حـرية التعبير

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

حـرية التعبير
من الرقابة المحلية إلى تهمتي الإرهاب و معاداة السامية

محمد عدنان سالم

لا تختلف الرقابة على المطبوعات في سورية عن نظيراتها في معظم بلدان الوطن العربي، إلا في درجة التشدد الرقابي، وزاوية النظر. وعلى الرغم من أنها تقع في الوسط من حيث التشدد، وإفساح بعض المجال للرأي المخالف، فقد أخذت تتخفف تدريجاً من كليهما.

ولا يزال على الناشر في سورية ، حين يزمع نشر كتاب أن يعرضه قبل الطبع على مديرية الرقابة في وزارة الإعلام، وأن ينتظر رأيها فيه وحكمها عليه، الذي قد يتراوح بين السماح المطلق، أو المشروط ببعض الحذف، وبين المنع الكلي. ويستغرق انتظاره في المعدل المتوسط شهراً واحداً، وقد يتعدى ذلك إلى بضعة أشهر، خاصة إذا كان عنوانه مثيراً؛ مثل عنوان (خوف لا ينتهي)، على الرغم من أن مضمونه لا يخيف أحداً.

كما لا يزال على الناشر أن يقدم الكتاب إلى مديرية الرقابة بعد الطبع للحصول على إذنها بتداوله، بعد تأكدها من الالتزام بالمخطوط، وعدم إدخال أي تعديل عليه.

وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات الرقابية تعيق حركة النشر في عصر يتسارع فيه توليد الأفكار ونشرها، وتفقد فيه بعض المطبوعات قيمتها العلمية أو منا سبتها السياسية أو الاجتماعية قبل أن تغادر المطبعة وتصل إلى يد القارئ، فإن الناشر ما يزال يركن إليها ويألفها، ويفضلها على حرية النشر التي قد تعرضه لتحمل مسؤوليته عن الكلمة؛ سواءً أكانت مسؤولية سياسية أو اجتماعية أو دينية ولئن كان تذرعه بموافقة الرقابة المسبقة، قد يخفف من مسؤوليته، لكنه لن يعفيه منها، خاصة إذا ارتدت المسؤولية العباءة الأمنية.

على أية حال فإن مشكلة الرقابة المحلية، ربما كانت هي الأهون على الناشر العربي، فإذا ما تجاوزها، وطبع الكتاب ونشره في بلده، فإن عليه أن يحصل له على موافقات بعدد دول الجامعة العربية إلا قليلاً ممن أراح نفسه من عبء الرقابة المسبقة، لكلٍّ منها مزاجه ومعاييره وآلياته الخاصة به لممارسة هوايته في مراقبة المطبوعات الواردة إليه، وهي مدانة كلها مسبقاً حتى تثبت براءتها، وإثبات البراءة- فضلاً عن الزمن الطويل الذي يستغرقه- سيكون متعذراً جداً في بلدان متباينة الأنظمة والاتجاهات، ويندر جداً أن ينجو كتاب من منع هنا أو حجر هناك، فإذا ما فتح له باب في بلد، أوصدت دونه أبواب في بلدان أخرى بذرائع شتى. والضحية دائماً هو القارئ المحروم من حقه في الاطلاع، ومن ورائه الثقافة العربية المحرومة من حقها في الإبداع، إذ الإبداع لا يزكو إلا في مناخ التعدد، وحرية التعبير، واحتكاك الأفكار، وتصادم الآراء، واحتدام النقد، أما الثقافة الأحادية المنكفئة على نفسها، المتقوقعة على ذاتها، فإنها عقيم لا تنجب.

لقد كانت الثقافة العربية، وكان الكتاب العربي بألف خير أواسط القرن الماضي ، قبل أن تكون لدينا وزارات للثقافة والإعلام؛ تفرض وصاياتها المتباينة على القارئ. وتقرر له ماذا عليه أن يقرأ، وتحجب عنه مالا يروق لها أن يقرأه، فقد كان الكتاب يمر عبر الحدود من بلد إلى بلد دون قيود، وكانت تؤخذ له التحية من قبل رجال الجمارك، لأنه يتعلق بالثقافة، والحكم عليه متروك للقارئ ونقده الواعي، قبل أن تعده الأنظمة الشمولية قاصراً، وتصدر حكمها بالحجر عليه: لتخرج في الوطن العربي جيلاً من الإمعات، يتغذى عقله بالوجبات المصنعة الجاهزة، المنمطة على مزاج الرقيب، وتحكمه المصادفة التي قد تسلمه إلى رقيب إسلامي أو علماني؛ يحرمه كل منهما من الاطلاع على فكر الآخر، ويكفي للتأكد من حجم الكارثة الاطلاع على قائمة الممنوعات في معرض من معارض الكتاب، التي ستضم عشوائياً كل كتاب يحمل في عنوانه كلمة إسلام في بلد علماني، وكل كتاب تشتم منه رائحة التجديد أو النقد في بلد إسلامي. ولو ابتلي مجتمع من المجتمعات برقابة مزدوجة علمانية وإسلامية ، فإن هذا المجتمع لن يقرأ شيئاً.

