جهاد الكلمة وجهاد السيف

الاثنين, February 29, 2016
كاتب المقالة: 

 في مكة المكرمة؛ وبعد ما تلقى النبي صلى الله عليه وسلم الأمر الإلهي الأول بالقراءة مفتاحاً لرسالته الخاتمة، جاءه الأمر الثاني بالجهاد ( وَجاهِدْهُمْ بِهِ [القرآن] جِهاداً كَبِيراً) [الفرقان: 25/52] ، وإذا كان من المعلوم، أن الجهاد القتالي لم يكن مسموحاً به طوال الفترة المكية، وهي المرحلة الأطول من الرسالة، فإن من نافلة القول أن يكون هذا المصطلح الجديد (الجهاد) منصباً على (جهاد الكلمة)، وأن أول ما كان يفعله من يلتحق بركب الدعوة الجديدة؛ أن يتوجه بها إلى الحرم؛ ينطق بالشهادتين أمام الكعبة، متحدياً ومعلناً إسلامه على الملأ، ليعود إلى أصحابه فرحاً بما ناله من أذى قريش، وبمشاركته الرسول في جهاده الدعوي!!
وفي المدينة المنورة، بعد ما قامت الدولة الإسلامية، وأرست قواعد المجتمع الجديد، (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج: 22/39]، وصدر الأمر القرآني الجديد (يا أَيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) مكرَّراً في سورتي [التوبة9/73] و [التحريم66/9]، ليضيف إلى مصطلح الجهاد، بعداً جديداً هو (الجهاد القتالي) إلى جانب (الجهاد الدعوي)، فالآية تتضمن البعدين معاً، إذ ورد فيها جهاد المنافقين، وهم جزء من رعايا الدولة؛ لا يتأتى معهم الجهاد القتالي!!
وفي المدينة أيضاً نزلت الآية (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) [الحج: 22/78] تأمر المؤمنين بالجهاد؛ فرضاً يؤدونه أشبه ما يكون بالتجنيد الإلزامي في عصرنا الحاضر، الذي يشكل احتياطياً يُستنفر للدفاع عن الأمة عندما تتعرض لأي عدوان خارجي، لكن الآية تشترط له حق الجهاد، وهو كل ما يضبطه من أحكام وقواعد يجب الالتزام بها وعدم الخروج عنها!!
ثم توالت الآيات القرآنية تضبط علاقة الدولة والمجتمع المسلم بغيره في سائر الأحوال:
أولها: الاعتراف بالآخر وضرورة وجوده لإغناء الحضارة الإنسانية وتقدمها (يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا) [الحجرات:49/13].
وثانيها: التعايش معه: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [الممتحنة: 60/8] والبر أعلى درجات المودة.
وثالثها: التحاور معه من دون حساسيات ولا تحفظ (يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران: 3/64].
ورابعها: إذا ما أدى الحوار إلى شيء من التنافر، فالمسلم مأمور ألا يبادر بعدوان (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة:2/190] و [المائدة: 5/78].
وخامسها: إذا بادر الآخر بالعدوان: فللمسلم أن يرد العدوان بمثله وليس له أن يتجاوزه (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة: 2/194].
وسادسها: فإن بادر الآخر إلى إيقاف عدوانه، حتى ولو شممت منه رائحة خديعة، فعليك أن تقبله مع الحذر (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) [الأنفال: 8/61-62].
وسابعها: إذا أبرم المسلم مع الآخر اتفاقاً أو معاهدة؛ فعليه الالتزام الكامل بها ما دام الطرف الآخر ملتزماً بها (فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) [التوبة:9/7].
وثامنها: إذا تلقيتم طلباً للنصرة من إخوة لكم في الدين (فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) [الأنفال: 8/72].
وتاسعها: على المسلم أن يحترم معاهداته حتى انتهاء مدتها (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) [التوبة:9/4].
تلك هي النصوص القرآنية الناظمة للعلاقة بين المسلم وغير المسلم، وهي تشكل ثقافة المسلم في حالتي السلم والحرب.
***
ونخلص من ذلك كله إلى أن جهاد الكلمة هو الأصل، وهو الأشمل، والأعم، والأكبر، وهو الذي يشكل ثقافة المسلم، وبهذه الثقافة وصل الإسلام إلى أقصى الشرق؛ وتشكلت أكبر دول العالم الإسلامي (أندونيسيا)، من دون غزو ولا إعمال سيف، ولم يكن الســـــــيف يوماً وسيلة لنشـــر الإسلام (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) [البقرة:2/256].
أما جهاد السيف، فطارئ ودفاعي ومحدود؛ لا تقوم به للإسلام خلافة ولا دولة!!
فالإسلام فكرة وحضارة، ورسالته الثقافية هي الأوسع والأدوم والأكبر. ومعركته الكبرى ثقافية أكثر منها عسكرية..
إن جهادنا الكبير هو جهادنا به (بالقرآن)، إذا وعيناه وأتقنا تقديمه للعالم، فلن نكون بحاجة إلى قوى عسكرية ولا إلى منظمات..
به وحده سيجيئ نصر الله والفتح المبين، وسنرى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.
وسيقتصر دور جيوشنا النظامية على ردع من تحدثه نفسه بالعدوان.

من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة