حضور ﻧﻤﺎﺫﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﺔ ﻓﻲ ﺧﻄﺎﺏ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ

الثلاثاء, July 11, 2017
كاتب المقالة: 

ﻧﺘﺎﻭﻝ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺣﻀﻮﺭ ﻧﻤﺎﺫﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﻟﺪﺗﻪ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺗﻔﻜﻴﺮ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﺮﻱ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ . ﻭﻧﺮﻛﺰ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺣﺠﻢ ﺣﻀﻮﺭ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﻴﻦ : ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ ﻛﺎﺭﻝ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ، ﻭﺍﻹﻧﻜﻠﻴﺰﻱ ﻛﻮﻟﻦ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ . ﻭﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺴﺎﺅﻻً : ﻣﺎ ﺣﺠﻢ ﺣﻀﻮﺭ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺘﺒﻪ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ؟

ﺇﻥ ﺃﻭﻝ ﻣﺎ ﻧﻮﺩ ﺃﻥ ﻧﺸﻴﺮ ﺇﻟﻴﻪ ، ﻫﻮ ﺇﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺗﺸﺎﺑﻬﺎ ﻋﺎﻣﺎً ﺑﻴﻦ ﺗﻮﺟﻬﺎﺕ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ﻭﺗﻮﺟﻬﺎﺕ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻛﺎﺭﻝ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ . ﻓﻤﺎﻟﻚ ﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻭﺗﺨﺼﺺ ﻓﻲ ﻫﻨﺪﺳﺔ ﺍﻟﻼﺳﻠﻜﻲ . ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺗﺨﺼﺺ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻫﻴﺪﻟﺒﻴﺮﻙ . ﺗﺨﻠﻰ ﻣﺎﻟﻚ ﻋﻦ ﻫﻨﺪﺳﺔ ﺍﻟﻼﺳﻠﻜﻲ ﻭﺃﻣﺘﻬﻦ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻓﻲ ﻣﻀﻤﺎﺭ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺷﺆﻭﻥ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺃﺑﺪﻉ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻓﻜﺮﺍً ﻭﻛﺘﺎﺑﺔ . ﻭﺗﺨﻠﻰ ﻛﺎﺭﻝ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻜﻠﻴﻨﻜﻲ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ، ﻭﺗﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺃﻛﺎﺩﻳﻤﻲ ﻳﺤﺎﺿﺮ ﻓﻲ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺇﻧﺘﻘﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﻀﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻭﺃﻣﺘﻬﻦ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻛﺎﻥ ﻋﻠﻤﺎً ﻓﻲ ﻭﺟﻮﺩﻳﺘﻪ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﺏ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺒﻄﻨﺔ ﻟﻤﺰﻳﺞ ﻻﻫﻮﺗﻲ ﻣﺴﻴﺤﻲ ﺑﻮﺫﻱ .
ﺑﺪﺃ ﻛﺎﺭﻝ ﺛﻴﻮﺩﻭﺭ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺍﻟﻤﻬﻨﻴﺔ ﻃﺒﻴﺒﺎً ﻧﻔﺴﻴﺎً ، ﻭ ﺗﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﺩﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻬﺎﺩ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻣﻀﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ . ﻭﻟﺪ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﻛﺎﺭﻝ ﻓﻲ 23 ﺷﺒﺎﻁ 1883 ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺃﻭﻟﺪﻧﺒﻴﺮﻙ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻴﺔ . ﻋﺎﺵ ﻓﻲ ﺃﺣﻀﺎﻥ ﻋﺎﺋﻠﺔ ﺗﻤﻴﺰﺕ ﺑﺄﺳﻠﻮﺏ ﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻄﻠﻊ ﺇﻟﻰ ﺑﺴﺎﻃﺔ ﺍﻟﺮﻳﻒ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ . ﻭﺗﻨﻮﻉ ﻭﺩﺭﺟﺎﺕ ﺍﻟﺘﻌﻘﻴﺪ ﻓﻲ ﻃﻮﺍﺑﻖ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺁﺧﺮ . ﻓﺎﻟﻮﺍﻟﺪﺓ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻦ ﺃﺻﻮﻝ ﻓﻼﺣﻴﺔ ، ﻭﺍﻟﻮﺍﻟﺪ ﻛﺎﻥ ﺭﺟﻞ ﻗﺎﻧﻮﻥ .
