تعانق المولد مع الميلاد

الاثنين, December 14, 2015
كاتب المقالة: 

 في ظاهرة لا تتكرر إلا مرة واحدة كل ثلث قرن؛ يتعانق في هذا العام عيد المولد في 2015/12/23 وعيد الميلاد في 2015/12/25، ليوَجها رسالة مشتركة إلى الإنسانية المتعبة: تذكرها بوحدة الأديان السماوية التي تتقاسمها: وحدة في المصدر، ووحدة في المآل، ووحدة في الخطاب!!
وعلى الرغم من الصراعات الدينية التي حدثت على مر التاريخ، سواءً ما كان منها بين المسيحيين والمسلمين؛ كحروب الإبادة الجماعية في الأندلس، أو الحروب الصليبية في فلسطين وما حولها، أو ما كان منها بين المسيحيين أنفسهم بطوائفهم المختلفة، فإن هذه الصراعات لا تمت إلى أيٍّ من الدينين بصلة، ويظل الخطاب الديني الأصيل في الكتب السماوية واحداً وداعياً إلى السلم، والتسامح، والحوار، ونبذ العنف، والاحتكام إلى الكلمة السواء.
ونظراً لكون القرآن العظيم؛ الكتابَ السماوي الوحيد الذي احتفظ بنصوصه منذ عصر التنزيل، لم يطله أي تحريف أو تشويه، ولن يطوله إلى قيام الساعة، فإننا سنقتبس منه، ما يمكن أن يعدّ دستوراً للتعايش بين أتباع مختلف الديانات.
فحرية الاعتقاد فيه مصونة شرعاً (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) [ البقرة 2/256] ( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف 18/29].
وبصيغة استنكارية يوجه خطابه للرسول (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس 10/99]، ويعذر المؤمن على إعلانه الكفر تقية (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ) [ النحل 16/106].
والعلاقة بين المسلم وغير المسلم علاقة تعايش ووئام (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [الممتحنة 60/8].
ويميز أهل الكتاب بمودة خاصة (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً) [آل عمران 3/199]، وينبه الرسول إلى ما سيلقاه من تواضع النصارى بالمقارنة مع مكر اليهود وعدوانهم (لتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) [المائدة 5/82].
ويضع للحوار الدينـــــــي مع أهــــــــل الكتاب عموماً قـــــــــواعد صارمة (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنا وَإِلَهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [ العنكبوت 29/46].
***
عناق المولد والميلاد هذا العام، فرصة كبرى لرسم خارطة جديدة للطريق، يملك المسلمون كل مفاتيحها؛ فرسالتهم هي الرسالة الخاتمة التي انقطع بها وحي السماء، معلناً بلوغ الإنسانية رشدها، وهي الرسالة الجامعة لرسالات كل الأنبياء (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) [البقرة 2/136]؛ خطابها هو الوحيد الموجه لكل العالمين؛ ليس محصوراً ببني إسرائيل (يا أَيُّها النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف 7/158]، ومعجزتها هي الكلمة وليست الخوارق (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) [ العنكبوت 29/51]، ووسيلتهــــا هي الحجة والبـــــرهان (ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ) [ المائدة 5/99] ولا ترفع السيف إلا لرد العدوان (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [ البقرة 2/190]!!
أليس المسلم الأجدر بقيادة عصر المعرفة الذي دلفت الإنسانية إليه في مستهل الألفية الثالثة، وعدَّتُها فيه هي الأفكار، مودعة بها عصر الصناعة وأدواته من الأشياء؟!
هل سيعي المسلم دوره المنتظر على وقع (تعانق المولد والميلاد) هذا العام، ليغمد السيف، ويجلس على موائد التفاوض، كي يخرج منها بأقل الخسائر، ويتفرغ إلى إعادة البناء، وأداء رسالته الإنسانية؟!
وإذ ذاك سوف ينطلق المارد الإسلامي بكل طاقاته الكامنة، ليقدم حلوله للمشكلات الإنسانية المتفاقمة، ولسوف تزول الحاجة إلى مخيمات اللجوء، وترتاح الدول المضيفة لها من أعبائها، مثلما ستنتهي أدوار أجهزة المخابرات، ومنظمي المؤتمرات، ويبوء مهندسو الحروب وتجار الأسلحة بالخذلان، وتذبل داعش وأخواتها لزوال المناخ الملائم لوجودها..
وستبدأ ورش العمل في طول العالم الإسلامي وعرضه ويكبر الأمل!!

من "سلسلة التغيير" للاستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.