ولو أنهما رفعا وصايتهما معاً عن القارئ، لما زكى ونما في المجتمع غير الفكر الأنفع والأسمى والأقدر على الإقناع، بموجب القانون الإلهي الصارم: (كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جُفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض( [ الرعد13/17].

ولا يخاف من الآخر إلا إنسان فاقد لثقته بفكره، عاجز عن إقناع الآخرين به.

ثم إن معاناة الناشر العربي لم تقف عند حدود رقابته المحلية، أو رقاباته العربية المتباينة، فها هو ذا يقف مرعوباً متوجساً خائفاً أمام رقابة أعتى وأشد نكالاً، في عصر العولمة والهيمنة، أصلتت عليه سيوف الاتهام، كلما ضبط متلبساً بجريمة الدفاع عن حقوق المقهورين، المهجَّرين، المحتلة أراضيهم، المنتهكة حقوقهم وأعراضهم وأموالهم، أو بجريمة توجيه اللوم للظالم المعتدي وإدانة عدوانه وكشف أباطيله، فثمة تهم مبتكرة جاهزة معدة للإيقاع به، ووضعه في قفص الاتهام؛ بتهمة الإرهاب تارة، ومعاداة السامية تارة أخرى، وثمة عقوبات جديدة غريبة على المجتمع الدولي: تجميد الأموال وتجفيف الينابيع،وثمة نماذج ديمقراطية لنمط المحاكمات في غوانتينامو وأبي غريب، وثمة هوية أعدها النظام الدولي الجديد ينبغي أن يحملها الإنسان بدلاً من هويته القديمة، وثقافة بديلة يجب أن تغسل الأدمغة لاعتناقها، ومرجعية بديلة يجب أن تقطع العلائق كلها للانتماء إليها..

أي ديمقراطية؟! وأي حرية ؟! وأي حقوق للإنسان؟! إن على الناشرين- في سورية والوطن العربي- أن يناضلوا- فرادى وجماعات عبر اتحاداتهم- من أجل حرية التعبير ، وحرية النشر، وحرية مرور الأفكار.. من أجل أن يتحرك الكتاب بلا حدود لا قيود..

وعليهم أن يمتلكوا الشجاعة لتحمل مسؤولية الكلمة التي ينشرونها، تجاه المجتمع والدولة؛ مسؤولية يخترقون بها كل أطر الآبائية والماضوية والتقليد والاجترار والسكون، ليعيدوا للثقافة العربية الإسلامية حراكها وفعاليتها وقدرتها على العطاء والنماء..

في عصر المعلومات وثورة الاتصالات التي نعيش، أفلتت الكلمة من سلاسل الرقيب، وانطلقت حرةً تصل إلى الإنسان في كل مكان. وتنهمر عليه من السماء عبر الفضائيات، وتنبع بين يديه في الأرض عبر الشبكات.. لم يعد الإنسان أسير الكلمة الواحدة والخطاب الواحد والرأي الواحد، فقد تعددت أمامه الخيارات إلى درجة الطوفان، وعليه أن يتقن السباحة في خضم المعلومات ليطفو على السطح ظافراً بخيراتها ناجياً من أحاييلها وآثامها.

لم يعد للرقابة معنى في عصر المعلومات، ولن تجديها وصايتها نفعاً، إذا لم تكن مسؤولية الكلمة مشتركة يضطلع بها الكاتب والناشر والقارئ جميعاً.

أعرف ناشراً حصل على موافقة الرقابة في بلده على طبع كتابٍ، وجدفيه من الطامّات التي فاتت الرقيب، ما يُملي عليه شعوره بمسؤوليته عن الكلمة التي ينشرها حذفه، فحذفه من دون رجوع إلى الرقيب، ولا اعتماد على موافقته التي تعفيه رسمياً من المسؤولية.

إن المسؤول عن الكلمة أولاً وأخيراً في نظري هو القارئ؛ بوعيه الناقد، وحسه الثقافي المرهف، يستطيع أن يوجه حركة الفكر والنشر. بإقباله على الإبداع المميز والإنتاج الثقافي النافع، يمكنه أن يصحح المسار، ويتجاوز الغثاء، وينحي الأفكار القاتلة، ويدفن الأفكار الميتة.

لا أخاف على القارئ النهم من الضلال، فنهمه للقراءة وتوقه للاطلاع سوف يهديانه إلى سواء السبيل، فالقراءة الواعية تصحح أخطاءها..

إنما الخوف الكبير على القارئ أن يحيد عن درب القراءة، وتتراخى يده عن الكتاب، فتلك هي الطامة الكبرى..

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.