ﺃﻇﻬﺮ ﻛﺎﺭﻝ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻣﻴﻼً ﻣﺒﻜﺮﺍً ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ . ﺇﻻ ﺇﻥ ﻭﺍﻟﺪﻩ ﺃﺛﺮ ﻋﻠﻰ ﺧﻴﺎﺭﺍﺗﻪ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﻴﺔ ، ﻓﻔﻀﻞ ﻟﻪ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ . ﻭﺣﺎﻻً ﺃﻛﺘﺸﻒ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ، ﺇﻧﻪ ﻻ ﻳﺤﺐ ﺇﻛﻤﺎﻝ ﺩﺭﺍﺳﺘﻪ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ، ﻓﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﻄﺐ ، ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺃﻧﺠﺰ ﺇﻃﺮﻭﺣﺘﻪ ﻭﺗﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﻛﻠﻴﺔ ﺍﻟﻄﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1909 . ﻭﻋﻤﻞ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﻫﻴﺪﻟﺒﻴﺮﻙ ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﺿﻤﻪ ﻣﻊ ﺁﻣﻴﻞ ﻛﺮﻳﺒﻠﻴﻦ ‏( 1926 – 1856 ‏) ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺪ ﺍﻟﻤﺆﺳﺲ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻟﻠﻄﺐ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ . ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻥ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺑﺄﻥ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﺎ ، ﻫﻲ ﺃﻣﺮﺍﺽ ﺑﺎﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﺳﺒﺒﻬﺎ ﺍﻟﺠﻴﻨﺎﺕ .
ﻭﺇﻣﺘﻌﺾ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺴﺘﺨﺪﻣﻬﺎ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ ﻓﻲ ﻋﻼﺝ ﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ . ﻭﻟﺬﻟﻚ ﺗﺮﻙ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺃﺑﺪﺍ ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﻌﺪ ﺣﺼﻮﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺗﺪﺭﻳﺲ ﻣﺆﻗﺘﺔ ﻟﻤﺎﺩﺓ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻫﻴﺪﻟﺒﻴﺮﻙ . ﻏﻴﺮ ﺇﻥ ﻧﺠﺎﺣﻪ ﺍﻟﻤﺘﻤﻴﺰ ﺣﻤﻞ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﺎﻓﺄﻩ ﺑﻮﻇﻴﻔﺔ ﻋﻤﻞ ﺗﺪﺭﻳﺴﻲ ﺩﺍﺋﻢ . ﻭﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﻲ ﻭﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﺑﻌﺪ ﺇﻥ ﻧﺎﻫﺰ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻩ ، ﺗﺤﻮﻝ ﻣﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻭﺫﻟﻚ ﻹﺷﺘﻐﺎﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺕ ﻗﺎﺭﺑﺖ ﺑﻴﻦ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ . ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺃﺻﺒﺢ ﻓﻴﻠﺴﻮﻓﺎً ﻣﺠﺪﺩﺍً ، ﻓﻨﺎﻝ ﺍﻹﺣﺘﺮﺍﻡ ﻓﻲ ﺍﻷﻭﺳﺎﻁ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﻟﻤﺎﻧﻴﺎ ﺧﺎﺻﺔ ﻭﺃﻭﺭﺑﺎ ﻋﺎﻣﺔ . ﻭﻋﺎﻧﻰ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻓﺘﺮﺓ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﻨﺎﺯﻱ ، ﻓﻔﻘﺪ ﻋﻤﻠﻪ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﻲ ﻭﺻﺪﺭ ﺣﻈﺮ ﻋﻠﻰ ﻧﺸﺮ ﻣﺆﻟﻔﺎﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻄﺎﺑﻊ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻴﺔ . ﻭﺑﻌﺪ ﻫﺰﻳﻤﺔ ﺃﻟﻤﺎﻧﻴﺎ ﻭﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1948 ﺗﺤﻮﻝ ﻟﻠﺘﺪﺭﻳﺲ ﻓﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﺑﺎﺳﻴﻞ ﻓﻲ ﺳﻮﻳﺴﺮﺍ . ﻭﻇﻞ ﻧﺸﻄﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻀﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻭﺣﺘﻰ ﻭﻓﺎﺗﻪ ﻓﻲ ﺑﺎﺳﻴﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ .1969
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻔﻴﺪ ﺃﻥ ﻧﺬﻛﺮ ﻟﻠﻘﺎﺭﺉ ﺑﺄﻥ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺗﻔﻜﻴﺮ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ﻗﺪ ﺇﺳﺘﺜﻤﺮﺕ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺃﻓﻜﺎﺭ ﺗﻮﻟﺪﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻮﺍﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺟﺮﺍﻩ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﻮﺫﻳﺔ ﻭﺍﻟﻼﻫﻮﺕ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻲ ﻭﺧﺼﻮﺻﺎً ﺍﻟﺘﻮﻇﻴﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﻡ ﺑﻪ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﺍﻟﺒﺎﻛﺴﺘﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﺠﺪﺩ ” ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻗﺒﺎﻝ ” ‏( 1938 – 1877 ﺻﺎﺣﺐ ﻛﺘﺎﺏ : ﺗﺠﺪﻳﺪ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻹﺳﻼﻡ ‏) ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺗﻌﺮﻑ ﻓﻲ ﺍﻹﻓﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ، ﺑﻘﻀﻴﺔ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻱ . ‏( ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ : ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻷﻓﺮﻳﻘﻴﺔ ﺍﻷﺳﻴﻮﻳﺔ : ﺹ 223 ‏) . ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻴﻌﺎﻟﺠﻬﺎ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻤﻨﺤﻰ ﺇﻳﺠﺎﺑﻲ ﻣﻨﺘﺞ .
