ثلاث وثمانون حلقة من حلقات التغيير المنشود "ماذا بعد؟ "

الخميس, December 10, 2015
كاتب المقالة: 

 أدرك تماماً خضوع الأمم في حياتها لقانون الدورات الحضارية الذي كشف عنه ابن خلدون؛ تبدأ الأمة بدورتها مذخورة بحيوية الشباب، ثم تسترخي في كهولتها، لتفقد فعاليتها تدريجاً؛ مستسلمة لعوامل الشيخوخة؛ تخرج بها من التاريخ، فتتلقف راية التقدم الإنساني أمة أخرى أكثر شباباً وحيوية، وتظل الفرصة متاحة للأمة المنسحبة أن تتخلص من عوامل تخلفها، وتسترد عافيتها لتنخرط في دورة حضارية جديدة!!
فإذا ما كانت الأمة ذات رسالة عالمية؛ تنطلق من فكر إنساني شامل؛ كما هي حال الأمة الإسلامية، فلسوف تظل راية الحضارة بين يديها تتداولها الأقوام المنتمية إليها.. وهكذا انتقلت عواصمها من دمشق إلى بغداد فالأندلس وأخيراً آستانة بني عثمان!!
لقد أدرك الاستعمار الغربي هذه الطاقة الكامنة لدى الأمة الإسلامية، فقرر تمزيقها منذ تولى اقتسام تركة الرجل المريض، وزرْع كيان غريب فيها، يعمل على قضمها، وفصم وحدتها، وتغيير هويتها وعنوانها لتصبح الشرق الأوسط الجديد، وإطالة أمد تخلفها، وتخديرها لتظل في دائرة الانفعال وردود الأفعال الآنية، وليستأثر هو بموقع الفاعل الذي يخطط استراتيجياً لمستقبله البعيد!!
ثلاث وثمانون حلقة من حلقات التغيير المنشود؛ بعدد سنوات ما انقضى من عمري؛ تناولت فيها معظم القضايا التي أرى أنها تقف وراء العجز النهضوي الفاضح الذي ألـــــمَّ بأمتي، فشلَّ فاعليتها، وحوّلها إلى تابع يؤمر فيطيع، ويخطَّط له فينفذ، أشبه ما يكون بدمية على المسرح؛ تحرَّك بخيوط من وراء ستار!!
ما أهدف إليه وألحُّ عليه في حلقات التغيير؛ هو ضرورة الخروج من دائرة الانفعال الآني؛ التي تلفنا وتجعلنا نلهث وراء الأحداث المتلاحقة التي نُستدرج إليها، إلى دائرة الفعل الاستراتيجي الذي نخطِّط له، ونضع برامجه، ونتحكم بخطوات تنفيذه، فلا نتعجل خطوة قبل تثبيت أقدامنا في الخطوة السابقة لها.
طاقتنا الكامنة وفيرة، لا تملك أمة غيرُ أمتنا مثلها، لا تحتاج منا إلا إلى إماطة الصدأ المتراكم عليها جراء الإهمال، وإزالة الشوائب التي اعترتها جراء الغفلة!!
فلنغمد سيوفنا!! ولنحقن الدماء!!
ولنُعد توجيه بنادقنا باتجاه حدودنا لحمايتها من أي عدوان خارجي!!
ولنصبر أنفسنا على طاولة المفاوضات فيما بيننا، مهما طال أمدها، فلا مشكلة تستعصي على الحل إذا خلصت النوايا!!
ولنعفِ المشفقين علينا في الخارج من عناء فتح مخيمات اللجوء للفارين من القصف والدمار من أهلنا!!
ولنوفر عليهم عناء عقد المؤتمرات في جنيف وفيينا وموسكو، فنحن أقدر على حل مشاكلنا، وأهلُ مكة أدرى بشعابها!!
حلول سبق أن طرحتها مراراً، ولن أملَّ من تكرارها، فهل من مجيب؟!
هل من رفيق يضم صوته إلي، فتتعالى أصوات الحكمة والبناء، فوق أصوات القنابل والقتل؟! " فإنما هو والله الفجر أو البجر" !!

من سلسلة التغيير للاستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.