جيل التغيير... ونهاية أزمنة التخلف

السبت, September 16, 2017
كاتب المقالة: 

يطرح جيل اليوم عدداً كبيراً من التساؤلات حول تخلف واقعنا المعاصر وانحطاطه في عدد من المجالات العلمية على وجه الخصوص، ويحاول البحث عن طرق وآليات للخروج من هذا المستنقع الموحل والمثقل بأعباء السياسة وتراكمات التاريخ وسلطة الأعراف. ومع هذه القيود والمكبلات لا تزال التساؤلات تنير الواقع وتشعل قناديل الأمل لتضيء دروب العمل نحو التغيير. وأضحى هذا المسار التغييري ضرورة، مهما كان طول الطريق ووعورته. وهذه الأجيال المتسائلة هي الكتلة الحرجة للتغيير، خصوصاً أن كثيراً من الشباب درس في الغرب المتقدم علمياً، ويحمل حماسة واندفاعاً نحو توطين التقنية والاعتماد على النفس، ويملك رغبة في صناعة منتجة يتم تطويعها في البيئة العربية والإسلامية مهما كلف الأمر. وهؤلاء الشباب يجب أن تلتفت إليهم أوطاننا بجدية واهتمام، وتدعمهم وتحفزهم وتحافظ عليهم، فهم رأسمالها الحقيقي للمستقبل المنشود. وفي هذا المقال طرحٌ لفكرة تمهيدية تخدم مشروعنا نحو التطوير، والشباب هم أكثر من سيستوعبها ويطبقها في شكل متقن، فمن المعروف أن القرآن الكريم في أكثر من نص أكد تسخير الكون للإنسان، وهذه القاعدة الاستخلافية تستدعي في شكل مباشر وتلقائي معرفة سُنن هذا الكون ونواميسه، لأن هذه المعرفة هي المدخل الطبيعي لكشف قوانين هذه المخلوقات، والذي كشف قوانينها استطاع أن يستفيد منها، أو بلغة القرآن سخّرها لمنافعه العمرانية.

أعتقد أن هذه القاعدة العلمية هي البوابة الطبيعية للتقدم والرقي المادي، وبلغتنا المعاصرة فإن علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء والرياضيات والفلك وغيرها، هي بوابة الولوج إلى الكون المسخّر للإنسان.

ومع هذا الخطاب المتكرر في القرآن حول التسخير، والواجب الغائيّ للمسلم تجاه عمران الأرض، إلا أن استثمار هذه الموجبات العقلية والشرعية لم يظهر في أدبياتنا الإسلامية، ولم يحفل به علماؤنا في شكل يوازي أهميته باستثناء قلة منهم، وفي لحظات تاريخية متقدمة من عمر أمتنا الطويل، رغم أن الفقه الذي اشتغلوا به كثيراً لم يكن نافياً هذا النوع من المعارف الطبيعية، ولم يحصل في العصور الأولى أي انفصام بين علوم العقل والنقل بل حصل تفاعل حقيقي بين الفقه الإسلامي وبين معطيات الطبيعة ومكنوناتها، ربما لم يظهر بوضوح في المصنفات الفقهية ولكنه أنتج محاولاتٍ رائدة في علوم الجبر والهندسة والطب والفلك والطيران وغيرها. وعلى سبيل المثل لا الحصر، أذكر بعض الإسهامات العلمية التي حققها فقهاؤنا الأوائل من خلال تطوير الأحكام الفقهية إلى مشاريع كبرى (انظر: «فضل علماء المسلمين على الحضارة الأوروبية»، تأليف الدكتور عز الدين فرج، طبعة دار الفكر العربي، 2002، كتاب «تاريخ ضائع - التراث الخالد لعلماء الإسلام ومفكريه»، تأليف: مايكل مرجان، طبعة دار نهضة مصر، 2008) أسهمت في كشف أعظم المخترعات العلمية، فالإمام البتَّاني أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان (ت 317هـ) أنشأ مرصدًا فلكيَّا عُرِف باسمه، وقد كان لأعماله جانب نظري يتمثل في قراءة مؤلفات الفلكي اليوناني بطليموس وانتقائها بطريقة علمية، وَوَضع كتابًا في حركة النجوم وعدّدها، وقد ظل يُدرّس في أوروبا حتى عصر النهضة العلمية في أوروبا، وله أبحاث تجريبية عملية بلغت منتهى الدقة والارتقاء والتقدم العلمي من واقع مشاهداته الفلكية، وحدد أبعد نقطة بين الشمس والأرض، وحسب مواعيد كسوف الشمس وخسوف القمر، واتبع في ذلك منهجاً شبيهاً بالمنهج العلمي الحديث، ما جعل الأوروبيين يعدُونه من أعظم علماء الفلك في التاريخ.