ﻧﺸﺮ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1910 ﺃﻭﻝ ﺃﺑﺤﺎﺛﻪ ﻓﻲ ﻣﻀﻤﺎﺭ ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ، ﻭﻛﺎﻥ ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ ” ﺍﻟﺮﻋﺐ ” ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﻃﺒﻊ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1913 ﻛﺘﺎﺑﻪ ” ﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺍﻟﺴﺎﻳﻜﻮ ﺑﺎﺛﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ” ، ﻭﻳﺘﺄﻟﻒ ﻣﻦ ﻣﺠﻠﺪﻳﻦ ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﺗﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﻞ ﻛﻼﺳﻴﻜﻲ ﻓﻲ ﻣﻀﻤﺎﺭ ﺃﺩﺏ ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ . ﻭﻗﺪ ﻗﺎﻡ ﺑﺘﺮﺟﻤﺘﻪ ﻣﺆﺧﺮﺍً ﻛﻞ ﻣﻦ ﻣﺎﺭﺗﻦ ﻭﻫﻤﻠﺘﻦ ﻭﻃﺒﻌﺘﻪ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻫﻮﺑﻜﻨﺰ ﻓﻲ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ . ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﻣﻀﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ، ﻓﻴﺮﻯ ﺍﻟﺪﺍﺭﺳﻮﻥ ﺇﻥ ﻛﺘﺎﺑﺎﺗﻪ ﺇﺭﺗﺒﻄﺖ ﺑﺎﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﺔ . ﻭﻓﻌﻼً ﻓﻘﺪ ﻧﺸﺮ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻥ “ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ” ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺛﻼﺙ ﻣﺠﻠﺪﺍﺕ ﻭﻃﺒﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1932 . ﻭﻇﻬﺮﺕ ﻟﻪ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺆﻟﻔﺎﺕ ﺍﻟﻤﺨﺘﺼﺮﺓ ﻣﺜﻞ ” ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ” ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﺗﻈﻬﺮ ﻟﻪ ﺗﺮﺟﻤﺔ ﺇﻧﻜﻠﻴﺰﻳﺔ . ﻭﻛﺘﺎﺏ ﺃﺧﺮ ﺟﺎﺀ ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ ” ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ” . ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺟﺎﺀ ﻛﺘﺎﺑﻪ ” ﺃﺻﻞ ﻭﻫﺪﻑ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ” ﺍﻟﺬﻱ ﻇﻬﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1953 ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﻡ ﺑﺘﺮﺟﻤﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﻧﻜﻠﻴﺰﻳﺔ ﻣﺎﻳﻜﻞ ﺑﻮﻟﻮﻙ ﻭﻃﺒﻌﺘﻪ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻳﻴﻞ . ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺗﻼﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1955 ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻥ ” ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ” ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻃﺒﻊ ﻓﻲ ﻧﻴﻮﻳﻮﺭﻙ ﻭﺑﺘﺮﺟﻤﺔ ﻭﻳﻠﻴﻢ ﺃﻳﺮﻝ .
ﻭﻏﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ ﻳﻘﺎﺭﻥ ﺍﻟﺪﺍﺭﺳﻮﻥ ﺑﻴﻦ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻭﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻣﺎﺭﺗﻦ ﻫﻴﺪﺟﺮ ، ﻭﻳﺤﺴﺒﻮﻥ ﺇﻥ ﻛﻼﻫﻤﺎ ﺳﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺇﺳﺘﻜﺸﺎﻑ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ . ﻭﻛﺎﻧﺎ ﺻﺪﻳﻘﺎﻥ ﻟﻔﺘﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ . ﺇﻻ ﺇﻥ ﺻﺪﺍﻗﺘﻬﻤﺎ ﻗﺪ ﺃﺻﺎﺑﻬﺎ ﺍﻟﻔﺘﻮﺭ ﺍﻟﺒﺎﺭﺩ ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺴﺒﺐ ﺇﺭﺗﺒﺎﻁ ﻫﻴﺪﺟﺮ ﺑﺎﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﻨﺎﺯﻱ . ﻭﻟﻜﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﻦ ﻳﺮﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﺘﻮﺭ ﺟﺎﺀ ﺗﺘﻮﻳﺠﺎً ﻟﻺﺧﺘﻼﻓﺎﺕ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ .
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﻓﻊ ﺍﻥ ﻧﺸﻴﺮ ﻫﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺇﻫﺘﻤﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ﺑﺎﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﺇﺷﺘﻐﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﻣﻦ ﻧﺸﺎﻃﺎﺗﻪ ﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ، ﻳﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺧﺬ ﻓﻴﻬﺎ ﺗﻔﻜﻴﺮ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻋﻘﺪ ﻣﻘﺎﺭﺑﺔ ﺑﻴﻦ ﻻﻫﻮﺕ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺎﺕ ﺍﻟﺸﺮﻗﻴﺔ ﻭﺧﺼﻮﺻﺎً ﺍﻟﺒﻮﺫﻳﺔ . ﻭﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻃﻮﺭ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻣﻔﻬﻮﻡ ” ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻱ ” ﻭﺍﻟﺬﻱ ﺷﻬﺪ ﺗﻄﻮﺭﺍﺕ ﻓﻲ ﻣﻀﻤﺎﺭﻱ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ . ﺇﻥ ﺇﻫﺘﻤﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﺟﺎﺀ ﺍﺛﻨﺎﺀ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ ﺃﺭﺍﺀ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﻭﺍﻟﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﺒﺎﻛﺴﺘﺎﻧﻲ ﺍﻟﺘﺠﺪﻳﺪﻱ ” ﻣﺤﻤﺪ ﺃﻗﺒﺎﻝ ” ﻭﻫﻮ ” ﻳﺤﺎﻭﺭ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ” ‏( ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ : ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ‏) .
