرورة اعتبار مختلف تحولات الدعائم الإنسانية المؤثرة، ضرورة على المعارف وصيغ القراءة. وفي هذا الإطار يميز المؤرخون بين أربع مراحل في تاريخ صيغ التواصل:1 - لقد كان اكتشاف الكتابة مرحلة حاسمة في تاريخ الإنسانية، حسب الأنثروبولوجي Jack Goody. إذ ساهم التحكم في الكتابة، في تطور قوي في الفكر: تطور الخط، الرولو، الورق... سمح بالحفاظ على معلومات على حامل ثابت. كما سمح بتحرير الذاكرة الفردية والجماعية، وتوزيع الكثير من المستندات، وبالتالي الرفع من إمكاناتنا الثقافية.2 - شكلت قراءة النصوص على الرولو في القرن الثالث، المرحلة الثانية من زمن القراءة-الكتابة، انطلاقا من الكودكس (دفتر مكون من أوراق مطواة يتم الربط بينها). فالأمر يتعلق إذن بثورة ثقافية رئيسة؛ لأنه، لأول مرة، تقدم للإنسان وثيقة قابلة للتصفح والكتابة في أثناء القراءة.لقد سمح الكودكس، بامتلاك رؤية كلية للنص والصفحة، مكوَّنا من كلمات منفصلة تغدو وحدة للتلقي. والكتاب مقسم لفصول وفقرات، بحيث يستطيع القارئ إعادة القراءة متى شاء.3 - ترتبط هذه المرحلة، باختراع المطبعة سنة 1450 (Gutenberg)، التي خلخلت علاقتنا بالزمن والذاكرة، وفتحت تدريجيا، المجال لدمقرطة القراءة. كما أن إعادة إنتاج النصوص، أسهمت في نشر أفكار جديدة.4 - هي المرحلة التي نعيشها اليوم، وسمتها، تزايد التواصل الإلكتروني الذي فجر علاقتنا بالمكتوب. ويرى المؤرخ Robert Darnton، أن إيقاع التغير المرتبط بالإنترنت، يقطع الأنفاس: من الكتابة إلى المخطوطة (الكودكس) 4300 سنة. من المخطوطة إلى الخط المتحرك، 1150 سنة. من الخط المتحرك إلى الإنترنت، 524 سنة. من الإنترنت إلى محركات البحث، 17 سنة. ومن محركات البحث نحو خوارزميات غوغل، 7 سنوات.إن المرور من المنشور المطبوع إلى النص الإلكتروني، يحاول، كما أشار Roger Chartier، تثوير نماذج إنتاج النصوص وتحويلها، ومواد الحامل التقليدي المكتوب، ثم تثوير الممارسات القرائية. وهذا التحول الحاسم، وليد أثر علاقة تربط الأشياء والأجناس والاستعمالات. فالإنترنت تسمح بقراءة كل النصوص كيفما كانت، من دون نظام وتراتبية. وعالم النصوص الرقمية، عالم مقاطع منتزعة من سياقها ومتقابلة. ويمكن أن نسجل عموما، ثلاث * * خصائص ملاحظة:*  غيّر النص الإلكتروني مفهوم السياق، وبالتالي إنتاج المعنى، ما دام تماسك النصوص في الكتاب نفسه، يبدل بتجميع متحرك ومفتوح، وكتابات تستهلك على الخط.> مادية النصوص، إذ أصبح النص أثرا لا ماديا.> تميزت القراءة على الشاشة بمنطق الرولو (تنجز حسب مسار عمودي)، والقراءة كذلك، على الكتاب المطبوع، (محددات خاصة: صفحات فصول الخ). أما مع النص الرقمي، فينجز انطلاقا من نص مطبوع على مستويات عدة، ومن محدداته حسب اللساني Rafael Simon: - يعطي النص الرقمي أولا، قيمة قوية لإعداد نص وإبداعه: هناك عمليات عدة ممكنة، مثل: تحرير، نقل، قص، حذف، قراءة مستمرة، تنقيح. الخ. هو نص من دون أثر مادي (الزمكان الخاص بالكتابة-غير مموقع). مُؤَلِّفه غير محدَّد. هو نص «ضال» (من دون هوية). نص يشارك فيه مؤلفون عدة. نص غير محدد وغير مكتمل، ينشر من دون توقف. هي إذن وضعية اللاثبات. - إنه نص نصله عبر آلة. نص رقمي له علاماته وإكراهاته (برانم).إن الكتابة الإلكترونية (متعددة الأصوات)؛ لأنها تحرر أشكال الكتابة الأصلية، وتمنح إمكانية لكتابة متحركة غير ثابتة. إنها تسمح بالحوار والمرح بفعل الدعامات الجديدة؛ إذ نستعمل أسنانا جديدة في الكتابة (رسائل، صورا وغيرها).هل هذا النمط من الكتابة مؤشر على فقر اللغة، وبنية التركيب، وتطور النحو الإلكتروني، من دون نتائج عامة على الخط؟ علما بأن بعض اللسانيين، أكدوا أن الرسائل الإلكترونية تغني اللغة، بالسماح للمتعلمين باكتساب كفاية لسانية مزدوجة (معرفة القواعد التقليدية للكتابة والتحكم باللعب على الأسنان)، كما تسمح بالشك في الآثار الوحيدة المستفيدة من هذه الصيغ للكتابة.* ثانيًا: الصيغ الجديدة في القراءة* مع ازدهار الحواسيب والألواح الذكية، والكتاب الإلكتروني، تولد انزياح تدريجي في عالم الممارسة القرائية. يبدو أن الرهان مع بروز قراءة عاكسة (ردود فعل)، موروثة من النهضة، هو قراءة أكثر سرعة وتفاعلية.يقول الباحث الروماني Alberto Manguel، في كتابه «تاريخ القراءة»: «نعرف لماذا نقرأ حتى حين لا نعرف كيف. فهل نستطيع القول بشكل واع، في الوقت نفسه، إننا انتقلنا من نص يخلق صورا إلى فعل القراءة. نقرأ لمعرفة النهاية لأجل التاريخ. نقرأ بهدف عدم الإمساك بهذه النهاية. فقط، من أجل لذة القراءة. نقرأ باهتمام عميق مثلَ صيادين في درب، متناسين ما يحيط بنا. نقرأ بذهول. نقفز على الصفحات. نقرأ بازدراء، بقبول، برفض، بغضب، بصبر، بشهية، بحنين. نقرأ بخجل لذة مفاجئة، من دون معرفة سبب هذه اللذة».مع نهاية القرن الـ20 وانتشار الوسائط التقليدية (صحافة، إذاعة...)، وتطور الوسائط الرقمية، تحركت القراءة الدينامية المفتوحة التفاعلية، محدثة علاقة جديدة بالنصوص. ومع الإنترنت، أصبحت القراءة تتحرك مع محركات البحث والروابط التشعبية، التي تطور كفايات وقدرات معرفية جديدة. وهكذا برزت ممارسات قرائية جديدة:- تعقدت صيغ القراءة اليوم، لأنها تستدعي مهارات واستراتيجيات تتطور طيلة حياتنا. فالتحولات مست الإنسان: علاقته بالزمن، قدراتنا على الانتباه، ولذتنا القرائية. لقد تزايدت وتيرة القراءة بفعل إكراه الحياة المعاصرة، الذي يعرقل قراءاتنا، ويفرض السرعة علينا مع تدبير كتلة من المعلومات.لم تعد القراءة مع الإنترنت مرادفة للقراءة الإدماجية لنص أو مستند؛ لأن السياق تغير، والمحددات على الشاشة تعددت. فالسرعة فرضها تعدد الوسائط، وكثرة الوثائق على الإنترنت. كل هذا يطور قدرات دماغنا الذي لم تعد له حدود بالنسبة لسرعة بعض السيرورات المعرفية.- تعددت كذلك قدراتنا على الانتباه الذي تعمق بعد أن كان قديما، يتبار حول موضوع واحد. فبرزت انتباهات متعددة تضاهي تعدد الشاشات والروابط. فنستقبل مثيرات عدة تجعل منا تفاعليين.- تغيرت لذة القراءة ببروز نصوص تشعبية. فحصل التحول من القراءة الخطية إلى القراءة العمودية، ومن القراءة الإخبارية إلى القراءة السردية..، تعددت الدعامات.. كتاب، صحافة..، واغتنت الأجناس الأدبية: قصيدة تفاعلية، رواية تفاعلية.. والمحصلة، تعدد القراءات.مع الورق، ارتبطت لذة القراءة عند الشباب بالروايات والحكايات. أما مع المدونات، فقد وجد الشباب لذاتهم القرائية في المواقع التفاعلية. هكذا برزت محددات جديدة متصلة بالتفاعل، وبالتجربة، وبالتحكم في النصوص وإبداعها. أصبحت القراءة غامرة صلبة، بأبعاد عاطفية وثقافية، خلخلت النموذج التقليدي للقراءة. وتغتني القراءة على الشاشة، بروابط تشعبية تسمح بالإبحار في صفحة الآخر، والاستفادة منها. إنها تجربة القراءة الغنية التي تسمح بممارسات جديدة. فمعرفة القراءة، تعني تعلما وفهما، انطلاقا من مستندات وشاشات تفاعلية. كما تستدعي كفايات مؤسسة على مختلف الأدوات البرانمية. ويؤكد البعض، صعوبة القراءة زمن الرقمية، بفعل كثرة الأدوات ولا ثبات المقروء، وصعوبة الانتباه والتركيز لكثرة المحددات؛ ما يؤدي إلى صعوبة بناء المعنى.هذه بعض مظاهر التحولات التي أحدثها التسونامي الرقمي على مجالات القراءة والكتابة. وهناك جوانب أخرى متصلة بمجالات التعليم والتجارة والإعلام. ونحن مدعوون إلى فهم هذه التحولات قصد اتخاذ المواقف والتدابير التي تسمح لنا بالانخراط الإيجابي الفاعل في عالم الرقمية.

المصدر: 
الشرق الأوسط
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.