وهذا أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى النقاش الزُّرْقَالي الذي عاش في القرن الرابع الهجري، ونشأ في طليطلة بالأندلس، وأنشأ فيها مراصد فلكية عديدة، واخترع جهاز الإسطرلاب الفلكي لقياس اتجاهات الرياح وسرعتها وتحديد الليل والنهار، ما أدهش علماء أوروبا، وقد استفاد من مؤلفاته العالم الأوروبي الفلكي كوبرنيكوس الذي حرص على الاستشهاد بآراء أبي إسحاق في جميع مؤلفاته.

والإمام الفرغالي الذي ألّف كتابًا ظل مرجعًا اعتمدت عليه أوروبا وغربي آسيا سبعمئة عام.

أما في علوم الرياضيات فيعتبر العلامة محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232 هـ) صاحب الفضل الأكبر في معرفة خانات الآحاد والعشرات والمئات، وفي معرفة الزوجي من الفردي في الأعداد، وفي معرفة عمليات الكسور العشرية، واستخدامها في تحديد النسبة بين محيط الدائرة، وقطرها مما لم تعرفه أوروبا قبله. ولم يكن الخوارزمي وحده هو البارز في هذا المجال، بل كان هناك علماء كثيرون وضعوا مؤلفات في الحساب والجبر مثل: أبي كامل شجاع بن أسلم المصري، وسنان بن الفتح الحرَّاني، والكندي، ومحمد بن الحسن الكرخي صاحب كتاب «الكافي في الحساب»، فأضافوا إليها الكثير، وابتكروا نظريات هندسية جديدة، فجددوا وأضافوا في المساحات والأحجام، وتحليل المسائل الهندسية، وتقسيم الزوايا، ومحيط الدائرة وكيفية إيجاد نسبة محيط الدائرة إلى قطرها ما سهل لهم أمورًا كثيرة في فنون العمارة والزخارف الإسلامية. وكان في مقدم علماء المسلمين في الهندسة الحسن بن الهيثم وأبو جعفر الخازن، وغيرهم كثير.

وهنا نتساءل كيف حصل الانفصام بين علوم العبادة والعمارة واتسعت الشقّة حتى كوّنت أجيالاً من الفقهاء المتأخرين الذين يرفضون بل ويحاربون تلك العلوم الطبيعية؟! بينما كنا نقرأ في تراجم أكثر الفقهاء الأوائل كالغزالي والجويني والرازي والقرافي وابن رشد أنهم كانوا يتقنون الطب والفلك والهندسة ويزاوجون بينها وبين علوم التفسير والحديث والفقه توظيفاً لمقاصد الشرع في تعبيد الناس لله عز وجل.