ﻟﻘﺪ ﺑﻴﻦ ﻣﺎﻟﻚ ﻣﻌﺎﻟﻢ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻹﻓﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺇﻋﺘﻤﺪﻫﺎ ” ﺇﻗﺒﺎﻝ ” ﻭﻫﻮ ﻳﺤﺎﻭﺭ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻭﺧﺼﻮﺻﺎً ﻓﻲ ﻣﻀﻤﺎﺭ ” ﺍﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ” . ﻳﻘﻮﻝ ﻣﺎﻟﻚ : ” ﻓﺈﻗﺒﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﻗﺪ ﺃﻗﺘﺒﺲ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎً ﻏﺮﻳﺒﺎً ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﺧﻠﻊ ﻋﻠﻴﻪ ﺛﻮﺑﺎً ﺩﻳﻨﻴﺎً . ﻓﻠﻘﺪ ﻛﺎﻥ ﻳﺮﻳﺪ ﻗﻮﻣﻴﺔ ﻣﺴﻠﺤﺔ ” ‏( ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ : ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ‏) . ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺇﻥ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻗﺒﺎﻝ ﺗﻄﻠﻊ ﺇﻟﻰ ﺇﺳﺘﺜﻤﺎﺭ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪﺛﺖ ﻋﻦ ” ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻱ ” ﺃﻭ ﺑﻠﻐﺔ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ “ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻱ ” . ﻭﺗﺄﺗﻲ ﺍﻹﻓﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﻛﺎﺷﻔﺔ ﻋﻦ ﺗﻮﻇﻴﻒ ﺇﻗﺒﺎﻝ ﻟﻔﻜﺮﺓ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺟﺎﺀ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻖ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﺆﻛﺪﺍً : ” ﻭﺭﺑﻤﺎ ﻧﺠﺪ ﻫﻨﺎ ﻋﻨﺪﻩ ‏( ﺃﻱ ﺇﻗﺒﺎﻝ ‏) ﺍﻟﻨﺰﻋﺔ ﺍﻟﻤﺴﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺠﻠﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻃﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺟﺎﺳﺒﺮﺯ ‏( ﺃﻱ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ‏) ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻱ ” ‏( ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ : ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ‏) .
ﻭﺇﻋﺘﻤﺎﺩﺍً ﻋﻠﻰ ﻻﻫﻮﺕ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻤﺘﺰﺝ ﻭﺗﺘﺪﺍﺧﻞ ﻓﻴﻪ ﺃﺑﻌﺎﺩ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﻱ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻲ ﺑﺎﻟﻤﻜﻮﻥ ﺍﻻﻫﻮﺗﻲ ﺍﻟﺒﻮﺫﻱ ، ﻳﺄﺗﻲ ﺍﻟﺘﻮﻇﻴﻒ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻔﻴﺪ ﻣﻦ ﻣﺠﺎﻫﺪﺓ ﺍﻟﺒﺎﻛﺴﺘﺎﻧﻲ ﺇﻗﺒﺎﻝ ﻟﻔﻜﺮﺓ “ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻱ ” ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻮﻟﺖ ﺇﻟﻰ ﻓﻜﺮﺓ ” ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻣﺤﻮﺭ ﺣﺮﻛﺔ ” ﻭﺍﻟﺬﻱ ﺟﺎﺀ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻹﻓﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﺋﻠﺔ : ” ﻓﺄﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﻳﺘﺨﺬ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻣﺤﻮﺭ ﺣﺮﻛﺔ ﻟﺤﻴﺎﺗﻪ ﻛﻠﻬﺎ ، ﻓﻬﻮ ﻣﻔﺘﺎﺡ ﻧﻔﺴﻴﺘﻪ ﻭﺍﻟﻤﻘﻴﺎﺱ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻘﺎﺱ ﺑﻪ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺳﻠﻮﻛﻪ ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﺴﺮ ﺃﻥ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﻳﺔ ﻟﻬﺎ ﻋﻨﺪﻩ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻭﺳﻴﻄﺮﺓ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺃﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ” ‏( ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ : ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ‏) .
ﻭﻧﺤﺴﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻘﻮﻳﻢ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﺇﻥ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺗﻔﻜﻴﺮ ﻣﺎﻟﻚ ﻟﻢ ﺗﻄﻠﻊ ﻋﻠﻰ ﺗﻔﻜﻴﺮ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ . ﻛﻤﺎ ﺇﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﺄﺗﻲ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﻣﺎﻟﻜﻴﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻟﻤﺆﻟﻔﺎﺕ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﺍﻟﺘﻲ ﺫﻛﺮﻧﺎﻫﺎ ﻓﻲ ﺃﻋﻼﻩ ، ﻭﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﻓﻜﺮﺓ ” ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻱ ” ﺑﻠﻐﺔ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻭﻓﻜﺮﺓ ” ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﺤﻮﺭﻱ ” ﺑﻠﻐﺔ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻗﺒﺎﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺇﻗﺘﺒﺴﻬﺎ ﻣﺎﻟﻚ ، ﻗﺪ ﺟﺎﺀﺕ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺤﻮﺍﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﺟﺮﻯ ﺑﻴﻦ ﺩﺍﺋﺮﺗﻲ ﺗﻔﻜﻴﺮ ﺍﻹﺛﻨﻴﻦ : ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻭﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻗﺒﺎﻝ .
ﻭﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻵﻥ ﻳﺨﺺ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﺍﻹﻧﻜﻠﻴﺰﻱ ” ﻛﻮﻟﻦ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ” ، ﻭﻫﻮ ﺳﺆﺍﻝ ﺗﻘﻠﻴﺪﻱ ﻧﺮﻓﻌﻪ ﻛﻞ ﻣﺮﺓ : ﻣﺎ ﺣﺠﻢ ﺣﻀﻮﺭ ﻓﻠﺴﻔﺔ ” ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ” ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺘﺒﻪ ﻗﻠﻢ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ؟ ﻭﻛﻴﻒ ﺗﻌﺎﻣﻞ ﻣﺎﻟﻚ ﻣﻊ ﺍﻹﻃﺮﻭﺣﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﻟﺪﻫﺎ ﺗﻔﻜﻴﺮ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ؟
ﻳﺒﺪﻭ ﻟﻨﺎ ﺇﻥ ﻣﺎﻟﻜﺎً ﻗﺪ ﻋﺮﻑ ﻛﻮﻟﻦ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ، ﻭﻗﺮﺃ ﻛﺘﺎﺑﻪ ” ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ” ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺩﻕ ﻗﺮﺃ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﻼﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﻨﻴﺔ ﺑﺎﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﺔ ﻭﺃﺧﺒﺎﺭ ﻓﻼﺳﻔﺘﻬﺎ . ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻹﺳﺘﺜﻤﺎﺭ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻹﻃﺮﻭﺣﺎﺕ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻗﺪ ﺃﺧﺬﺕ ﺇﺗﺠﺎﻫﻴﻦ : ﺍﻷﻭﻝ ﻓﻠﺴﻔﻲ ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ، ﻭﺟﺎﺀ ﻳﺤﻤﻞ ﺇﺷﺎﺭﺓ ﻣﻜﺜﻔﺔ ﻟﻘﻀﻴﺔ ” ﺇﻓﻮﻝ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ” ﺃﻭ “ ﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ” ﻭﻫﻮ ﻋﻨﻮﺍﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﻛﺘﺐ ﻛﻮﻟﻦ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ﻭﺍﻟﺬﻱ ﺗﺮﺟﻢ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﺎﺕ . ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﻳﺘﻤﻨﻰ ﻟﻮ ﺇﺷﺘﻐﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻔﻜﺮﻧﺎ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ، ﻟﻜﺎﻧﺖ ﻟﺤﺮﺍﺛﺘﻪ ﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﻣﺴﺎﻫﻤﺔ ﻣﻬﻤﺔ ﻓﻲ ﻃﻮﺍﺑﻖ ﺍﻟﻌﻤﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺠﻞ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ﺭﻳﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﻣﻀﻤﺎﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺩﺍﺭﻧﺎ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ . ﻭﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺇﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺗﻤﺜﻞ ﺑﺎﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﺮﺩ “ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ” ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ . ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺗﺤﻮﻝ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﺑﻤﻨﻈﺎﺭ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ، ﺇﻟﻰ ﻋﻴﻨﺔ ﺳﺮﻳﺮﻳﺔ ﻟﻠﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ .
ﻳﺼﻨﻒ ﺍﻟﺪﺍﺭﺳﻮﻥ ﻛﻮﻟﻦ ﻫﻨﺮﻱ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ، ﻛﻮﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﻴﻦ ﻭﺭﻭﺍﺋﻲ . ﻭﻟﺪ ﻓﻲ 26 ﺣﺰﻳﺮﺍﻥ ﻋﺎﻡ 1931 ﻓﻲ ﻟﻴﺴﺘﺮ – ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ . ﺗﺮﻙ ﻣﻘﺎﻋﺪ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﺣﻴﻦ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﻋﺸﺮ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻩ ، ﻭﺇﻧﺼﺮﻑ ﻟﻠﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺼﺎﻧﻊ ﻭﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﻣﻬﻦ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ . ﺇﻻ ﺇﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻨﻘﻄﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ، ﻓﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﻃﻘﺴﻪ ﺍﻟﻴﻮﻣﻲ ، ﺧﺼﻮﺻﺎً ﻓﻲ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﺍﻍ ﻭﺍﻟﺮﺍﺣﺔ ﺑﻴﻦ ﺳﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﻌﻤﻞ . ﺻﺪﺭ ﻟﻪ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻷﻭﻝ ” ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ” ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1956 ﻭﻛﺎﻥ ﻋﻤﺮﻩ ﻟﻢ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺮﺍﺑﻌﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ ﺭﺑﻴﻌﺎً . ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﺇﻫﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ﻭﻣﺸﺮﻭﻉ ﺍﻹﺳﺘﺜﻤﺎﺭ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ ﻟﻘﻀﻴﺘﻲ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﻋﻼﻗﺘﻪ ﺑﺎﻟﺠﻤﺎﻋﺔ .
ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﻧﺸﺮ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ﻛﺘﺎﺑﻪ ” ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻤﺘﻤﺮﺩ ” ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1957 ، ﻭﺗﻼﻩ ﺻﺪﻭﺭ ﻛﺘﺒﻪ ﻭﺭﻭﺍﻳﺎﺗﻪ ﺗﺒﺎﻋﺎ ﻭﻣﻨﻬﺎ : ﻋﺼﺮ ﺍﻟﻬﺰﻳﻤﺔ 1959 ، ﻃﻘﻮﺱ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻼﻡ 1960 ، ﺿﻴﺎﻉ ﻓﻲ ﺳﻮﻫﻮ 1961 ، ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ 1963 ، ﺭﺟﻞ ﺑﻼ ﻇﻞ 1963 ، ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ 1965 ، ﺍﻟﻤﺪﺧﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ 1966 ، ﺍﻟﻘﻔﺺ ﺍﻟﺰﺟﺎﺟﻲ 1966 ، ﺿﺪ ﺳﺎﺭﺗﺮ ﻭﻣﻘﺎﻻﺕ ﻋﻦ ﻛﺎﻣﻮ 1981 ، ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ 2009 ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ .
ﻭﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻹﻫﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻗﺪ ﺇﺳﺘﻬﺪﻑ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ، ﻓﻨﺤﺴﺐ ﺇﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻼﺯﻡ ﻣﻦ ﻛﻠﻤﺔ ﺑﺤﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ . ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺇﻥ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﺭ ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﻜﺒﺎﺭ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ : ﺃﻟﺒﺮﺕ ﻛﺎﻣﻮ ، ﺟﺎﻥ ﺑﻮﻝ ﺳﺎﺭﺗﺮ ، ﺇﺭﻧﺴﺖ ﻫﻤﻨﻐﻮﺍﻱ ، ﻫﺮﻣﺎﻥ ﻫﺲ ، ﺩﻳﺴﺘﻮﻓﺴﻜﻲ ﻭﺁﺧﺮﻭﻥ . ﻛﻤﺎ ﻭﻧﺎﻗﺶ ﻓﻴﻪ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ﻣﻔﻬﻮﻡ ” ﺍﻹﻏﺘﺮﺍﺏ ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ” ﻭﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ . ﻭﻗﺪ ﺣﻘﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺃﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺒﻴﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ . ﻭﺑﺬﻟﻚ ﺃﺳﻬﻢ ﻣﻦ ﻃﺮﻓﻪ ﻓﻲ ﺭﻭﺍﺝ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﻃﻴﺎﻑ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻨﻮﻋﺔ .
ﻭﻫﻨﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﺳﺠﻞ ﻣﻼﺣﻈﺔ ﻋﻠﻰ ﺭﺅﻳﺔ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ، ﻓﺄﻗﻮﻝ ﺇﻧﻪ ﻳﻌﻴﺪ ﺻﻴﺎﻏﺔ ﻧﻈﺮﺓ ﺃﺷﺒﻨﺠﻠﺮ ﺇﻟﻰ ﺷﺨﺼﻴﺔ ” ﻓﺎﻭﺳﺖ ” ﺍﻟﻨﺎﻗﺼﺔ ‏( ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻋﺎﻟﺠﻬﺎ ﻏﻮﺗﻪ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻷﻭﻝ ‏) ، ﻓﻬﻲ ﺗﺸﺒﻪ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻭﻳﺼﺒﺢ ” ﻓﺎﻭﺳﺖ ” ﻓﻲ ‏( ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺏ ﻏﻮﺗﻪ ‏) ﺭﺟﻞ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ . ﻭﻫﻮ ﺷﺒﻴﻪ ﺑﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ، ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﻓﻴﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺑﻄﻞ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻓﻲ ﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ‏) ‏( ﻣﺤﻤﺪ ﺟﻠﻮﺏ ﺍﻟﻔﺮﺣﺎﻥ : ﻧﻤﻮﺫﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺄﻭﻳﻞ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻟﻠﺘﺎﺭﻳﺦ ، ﻣﻨﺸﻮﺭ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ : ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﻭﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ، ﻣﻄﺒﻌﺔ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﺍﻟﻤﻮﺻﻞ 1987 ، ﺹ 81 ‏) .
