حرية النشر وإشكالية الرقابة على الفكر

الأربعاء, June 15, 2016
كاتب المقالة: 

لعل صدور قانون الرقابة على المطبوعات في الدولة العثمانية أعقب انتشار الجرائد مباشرة منذ أواخر القرن الثامن عشر؛ إذ وَجَد فيها المسؤولون آنذاك ما يؤرقهم من تلك الأقلام التي كانت تثير عليهم الرأي العام، وتنبه على العُوار، وتسلط الأضواء على الزوايا الميتة، لتستخرج المخبوء المزعج، فلا يَدَعون السلطة تنام بسلام.. وكم من جريدة أُوقفت وألغي ترخيصها.. أو صودرت أعداد طبعة منها، وكم من صحيفة تكرر تنبيهها ومساءلتها.

وفيما بعد انتقلت الرقابة إلى الكتب، وهذه مشكلتها أقلُّ شأناً؛ لأنّ مع الرقيب فسحةً غير مرتبطة بزمن معين كالجرائد المحددة التاريخ في صدورها. وهنا ضرب آخر من الهمّ، فالرقيب غير مستعجل، لا يُلزمه أحد بزمن، ولذا فيقرأ بعين الريبة، ويخاف إن صدر الكتاب وفيه هفوةٌ أن يعّرض نفسه لعقوبة رئيسه، فإذا به يتسقط ما يظنه يزعج السلطة، فيضع عليه الإشارات الحمراءَ والصفراء. ثم يستريح عندما يضع كلمة المنع.. أو يأمر بإعمال المقصّ على أجزاء من النص.. ومن هنا يُحكَمُ على الكتاب أن يوضع في الحجز الاحتياطي (الكرنتينا) حتى يطمئن المحتجزون إلى عافيته من الأوبئة والأمراض المعدية السارية، فيُسمحُ له بالخروج إلى الناس والاختلاط بهم.

ولكن بعض الجراثيم تبقى في الحضانة أكثر من مدة (الكرنتينا)، فإذا بها تظهر بعدئذ والكتاب مطبوع منتشر في الناس، وعندئذ يجب سحبه من الأسواق، ومحاصرته من جديد.  

لكن مشكلة التأخر عند الرقيب تكمن في أنّ بعض الكتب تعالج موضوعاً راهناً، فإذا تأخر صدورها فاتت الفائدة منها، وعجلةُ الناشر أو المؤلف لا تفيدهما.. لأن الرقيب غير مستعجل.

فمن هو الرقيب؟ وما الثقافة التي يتحلّى بها؟ وما الأسس التي يرتكز عليها في أحكامه؟

لا يجرؤ الناشرون أن يقدموا كتاباً فيه مساس بسياسية الدولة وهيبتها.

ولا يجرؤون أن ينشروا بحثاً فيه اجتراء على المقدسات.

ولا يجرؤون أن يصدروا نصّاً تشيع فيه بذاءة العبارات.

الناشرون يدركون ذلك كله بلا ريب.. فأين تكمن المشكلة إذن؟

هذا الكتاب يعالج موضوع الرقابة، ويصف حالات تتعلق بحرية النشر ومدى فاعليتها وحدودها والنتائج المترتبة عليها. وهو مقالات كتبت على مدى خمسة عشر عاماً (1995-2010م)، تدور كما يشي بذلك عنوان الكتاب حول قيود الرقابة، كتبها ناشر له تجربته الطويلة في النشر تعود إلى أواسط خمسينات القرن الماضي، واكب فيها أحداثاً جساماً في القطر وخارجه، وتعامل مع ناشرين عرب وغير عرب، ليقدم وجهات نظر هامة في موضوع الرقابة على الفكر.

وهذه المقالات تحمل أفكاراً جريئة في بابتها، متنوعة في أساليب عرضها، وربما يكون فيها بعض تكرار يشفع له أنه يحمل معه حين يأتي تأكيداً تارةً، أو تعميقاً على الفكرة تارة أخرى.

وبعدما انتظمت المقـالات في هذا الكتاب مرتبة بحسـب تاريـخ كتابتها اختتمها المؤلف بمقالة " القرآن وحرية التعبير" ليؤكد أن حرية التعبير حق طبيعي من حقوق الإنسان تقرره الشرائع السماوية، لم يعد للأنظمة مناص من احترامه في عصر الانفجار المعرفي وثورة الاتصالات.   

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.