والحقيقة أن حالة الفقه المعاصرة هي حالة مَرَضية قلّصت دوائره المؤثرة حتى أصبح فقهاً لا يمتّ إلى واقعنا بصلة. ولولا ضرورة البحث في مشكلات الطب والاقتصاد التي فرضت نفسها على فقهائنا المعاصرين وجعلت قيمة الفقه على محك الصلاحية والمصداقية لما تحرك الفقهاء ولما ولدت المجامع الفقهية، وأعتقد أن تلك الحركة الفقهية المُعالِجة للنوازل الجديدة جاء أكثرها كردود فعلٍ على الظروف والتساؤلات الملحّة من الناس، وليس الفقه المعاصر هو الذي اقتحم أغوارها وأسس ميدانها، ولذلك تأتي أكثرها على هيئة بحوث فردية أو قرارات مجمعية سنوية، في مقابل مئات الكليات الشرعية ومئات الألوف من الفقهاء القابعين خارج الزمن، والذين يُنتظر منهم دور يليق بشرف العلم الذي يدرّسونه. والمطالبة هنا بدور أمثل للفقه ليست خروجًا عن متطلبات الفقه الذي أسّسه السلف وطوّره الخلف حتى القرن التاسع الهجري، بل هو الواجب الحقيقي والتجديدي للتحضر الإسلامي المنشود، والعودة بالفقهاء إلى مراكز البحث والوقوف صفاً واحداً في معامل التجريب مع قرنائهم في العلوم الطبيعية الأخرى من أجل عودة تصحيحية لفقه العمران بعد خروجه من كنف العلوم الإسلامية. وهذه المهمة لو تحققت فإن مسيرة التسخير الكوني للإنسان ستتخذ طريقها نحو مراقي التقدم الإنساني والتحضر العمراني الفريد، وبينما تأخر المسلمون فقد تقدم غيرهم، وأصبح الغرب اليوم هم قادة التسخير الكوني من خلال آلاف من المخترعات والمكتشفات طوال ثلاثة قرون من البحث والنظر والمشاهدة، نتجت منها مئات النظريات العلمية التي استطاعت تحقيق جزء كبير من مهمة التسخير والاستخلاف.

ولا يزال هناك الكثير من الفرص التي يمكن أن يتقدم لها المسلمون ويعوضوا ما فاتهم، بشرط أن يفقهوا هذا الدين حق الفقه ويستشعروا واجباتهم الإنسانية تجاه الكون.

وكما أن الفقه والرؤية الثقافية ضروريان لخلق الدافعية وبناء المنهجية للتقدم العلمي، لا ننسى كذلك أهمية الاستقرار السياسي ووجود الحريات العامة في كل مناحي المجتمع، لأن وجود هذه البيئة كفيل بتوفير مناخ صحي للإبداع والتفوق. والتاريخ القديم والمعاصر يؤكد أن الفترات الذهبية من تاريخ العلوم والمعارف إنما كانت في فترات الرخاء والضمانات الحقوقية والاستقرار المجتمعي. ولعل هذا العامل يفسّر لنا تقدم الغرب وتخلفنا، فبلادنا العربية والإسلامية لا يزال بعضها يغرق بالفساد واختلال معايير العدالة، وبعضها يمر بفوضى واحتراب داخلي دمّر كل المكتسبات السابقة والحاضرة. كما لا يزال بعض تلك الدول يحتفي بمشاهير ونجوم الفن والرياضة، ممن لا يملكون تأثيراً حقيقياً في مجتمعاتهم، كل ذلك يحدث في مقابل إهمال متعمد للكثير من المبدعين والمخترعين، وفي ظل قيود وإجراءات معقدة ومملّة تحيط بالباحث لأجل إجهاض أفكاره وتهميش منجزاته، بل وتصيبه بالإحباط وتغتال حماسته أحياناً قبل البدء بمشاريعه. لذلك لا نلوم العالم والباحث المميز عندما يختار طريق الهجرة إلى الغرب ليحط رحاله خادماً ومنتجاً في وطن ليس بوطنه ولأمة ليست أمته، لأن أجواءنا باتت خانقة ومكفهرة تسمح بنزف ممنهج للتقدم في مقابل استيراد مقنّن للتخلف.

المصدر: 
جريدة الحياة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.