ﺇﻥ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﺣﺴﺐ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ، ﻫﻮ “ ﻋﺮﺽ ﻣﻦ ﺃﻋﺮﺍﺽ ﺗﺪﻫﻮﺭ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ” ﻭﺣﺴﺐ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ﻫﻮ ﻣﻈﻬﺮ ﻣﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ ” ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻹﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﻔﺮﺩ ” ‏( ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ : ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ، ﺹ 91 ‏) ﻫﺬﺍ ﻃﺮﻑ . ﻭﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺁﺧﺮ ﺇﻥ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻴﻦ ﺣﺴﺐ ﺭﺅﻳﺔ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ” ﻳﻈﻬﺮﻭﻥ ﻛﺎﻟﺒﺜﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﺟﻠﺪ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺤﺘﻀﺮﺓ . ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻳﻤﻴﻞ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﻣﺤﻴﻄﻪ . ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻣﺮﻳﻀﺔ ﺭﻭﺣﻴﺎً ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻳﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﺫﺍﺗﻪ ، ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺻﺤﺘﻪ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ ﺗﺴﺎﻋﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻤﻞ ﺃﻋﺒﺎﺀ ﺍﻟﻜﻔﺎﺡ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺼﺒﺢ ﻻﻣﻨﺘﻤﻴﺎً )“ ﻛﻮﻟﻦ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ : ﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ، ﺗﺮﺟﻤﺔ ﺃﻧﻴﺲ ﺯﻛﻲ ﺣﺴﻦ ، ﻁ 2 ﺑﻴﺮﻭﺕ 1971 ، ﺹ 6 ‏) .
ﻭﻧﺤﺴﺐ ﺇﻥ ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ﺗﺨﺺ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺍﻟﻤﻌﺎﻓﻰ ﺭﻭﺣﻴﺎً ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻓﻴﻪ ﻭﺻﻒ ﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﺋﺮ ، ﺍﻟﻨﺒﻲ ﻭﺍﻟﻤﺼﻠﺢ ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺗﺄﺳﻴﺲ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﺎﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ ، ﻭﻳﺘﻄﻠﻊ ﺇﻟﻰ ﺗﻜﻮﻳﻦ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺟﺪﻳﺪ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ، ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺗﺄﻟﻴﻒ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻻ ﺻﻠﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻷﻣﺲ ﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ . ﻭﻧﺸﻌﺮ ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺻﻴﻒ ﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﻓﻰ ﺭﻭﺣﻴﺎً ﻳﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻰ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﻣﻔﻜﺮﻧﺎ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ، ﺍﻟﺬﻱ ﻗﻄﻊ ﻋﻼﻗﺘﻪ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﻤﺖ ﻣﻦ ﺻﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﻭﺛﻘﺎﻓﺔ ﻭﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺻﻔﻴﻦ . ﻭﻟﻜﻮﻧﻪ ﺍﻟﻤﻌﺎﻓﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺘﻤﻲ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺁﺧﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻷﺻﻴﻠﺔ ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺤﻤﻞ ﺭﺍﻳﺔ ﺍﻟﺘﺠﺪﻳﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻌﻮﺩﺓ ﺑﺜﻘﺎﻓﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﻳﻨﺎﺑﻴﻌﻬﺎ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻹﺻﻠﻴﺔ ﺯﻣﻦ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺍﻟﺴﻤﺤﺎﺀ .
ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻥ ﻣﺎﻟﻚ ﺻﺤﻴﺢ ﻛﻞ ﺍﻟﺼﺤﺔ ، ﻓﻲ ﻧﻘﺪﻩ ﻭﺗﻘﻮﻳﻤﻪ ﻟﻠﺠﺰﺀ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻛﻮﻟﻦ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﺧﺺ ﺑﻬﺎ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ . ﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺟﺎﺀ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﻣﺎﻟﻚ ﻟﻸﺯﻣﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ، ﻭﺣﺪﻳﺜﻪ ﻋﻦ ﻧﺘﺎﺋﺠﻬﺎ ﺍﻟﻘﺮﻳﺒﺔ ﻭﺍﻟﺒﻌﻴﺪﺓ ، ﻭﺃﺷﺎﺭ ﺇﻟﻰ ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﺯﻣﺔ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ” ﻣﺂﻟﻬﺎ ﺍﻟﺒﻌﻴﺪ ﺇﻓﻮﻝ ﺣﻀﺎﺭﺓ ” ﻭﻓﻲ ” ﺍﻟﻘﺮﻳﺐ ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻹﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﻔﺮﺩ ﺯﻭﺍﻻً ” ‏( ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ : ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ‏) . ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺇﺳﺘﺸﻬﺪ ﻣﺎﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﺯﻣﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ، ﺑﺈﻣﺜﻠﺔ ﺷﺎﺧﺼﺔ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﻧﻈﺎﺭﻩ ، ﻓﺮﺃﻯ ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﺯﻣﺔ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺗﻬﺎ ” ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﻛﺘﺎﺏ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﻟﻺﻧﺠﻠﻴﺰﻱ ﻛﻮﻟﻴﻦ ﻭﻟﺴﻮﻥ ” ‏( ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ‏) .
ﻭﻇﻞ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ﻣﺸﺘﻐﻼً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺟﺰﺀ ﻣﻦ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﻣﺮﻳﻀﺔ . ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻧﺎﻗﺶ ﻣﺎﻟﻚ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻨﺎﻓﺮ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺣﺴﺐ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ، ﺃﻭ ﺑﻠﻐﺔ ﻣﺎﻟﻚ ﺍﻟﺘﻨﺎﻓﺮ ” ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺸﺎﻃﻴﻦ ﺍﻟﻔﺮﺩﻱ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻲ ” . ﻭﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺇﻥ ” ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩﻱ ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﻋﻦ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ، ﺃﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺨﻠﻰ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻛﻤﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﻛﻮﻟﻦ ﻭﻟﺴﻮﻥ ﻣﺆﻟﻒ ﺍﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ . ﻭﺑﺼﻮﺭﺓ ﻋﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ ﻻ ﻳﻨﺨﺮﻁ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﻔﺮﺩﻱ ﺃﻟﺒﺘﺔ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻲ ” ‏( ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ : ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ، ﺹ ﺹ 94 – 95 ‏) .
ﻭﻧﺤﺴﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺗﻌﻤﻴﻢ ﻻ ﻳﺘﻨﺎﻏﻢ ﻣﻊ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ ﻟﻼﻣﻨﺘﻤﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﻓﻰ ﺭﻭﺣﻴﺎً ‏( ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻨﺘﻤﻲ ﺇﻟﻰ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﺘﺨﺸﺐ ﻭﺛﻘﺎﻓﺔ ﻣﺘﺨﺸﺒﺔ ﺃﻛﻠﺖ ﺍﻹﺭﺿﺔ ﺟﻮﻫﺮﻫﻤﺎ ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻳﺘﻄﻠﻊ ﻭﻳﻨﺘﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻧﻤﻄﻴﻦ ﺟﺪﻳﺪﻳﻦ : ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺟﺪﻳﺪ ﻭﺛﻘﺎﻓﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ‏) . ﻧﻘﻮﻝ ﻻ ﻳﺘﻨﺎﻏﻢ ﻭﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎﺗﻬﺎ ﺍﻷﻭﻟﻰ ، ﻭﺧﺼﻮﺻﺎً ﻟﺤﻈﺔ ﺗﺒﻠﻴﻎ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﻣﺤﻤﺪ ‏( ﺹ ‏) ﻟﻠﺮﺳﺎﻟﺔ ﻭﺇﺳﺘﻐﺮﺍﺏ ﺍﻷﻗﺮﺑﺎﺀ ﻗﺒﻞ ﺍﻷﺻﺪﻗﺎﺀ ﻣﻦ ﺩﻋﻮﺗﻪ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺩﻳﻨﺎً ﻭﺣﻀﺎﺭﺓ ﻭﻣﺠﺘﻤﻌﺎ ﻭﺛﻘﺎﻓﺔ . ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺇﺣﺘﺠﺎﺝ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﺑﺮﻣﺘﻪ ﻳﻮﻣﺬﺍﻙ ﻋﻠﻰ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺍﻟﺴﻤﺤﺎﺀ . ﺇﻥ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺷﺎﻫﺪ ﻋﻠﻰ ﺻﺤﺔ ﻧﺸﺎﻁ ﺍﻟﻔﺮﺩ ‏( ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﻣﺤﻤﺪ “ ﺹ (” ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻌﺎﺭﺽ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻲ ‏( ﺟﻤﻮﻉ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﻗﺒﻞ ﺗﺤﻮﻟﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﺳﻼﻡ ‏) . ﻭﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻟﺘﻨﺎﻓﺮ، ﺟﺎﺀﺕ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻟﺘﻨﺎﻏﻢ ﺑﻴﻦ ﻧﺸﺎﻁ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺜﻠﺖ ﻓﻲ ﻗﻴﺎﻡ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ، ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﺷﺮﻭﻕ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺷﻤﺴﺎً ﻛﻮﻧﻴﺎً ، ﻧﺸﺮﺕ ﻣﻔﺎﻫﻴﻢ ﺍﻷﺧﻮﺓ ﻭﺛﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ ﻓﻲ ﻋﻤﻮﻡ ﺍﻟﻤﻌﻤﻮﺭﺓ . ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻛﺎﻥ ﻣﺎﻟﻚ ﺻﺤﻴﺢ ﻛﻞ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﻓﻲ ﺩﻋﻮﺗﻪ ﺇﻟﻰ ﺗﻨﺎﻏﻢ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﻔﺮﺩﻱ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻲ . ﻓﺮﺣﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﻧﺒﻲ ﻭﻃﻴﺐ ﺛﺮﺍﻩ

[ﻛﺎﺭﻝ ﻳﺎﺳﺒﺮﺯ ﻭﻛﻮﻟﻦ ﻭﻳﻠﺴﻮﻥ]

د.جلوب الفرحان

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.